صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

نحن الآن فى صباح اليوم التالي

1811 مشاهدة

28 مايو 2014
كتب : منير عامر



إذا نظرنا إلى النتيجة الآن، سنرى أننا نعيش يوم الثلاثاء السابع والعشرين من مايو من عام 2014 ومازالت طوابير المصريين تتواصل من أجل صناعة مستقبل مختلف.. ومن المؤكد أننا جميعا عشنا أخطارا صاعقة، بدت رياحها مثيرة للزهق من فرط الركود فيما قبل الخامس والعشرين من يناير 2011 ثم هبت عاصفة عارمة اختلطت فيها الأحلام النقية بفيروسات التجسس وصارت الخيالات سابحة بين موجات «ضلال نفسى» و«هلاوس مثاليات» هى تعبير عن حقوق بسيطة كان يجب أن تكون مكفولة لعموم المصريين.

 
 ولم يلجأ خصوم المصريين إلى صواريخ عابرة للقارات كالتى استخدمتها الولايات المتحدة لهدم بنيان العراق فى ظل حكم صدام حسين، فقد كان لدينا صواريخ أشد فتكا بأفكارنا ومواردنا أكثر من الصواريخ العابرة للقارات، كان عندنا صاروخ اسمه «أحمد عز» وآخر اسمه «صفوت الشريف» وثالث اسمه «عاطف عبيد» مهندس بيع القطاع العام، ثم رئيس بنك التهريب للأموال، وهو من أطمع يوما فى أن نسمع لهيئة مكتبه عن الملايين التى خرجت من البنك فى الأيام الأولى لثورة يناير، وطبعا ليس من المستحيل تخيل حدوث تفجير للانتماء لمصر عند عموم رجال الأعمال والمستثمرين المصريين، فمن هو القادر على إنكار ما أضافه هؤلاء من صناعات تبدو بسيطة ولكنها تدر المليارات، ومن منا بقادر على أن يشق صدور رجال أمثال حسين صبور وجلال زوربا وإبراهيم كامل ومحمد فريد خميس وآل ساويرس وآل طلعت مصطفى وآل لطفى منصور، وآل صفوان ثابت، ولابد أن يجد فى تلك الصدور محبة للوطن الذى أعطاهم من خيره الكثير والكثير. والمؤكد أن العديد منهم لم يقم بزيارة لمعهد الأورام ليسيروا فوق أكداس من المرضى ولم يتقدم أحدهم - وهم من كبار رجال الأعمال أى أنهم من أكثر البشر معرفة بكيفية تكوين الثروة فى عصر السادات وعصر مبارك، ولم يقم أحدهم باتخاذ قرار ببناء المعهد الجديد كاملا على نفقته، ولم يلمس أحدهم بقدمه مستشفى قصر العينى ليرى بأم عينه أن المريض قد لا يجد جلبابا ليرتديه عندما يخرج من القصر إن كتب الله له الشفاء. ولقد يصرخ أحدهم «لست وزارة شئون اجتماعية حتى أقوم بما يجب أن تقوم به الدولة»، متناسيا أن عموم أهل المحروسة قد غضوا البصر - عجزا أو كرها - على ما كسبه هؤلاء من المشاريع التى دخل بعضهم فيها لشراء بعض من مصانع القطاع العام المذبوح بسكين مبارك، ولا أحد ينكر عليهم ما اكتسبوه من مليارات. ولم تتجه عيون أى منهم إلى اليابان على سبيل المثال ليزوروا قرية «كاميوكا» الواقعة أعلى جبل يحمل نفس الاسم ليجدوا أن العديد من رجال الأعمال وكبار المستثمرين اليابانيين قد أقاموا منتدى لمعنى الثراء، ورصدوا الكثير من ثرواتهم من أجل منح المتفوقين من طلبة المدارس الثانوية فرصة للتدريب على الحياة فى الجامعة حيث يدرسون فروع العلوم التطبيقية وكيفية استكمال ما سبق للوصول إلى مخترعات تحتاج إلى تطوير.
 
 
والعجيب أن اليابان التى فيها عدة مئات من رجال الأعمال لن تجد لرجل أعمال واحد طائرة خاصة، فالخطوط الجوية اليابانية حاضرة فى خياله، فضلا عن أن أحدا منهم لا يرتدى ساعة بعشرات المئات من الدولارات بل مجرد ساعة يابانية لا يزيد ثمنها على عدة دولارات بسيطة، ولن تجد سيارات فارهة تم تصنيعها خصيصا لأى منهم بل سيارة يابانية عادية جدا.
 
 
ولم يقم أحدهم ليلة زفاف ابنه أو ابنته وطبع الدعوة بحروف ذهبية على صفحة تزن كيلو جراما من الفضة كما حدث كثيرا فى عموم ربوع المحروسة، وقد عشت أنا كاتب هذه السطور على قمة هذا الجبل لمدة أسبوع لأجد حيرة رجال الأعمال الذين لا يجدون منفذا يعبرون فيه عن «الخير» سوى مساعدة المنظمات الدولية التى تعمل فى أفريقيا أو المجتمعات المتخلفة، لأن الدولة هناك غنية بما تحصله من ضرائب منهم، طبعا لن أنسى كيف قاموا بتحويل أعشاب البحر إلى بسكويت، ولن أنسى أيضا أنهم حولوا «الملوخية» إلى بسكويت مملح، وذلك لمزيد من الرفاهية» !!.
 
وطبعا لا داعى لأن أذكر كيف تعاون محمد الأمين فى صمت شديد لتأسيس جناح مكتمل فى استقبال قصر العينى، ولن أنسى أيضا كيف رصد مع شريكه منصور عامر تخصيص وقف خاص لعلاج الفقراء بمبلغ يزيد على مائة مليون جنيه دفعا منها ما يزيد على المائة ألف جنيه فى تكاليف علاج روائى نادر الوجود هو محمد ناجى أثناء إجراء عملية تغيير الكبد، بوساطة من نقيبنا الأسبق مكرم محمد أحمد.
 
وقبل أن يلوك خيال كائن بشرى بأن لى صلة أو حتى مجرد رؤية لأى من محمد الأمين أو منصور عامر، فأنا أقول للجميع ما تعرفه عموم أجهزة الدولة عنى وعن كل من أتعامل معهم، الكل يعلم أنه ليست لى أدنى علاقة من قريب أو بعيد بأى شخصية من الشخصيات التى جاء ذكرها فى سطورى، وإن كنت أحمل بالتقدير ما سمعته منذ سنوات بعيدة من محمد فريد خميس إبان عمله كرئيس لاتحاد الصناعات، وكان هناك غداء أقامه الاتحاد لتكريم وزير المالية آنذاك «محيى الدين الغريب» الذى دخل السجن من بعدها ليقضى عقوبة طالت باتهام أصدرت المحكمة من بعد ذلك حكما ببراءته، قال محمد فريد خميس يومها حقيقتين كل منهما ظلت معلقة فى ذاكرتى رافضة أن يطوى النسيان أيا منهما، الحقيقة الأولى التى ذكرها رئيس اتحاد الصناعات فى ذلك الزمن أن أى رجل أعمال لا يكسب أكثر من ثلاثين بالمائة من رأس ماله، فيمكننا اعتباره «رجل أعمال خايب». والحقيقة الثانية أن كرستوفر وزير خارجية أمريكا أعلن فى محاضرة له أن كل معونة أمريكية تقدمها الولايات المتحدة لأى دولة من دول العالم ليست سوى صنارة تصطاد لاقتصاد الولايات المتحدة أربعة دولارات أخرى. وهناك معلومة ثالثة رواها لى الأستاذ الدكتور إبراهيم فوزى رئيس هيئة الاستثمار الأسبق، حيث أخبرنى أن فريد خميس وجه دعوة لبعض من أعضاء مجلس اللوردات البريطانى ليزوروا مصر ويتعرفوا بأم أعينهم على أن ماحدث فيها يوم الثلاثين من يونيو والثالث من يوليو ليس انقلابا عسكريا، وهو يعيد الكرة مرة أخرى بدعوة عدد آخر من مجلس العموم واللوردات ليتعرفوا على مشاعر المصريين بعد الانتخابات.
 
وبطبيعة الحال لا أنسى لمحمد فريد خميس اتصاله بى حين كتبت عن أزمة روز اليوسف مع وزارة التأمينات وأوفى بالوعد الذى قطعه على نفسه بإرسال نصف مليون جنيه لدعم روز اليوسف، وبطبيعة الحال تم تطبيق قرار إحسان عبدالقدوس بعدم تلقى أى كاتب أو محرر لأى عمولة أو مكافأة لما يحققه قلمه لمكاسب للمؤسسة التى يعمل بها، وكنت أكثر الناس سعادة وزهوا حين دخل المبلغ كاملا إلى ميزانية روزاليوسف، فقياداتها تعلم أنى أعيش فى ستر عالى القيمة من دخلى ككاتب ولست مستعدا تحت أية ظروف أن يتحول قلمى إلى تابع لأى كائن من كان، ولو بالشبهة.
 
وحين سمعت إجابة المشير عبد الفتاح السيسى على سؤال شريف عامر - ابنى وصديقى فى نفس الوقت - حين صدق على أمنية تولى عبدالفتاح السيسى لمسئولية قيادة مصر قائلا «اللهم آمين»، ثم جاء سؤاله عن كيفية التصرف مع جماعات أصحاب المصالح المتزاحمين حول المرشح الرئاسى الأوفر حظا؛ فأجاب المشير بأنه سوف يستدعى الخير الموجود فى أعماقهم تجاه مصر؛ فضلا عن أنه ليس مدينا لأحد، مدين فقط لعموم المصريين الذين فوضوه فى السادس والعشرين من يوليو لمواجهة الإرهاب. وهنا تساءلت بينى وبين نفسى «قد يكون إرهاب المتأسلمين شرسا ومواجهته تستحق الجهد، لكن ألم يكن استنزاف ثروات مصر عبر عصر مبارك هو الذى ولد لنا كل جحافل البطالة التى ولدت بدورها جزءا لا بأس به من الإرهاب المتأسلم؟».
 
انتبهت يومها إلى ما فعله جمال عبدالناصر منذ عام 1954 كى يقنع أصحاب الثروات أن يستثمروا فى بلدهم مصر، وأشعل لهم أصابعه العشرة كشموع، لكنهم ظلوا على انتمائهم لثرواتهم أكثر من انتمائهم لمصر المحروسة، واستمر الحال هكذا إلى أن جاء التأميم عام 1961 كسيف يجعل الدولة هى المنتجة والمؤسسة للصناعة لنبدأ أيامها خطة تنمية طموحة حققت نموا وصل إلى ستة وسبعة بالمائة فيما قبل العدوان الإسرائيلى فى الخامس من يونيو 1967 وتم بناء السد العالى. ولن أنسى أبدا لقائى مع ملك القطن عام 3691 المليونير محمد فرغلى؛ لأجرى معه حوارا بدأته بسؤال عن إحساسه بالندم، فراوغ قبل ان يجيبنى بالحرف الواحد أن التأميم أنقذه هو وبقية الرأسماليين من أن تقطع رءوسهم لو كانت قد قامت ثورة شيوعية فى مصر المحروسة. وأخذ يضحك يومها على التشبيه الذى قلته له «أى أن ما أخذه التأميم هو مجرد بعض ما أنتجته براعة الرأسماليين فى توليد بغلة الفقر المصرية؛ ولم ينتبهوا إلى أن البلدان لا تحيا بأغنيائها فقط، بل لابد أن يشعر فقراؤها بإشباع حاجاتهم الأساسية».
 
والذاكرة تحمل الحوار الطويل الذى دار بين منصور حسن حين أكرمنا فى صباح الخير بندوة عام 2012 ناقشه فيها شباب المحررين وكبار كتابها . وحين سألوه عن تعامله مع الرأسمالية التى أصابها التوحش، أجاب بأنهم إن لم يقوموا بالمسئولية الاجتماعية فهناك إجراءات أكثر قسوة من التأميم. وبطبيعة الحال، لم يكن لبرلمان الإخوان المسلمين التابع لفرد واحد هو خيرت الشاطر أن يوقع ثلاثون من نوابه على وثيقة ترشيح منصور حسن لرئاسة الجمهورية؛ حيث طلب الإخوان ترشيح خيرت الشاطر كنائب له، فرفض منصور، وهو صديقى لمدى أربعين عاما من العمر، ومازلت أتذكر ابتسامته وهو يقول لى «لا أقبل ترشيحا مشروطا» وحين قلت له «لو أنك قبلت شروطهم فلن يثنيهم ذلك عن اغتيالك فهم متخصصون فى الاغتيالات»، وضحكنا متذكرين ليلة الحوار التى استمرت إلى الفجر بينه وبين عمر التلمسانى مرشد الإخوان ومعه المؤسس للعنف المعاصر للإخوان المسلمين مصطفى مشهور، وكان عمر التلمسانى ناعما كالحرير، وكان مصطفى مشهور يخفى مرارة الشوق الأرعن للسلطة. قال منصور حسن «فى السياسة لابد أن نتذكر أن العنف يولد العنف، فهل تعلم الإخوان ذلك؟». ذكرته بأن المتأخون يظن أنه هو قانون السماء الذى يسير على الأرض، لذلك فلا توبة عن العنف. ابتسم قائلا «لاتيأس من رحمة الله»، ضحكت قائلا «لكن الله لا يهدى القوم الضالين الكاذبين»، خصوصا من يتواصلون ليل نهار مع أجهزة الولايات المتحدة». ولاداعٍ للتذكير بأنهم لم ينسوا لمنصور حسن كيف اتصل به محامى الرهائن الأمريكيين عام 1980 وأبلغه أنه تواصل مع الإخوان المسلمين وأنهم سيقومون بمظاهرة فى ميدان عابدين فى يوم الجمعة كى يستنكروا اعتقال حكومة الخومينى للرهائن، وهنا اتصل منصور حسن - وفى حضور المحامى الأمريكى - بعمر التلمسانى مرشد الإخوان، وقال له «إن خرجت أى مظاهرة فى ميدان عابدين فعليك أن تتحمل تبعات مقابلتها بالعنف الشديد من قبل الأمن، وانتظر منى مكالمة أخرى أحدد لك فيها مكان أى مظاهرة يريدها منك محامى الرهائن ، ثم التفت لمحامى الرهائن طالبا إياه أن يأتى صباح اليوم التالى بصحبة ألفريد أثرتون سفير الولايات المتحدة فى مصر فى ذلك الوقت، وحين حضر الأثنان طلب من السفير أن تمد المعونة الأمريكية وزارة الإعلام المصرية بتجديد شامل لمعدات التليفزيون والإذاعة، وحين وافق السفير على ماطلبه منصور حسن إتصل بعمر التلمسانى وقال له «يمكنك حشد أعضاء الجماعة فى الجامع الأزهر وأن تستنكروا احتجاز الرهائن، دون ظهور لشعار واحد من شعارات الإخوان المسلمين، وإلا فالأمن سوف يتصرف. فلت يومها «قلت: يبدو أن الإخوان وأمريكا لهما قصة سرية عميقة الجذور ونحن لا ندرى».
 
بطبيعة الحال لم ينس المتأسلمون لمنصور هذا التاريخ، قصة اكتشافه لعمق العلاقة بين الإخوان وبين أجهزة الولايات المتحدة، ورحل منصور إلى ربه قبل أن يشهد نهايتهم. وكانت آخر كلماته معى هى نفس الجملة التى سبق وقالها للرئيس السادات «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».
 
 وها نحن فى عموم أرض المحروسة نعيش أيامنا عبر صواعق متعددة القسوة وقادرة على إستخراج ما فى كنوز الأعماق أحلام، بدء من الخامس والعشرين من يناير، مرورا بتصحيحها فى الثلاثين من يونيو.
 
ومن فوران البراكين اليومية، تسللت أجهزة مخابرات الدنيا تحاول ترتيب أحلام المصريين وتيارات الغضب لمزيد من تفتيت الإرادة المصرية، وبطبيعة الحال لا أحد فينا ينسى كيف قام حسنى مبارك باستئصال القدرة على بناء عقول قادرة على العمل العام حيث اكتفى الطموح العام أيامها على تقديس شخصه، فانتشرت عبارة «مصر مبارك» كأنها الضيعة التى ورثها عن أبيه، أو كأنه ظل الله فى الأرض، بينما كان يجرى النهب العام لثروات مصر.
 
 
وكلما سمعنا عن ثراء فلان أو علان، كنا نرى - على سبيل المثال لا الحصر - جثة الشاب المتفوق عبدالحميد شحاتة الذى ألقى بنفسه فى النيل لأن يوسف بطرس غالى الوزير المسئول فى ذلك الوقت قد رفض تعيينه بالسلك التجارى لانخفاض منزلته الاجتماعية، على الرغم من أنه كان أول دفعته بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولعل عدم تحرك الجيل الشاب يوم انتحار عبدالحميد هو السبب فى قول كل أعوان مبارك بعد حادث إشعال «بوعزيزى» الشاب التونسى النار فى جسده، كان أعوان مبارك يقولون «مصر ليست تونس» تماما كما لم يثر المصريون حين غرقت الباخرة سالم حاملة أرواح العديد من المصريين إلى قاع البحر طعاما لأسماك القرش فى البحر الأحمر ، بينما كان قائد أسماك القرش فوق الأرض الرئيس الأسبق حسنى مبارك يصر على حضور مبارة لكرة القدم هو والعائلة «!!».
 
وبدا لنا جميعا أن مصر تعيش بين ثراء أحمق.. وجوع شرس.. داخل طاحونة الغضب.
 
ولا تنسى الذاكرة القيادى الإخوانى حلمى الجزار وهو يطوف بالقنوات الفضائية يدعو عموم المصريين كى يعصروا على أنفسهم ليمونا ويقبلوا بمحمد مرسى رئيسا، وكنت أتساءل «هل يمكن أن يوجد لمصر جالس على كرسى القيادة نتيجة لعصر الليمون على النفس؟».
 
وفور أن جلس على كرسى الحكم المدعو محمد مرسى العياط حتى قدم أوراق اعتماده كسفير لزراعة الفوضى والتفرقة بين عموم المصريين وجيشهم، كانت أوراق الاعتماد هى ذبح ستة عشر مقاتلا على الحدود فى لحظة انطلاق مدفع الإفطار الرمضانى، وكان من قبل قد صك مع جماعته ذلك الهتاف المقيت «يسقط حكم العسكر»، وبطبيعة الحال، صاحب هذا الهتاف دعوة من المتأسلمين لمجموعات إرهابية، ولدت وترعرعت منذ تكوين حسن البنا لما يسمى بالنظام الخاص، كان الوهم عند حسن البنا ومن جاءوا بعد أن الجيش المصرى قد أصابه ركود طويل، ولن تقوم له قائمة، وماهى إلا سنوات حتى جاءت ثورة يوليو 1952 وما أن حاولوا ركوبها حتى ألقتهم من فوق ظهرها لأنهم بدأوا ما تعودوا عليه وهو الاغتيال.
 
كان المجتمع المصرى عام 2011 يحمل نفس رائحة مجتمع ما قبل ثورة يوليو، الوجوه التى تستورد طعامها من باريس، والوجوه الصفراء التى يطل منها مرض البلاجرا، وهو المرض الذى يحول بشرة الإنسان إلى اللون الرمادى نتيجة لسوء التغذية المزمن، بينما تتمايل سيدات الطبقة الراقية بحثا عن ريجيم يخفف من الوزن حفاظا على الأناقة المستوردة من شارع الموضة «فوبور سان أونير» بباريس أو «فيا فينتو» بروما، هذا الشارع الذى أضحك كلما تذكرت اسمه لأنى رأيت فيه قميصا رجاليا بعدة مئات من اليورو، مكتوبا عليه «مصنوع من الباتستا المصرية».. نعم سافرت الباتستا المصرية من المحلة إلى روما ليصنعوا منها قميصا رجاليا بعدة مئات من الجنيهات، والمخضرمون أمثالى يعلمون أن قماش الباتستا كان المفضل عند الريفيات الفقيرات ليصنعن منه قميص النوم الوحيد الذى تشتريه العروس من نقود «النقوط» التى كانت تأتيها فيما قبل الزفاف. وفى المقابل تزدحم شوارع القاهرة الرئيسية بأكوام من الملابس المستعملة القادمة من أوروبا.
 
كان مناخ مصر مواتيا لنوبة غضب رصدتها أجهزة محلية وعالمية، كما رصدها «عبدالفتاح السيسى» عبر تقديره لموقف المجتمع المصرى مما يجرى على سطحه من أحداث سياسية، وإن كان تقديره قد توقع الغضب الساطع فى مايو 2011 لا يناير 2011.
 
وما أن تولى مرسى مقاليد الحكم فى يوليو 2011 حتى بدأ فى التسلل إلى مفاصل الدولة، وبدأ محاولا التدخل فى المؤسسة الصلبة «الجيش» فلم يفلح، صحيح أنه قد ذبح ثلة من المقاتلين لحظة الإفطار الرمضانى بواسطة عصاباته الحمساوية، وصحيح أيضا أنه لم يلتفت إلى أن العقيدة القتالية للجيش المصرى تأسست على ألا تطلق منه رصاصة واحدة على أى مصرى.
 
وكان جنون مرسى قد تأكد حين أصدر إعلانه الدستورى الذى قال فيه «أنا ربكم الأعلى».
 
أليس هو من سلم أوراق اعتماده كحارس لإسرائيل من منظمة حماس؟ أليس هو من يسمع المندوبة السامية الأمريكية السفيرة «آن باتريسون» فيطيع على الفور؟
 
أليس هو من كان يرجو الجيش ألا يحسم أمر الإرهاب فى سيناء لأنه يتفاوض معهم؟ أليس هو من قبل بعودة المندوب السامى لموقع توجيه القرار المصرى؟ ولم يوجد فى جماعته فرد يقدر على إنكار التواصل مع أجهزة التجسس الأمريكية وفى كل قرار مع آن باتريسون التى شاءت أن تحيى فى ذاكرة المصريين صورة الكريه اللورد كرومر. ولا أحد بقادر على تجاهل إساءات جماعته لدين الله الذى نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بحرق الكنائس وقتل عموم المصريين رغبة فى استمرار جلوسه على عرش مصر.
 
وكان من الطبيعى ألا ننسى تلك المظاهرة السلمية المنظمة الهادرة الهائلة التى خرجت لتقول للإعلان الديكتاتورى الذى أصدره مرسى «لا»، وملأت المظاهرة بنظام محمود شارع الميرغنى المجاور لقصر الاتحادية، ليطلق عليهم محمد مرسى العياط من بعد ذلك تجمهرا من أجساد لا عقول لها ولا تملك التفكير إلا بطاعة من يستأجرونهم أو على الأقل يوجهونهم إلى عراك غير آدمى مع من يختلفون معهم فى الرأى، ولا أحد ينسى مشهد الشاب الذى كان صراخه يحتاج إيداعه فى مصحة نفسية وهو يمسك بعلبة جبنة نستو ويصرخ «جبنة نستو يا معفنين» ثم لتلتقط الكلمة واحدة من جماعة المتأسلمين لتقول أن من اعتصموا أمام الاتحادية كانوا يخبئون حبوب منع حمل وأدوية مخدرة. ولا أحد ينسى مشهد الدبلوماسى السابق المضروب بقسوة هائلة، ومعه حمادة صابر المسحول بطول وعرض الشارع الذى يفصل قصر الاتحادية عن مترو الميرغنى، لتتوالى أيام نشاهد ونسمع لغة الإبادة والإهانة من صبيان خيرت الشاطر، ويتحول المجتمع المصرى شاخصا لقواته المسلحة لعلها تزيح عنه هذا الكابوس، فنحن عموم المصريين صرنا مفجوعين حين تجلت ملامح الصورة المتأمرة، فلا يمكن تجاهل عملية مهاجمة السجون وأقسام الشرطة يوم الثامن والعشرين من يناير؟ لا يمكن تجاهل ذلك دون الربط بين أجهزة المخابرات المختلفة التى صارت تلعب بأعصابنا «عمال على بطال»، وكان من الطبيعى أن يستدعى المصريون جيشهم ليرد هذا الجشع المتأمر.
 
الآن نحن فى صباح اليوم التالى للانتخابات الرئاسية، ولنا أن نتذكر ما فعله محمد على حين شاء بناء مصر الحديثة فصادر كل الأراضى والمناصب، وأعاد تشكيل المجتمع بعد أن ذبح المماليك. ولنا أن نتذكر ما فعله جمال عبدالناصر بعد أن قاد ثورة يوليو 1952 فكان الإصلاح الزراعى، ثم مرت تسع سنوات قبل أن يبدأ التأميم الذى وصفه رجل الأعمال محمد فرغلى بأنه لم يكن هناك مفرا منه كيلا تأتى الشيوعية إلى مصر، والآن على الجميع تذكر أن مسلسل البطالة و«الفركشة الاجتماعية» آن له أن ينتهى، والأمر المؤكد أن الدلالات التى خرجت من اجتماعهم مع المشير عبدالفتاح السيسى، قد قطعت بقدرتهم على استيعاب دورس ما مضى من تاريخ، ولن يفعل أحدهم مثلما فعل أحدهم هو أحمد بهجت حين اقترض من البنوك المصرية ملايين ليؤسس شركات متعددة فى السادس من أكتوبر، ثم رفع منذ أسابيع قضية يطالب فيها الحكومة المصرية بتعويض يبلغ ستة مليارات دولار، لمجرد أن شاءت استرداد أموالها وهى التى قامت أكثر من مرة بإعادة الجدولة، فلم تجد البنوك مفرا من إقامة مزاد تبيع فيه بعضا من ممتلكات أحمد بهجت، الذى تدثر بجنسيته الأمريكية وراح يهددنا.
 
طبعا يمكن لأحمد بهجت أن يحتمى بالجنسية الأمريكية، ويمكن لمن يحذو حذوه أن يتصرف مثله، لكن أحدا من قيادات بنوك مصر غير قادر على التفريط، أكتب هذا وأنا أعلم عن طاقة الاختيار الهائلة التى وضع أسسها فاروق العقدة فأعطتنا قيادات بنكية مثل هشام رامز وهشام عكاشة، وأدعى لنفسى أنى أعلم كيفية الأمانة التى يتمتع بها كلاهما فى إدارة عمله، سمعت عن هشام رامز فى دبى ما يسر القلب، أما هشام عكاشة فقد عايشته عبر صداقتى العميقة مع والده د.أحمد عكاشة. أما بقية قيادات البنوك فلم يسعدنى حظى بمعرفة أحوالهم ، ولكن بما أن البنك المركزى يتمتع برجل نزيه ومتعلم، ومادام البنك الأهلى أكبر بنوك مصر يديره هذا الشاب المشهود له بالكفاءة محليا ودوليا، فلابد أن يكون قادة البنوك من نفس الطراز من الرجال.
 
ها نحن فى صباح اليوم التالى وفى انتظار خريطة العمل التى أثق أنها ستشمل تدريبا عمليا لكل قطاعات الدولة كى تنتعش الحياة المصرية لا بمظاهرات طلب العلاوات، ولكن بانتظار تحقيق إتقان يجعلنا نخرج من بيوتنا مشتاقين إلى مقار أعمالنا لأنها جبهات قتال ضد تخلفنا، وأن نعود إلى بيوتنا مشتاقين للراحة والانسجام مع أسرنا التى نحلم بها مقبلة على الحياة بشغف القدرة على العطاء.


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook