صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

فى عيد ميلاد عبدالرحمن الأبنودى

2578 مشاهدة

15 ابريل 2014
كتب : منير عامر



عن عبدالرحمن يقول أستاذنا هيكل «هو شاعر عاش وسط الجماهير وهى تحاول بالثورة أن تصنع مستقبلا. وهو لا يغنى لهذا المستقبل من بعيد، وإنما ينشد من وسط الجموع وبلغتها، وهى تتدافع بالزحف أحيانا وبالتراجع أحيانا أخرى، خطوة بالأمل وخطوة بالألم، وهى أحيانا صيحة بالفرح تهلل، وفى أحيان أخرى جرح بالوجع مفتوح».
 
لأن ميلاده كشاعر كبير جاء من الغرفة المجاورة لصالة تحرير صباح الخير عام 1961 لذلك كان من المستحيل ألا أذهب لعيد ميلاده السادس والسبعين فى بيت عميدة الصحافة العربية «الأهرام». وكان الحضور من أهل النقاء بداية من أستاذنا الذى نستظل بشجرة معرفته الأخاذة، محمد حسنين هيكل، ومعه ضمير النقاء المصفى بهاء طاهر، وبجانبهما عطر المودة بفهم التاريخ صديقنا «صابر عرب» وزير الثقافة، وبجانبه جمال الغيطانى أحد سادة الرواية الكبار، ثم تأتى نوارة عمر عبدالرحمن شقيقة المودة نهال كمال، وهؤلاء هم ضيوف الذى لم يعرض قلمه فى سوق النخاسة الإعلامية «أحمد السيد النجار»، وكان من المثير إلى حد الدهشة أن يكون لقاء عبدالرحمن مع أحمد فى هذا الاحتفال هو اللقاء الأول بينهما بشكل مباشر، ويجلس فى الصف الأول النساج الحالى لضمير أهرام الثورة وإتقان الأداء المهنى كجسر إلى المستقبل محمد عبدالهادى علام الذى يرأس الجريدة التى أبرزها من ركود طويل أستاذنا هيكل لتعطينا عبر سنوات قيادته معنى لحياة تليق بنا، ومن بعد انتصار أكتوبر بدأ مسلسل لم يتحمله ضمير من كتب قرار حرب أكتوبر، فيخرج من الأهرام، لكن الجريدة «الضمير» تحتفظ بوهج الشعلة حتى لو اختفى تحت سنوات من رماد، ويأتى لها من أبنائها من أكملوا تعليمهم لأصول المهنة ويجددون حيويتها لتعود للصحافة القومية بهجة الشجن بأن الضمير المصرى لا يمكن طمسه مهما حاول أهل الركود منع الضوء من سطوره. ولابد من الاعتراف بأن تعبير أكمل تعليمه لأصول المهنة هو الوصف الذى قاله محمد عبدالهادى علام عن عزت إبراهيم الذى يتولى منصب مدير تحرير هذا الصرح الصحفى العملاق.
 
أخطو إلى الأهرام البيت الصحفى الذى يلعب منذ أن أحياه هيكل دور الترموتر لأحوال الحاضر والمستقبل، فإن خبا الضوء منه فمعنى ذلك أن الركود قد طال، وإن أضاءت حروفه بلحن المستقبل فنحن أمام قدرة على قراءة دفتر أحوال الضمير المصرى. أخطو إلى الاحتفال بعيد ميلاد ديوان مربعات الأبنودىّ الذى خرج من مطابع الهيئة العامة للكتاب، وأشرف على إصداره رئيسها الدكتور أحمد مجاهد الذى كان صدر قرار بإنهاء عمله من المدعو علاء عبدالعزيز وزير ثقافة المتأسلمين رواد الظلمة والعتمة، وها هو النور يأتى غامرا لنحتفل بالجهد النبيل.
 
أعرف عبدالرحمن شقيقا للروح منذ لقانا الأول عام 1961، فبعد أن يخرج من لقاء صلاح جاهين أول من قدمه كشاعر عامية له معنى وقدرة على قراءة الواقع والمستقبل، كانت استراحته فى بقية وقته هى فى الجلوس بجانبى على مكتبى الإيديال البسيط فى صالة تحرير صباح الخير، ولا نتكلم كثيرا كأن مجرد لقانا هو فرصة لنترك موجات التواصل الأخوى تبنى جسورها بين أفراحنا ومتاعبنا . ويكون اللقاء الثانى كما كانت العادة فى رحاب من حدثنا عن «الشعب السرى» الذى علينا أن نسمع نبضه، وهو بيت الفنان المثال والرسام كمال خليفة، نصعد إلى سطح منزل متهالك، مثقلين بأحلامنا وأحزان الواقع ليفك كمال بإصراره مغاليق ما التبس علينا، ويشعل جمرة الثقة فى أن مصر لن تعرف الاستسلام لقدر موجزه التاريخى «عدم ثقة الحاكم بمن يحكمهم» وصناع عدم الثقة هؤلاء هم سدنة الحفاظ على هيبة الحكم.. نغوص فى قرى مصر لنكبر، نبحث عن أوجاع الناس لنعبر عنها، ويتميز عبدالرحمن عنا بأنه لا يفلت من يده أى حلم، بل يبحث عن جذوره فى الأغانى التى انطلقت من وجدان والدته بنت الطحان فيهدى الأغنيات لكل مصرنا وعروبتنا.. ولا تخبئ الذاكرة ما دار من بؤس البدايات، فالشاعر الذى جاء من أبنود ورفض وظيفة كاتب المحكمة يصر على أن يكون شاعرا. وليس فى القاهرة وظيفة يلتحق بها إنسان تضمن له معاشه لمجرد أنه شاعر. وكنت أندهش لأن عبدالرحمن إن كتب النثر، فلن يضاهيه أحد من جيلنا. حاولت إقناعه بأن يكتب تحقيقات صحفية، هامسا» لا يوجد من تفسح له القاهرة مكانا فيها لأنه يكتب الشعر»، فيبتسم قائلا «حانشوف». كانت عيونه ترى شمس موهبته ساطعة فى قلوب من يحبون شعره.
 
ولن أنسى كيف سطع جمال صوت محمد رشدى وهو يغنى كلمات عبدالرحمن الأبنودى، ولم ألحظ ذكاء عبدالحليم وهو يحاول جعل صداقاتى معه كجسر يصل به إلى قلب عبدالرحمن، فقد تثاقلت مبيعات أغانى عبدالحليم وزادت مبيعات أغانى محمد رشدى بكلمات الأبنودى وألحان بليغ حمدى، وبليغ هو الملحن الذى ابتعد عنه عبدالحليم بعد عدم نجاح أغنية تخونوه وعمره ما خانكم. فطن عبدالحليم لمفتاح النجاح الذى يجب السعى إليه وهو تناغم كلمات الأبنودى مع ألحان بليغ.. ولن أنسى كيف تحول صوت شادية من ثوب البنت الشقية إلى اكتمال النضج الأنثوى حتى بدت أغنية «أسمر يا أسمرانى اللون حبيبى الأسمرانى» كميلاد جديد لها كمطربة ذات طلة أخفتها عنا طويلا.. ولن أنسى قول عبدالرحمن لعبد الحليم» صوت المطرب هو جرنال أكتب فيه الشعر ليصل إلى الجمهور. قالها لعبدالحليم فى الوقت الذى كانت قصائد الشعراء ترمى نفسها على عتبات عيون عبدالحليم لعله يأخذ منها ما يمنح شاعرها مكانة.. ولم يكن عبدالرحمن باحثا عن مكانة فى صوت عبدالحليم، بل كان عبدالحليم هو الباحث عن أهمية الاستمرار على القمة من خلال كلمات عبدالرحمن. ولم يقبل عبدالرحمن أبدا أن يكون شاعر بلاط عبدالحليم، وكان المنصب معروضا إلى أن التقطه بالطاعة والمودة محمد حمزة زميلنا فى صباح الخير.
 
هل أقول أن كل الأغانى الوطنية التى كتبها عبدالرحمن كانت كلها لوجه الوطن فحسب، فلم يدخل جيبه مليم واحد كأجر لها؟ هل أقول أنه يطلبنى أحيانا لكى يسمع رنة تيلفونى المحمول التى تحمل قسمه «أحلف بسماها وبترابها، أحلف بدروبها وأبوابها»، ويضحك قائلا «أصل عايز أسمع الغنوة دى»؟
 
لا يمكن نسيان مشهد خروجه من مبنى الإذاعة بعد أن تأكدت هزيمة يونيو 1967، وكان قد خرج من السجن قبلها بشهور. وعاش أيام الحرب كلها فى الإذاعة يكتب وكمال الطويل يلحن وعبدالحليم يغنى. وأظنه كان مع عبدالحليم وكمال الطويل فى السيارة الشيفورليه التى أحضرها عبدالحليم من الكويت وحاول الجميع الوصول إلى بيت عبدالناصر، فكادت العربة أن تتطربق عليهم وهم فى داخلها من فرط زحام الجماهير. ومازلت حتى هذه اللحظة أضحك متسائلا «لماذا اتجهت الجموع إلى بيت عبد الناصر؟ هل شاءت أن تحميه كرجل سمع نبض أحلامهم؟ أم كما قال صديقنا المشترك سعيد رخا المحامى، وهو يحدثنى تليفونيا لأنى أسكن فى الشارع المجاور لبيت عبدالناصر إنت تعرف ناس بتشتغل مع عبدالناصر. قل لهم يفرقوا سلاح على الناس اللى حوالين البيت.. ماهو مش معقول يجى الأمريكان ياخدوه من وسطنا أسير حرب. أتذكر أنى أصررت على إبلاغ زغلول كامل أصغر الضباط الأحرار وعضو هيئة مكتب عبدالناصر بتلك الحكاية. وظلننا طوال حرب الاستنزاف نضحك كلما تذكرناها. لكن عبدالرحمن لم يكن معنا فى حرب الاستنزاف، فبعد استشهاد عبدالمنعم رياض مباشر رثاه فى الإذاعة وراح يقيم فى السويس. ليجعل من رمضان شهر تذكر لوجوه مصرية عاشت على شط القناة ترفض الهزيمة، وتصنع مقدمات النصر. وكان قلبه ينقبض كلما شاهد وجوه من برزوا بدون خجل ليتاجروا فى أخشاب وأنقاض البيوت التى أهدرتها القنابل، فلم يذكرهم فى شعره وإن لم يكف عن لعنتهم فى أى حوار له مع الأصدقاء.
 
وحين يأتى نصر أكتوبر بدا الانتصار كأنه جائزة شخصية نالها هو دون غيره، وراح يغنى لسيناء التى عادت .
 
فى لندن أهدته العاصمة الإنجليزية صداقات شديدة الدفء مع المقاومة الفلسطينية، وراح عبر صديقه الطيب صالح يعبر عن نفسه، فكان ديوانه الأقرب إلى قلبى وهو «صمت الجرس» وهو من الشعر الصافى الذى تبدو قصائده كلوحات مرسومة من جمال الحياة مع العجز عن حل ألغازها. ولكن عبدالرحمن كما التقط خريطة أعماقه أستاذنا هيكل «هو شاعر عاش وسط الجماهير وهى تحاول بالثورة أن تصنع مستقبلا. وهو لا يغنى لهذا المستقبل من بعيد، وإنما ينشد من وسط الجموع وبلغتها، وهى تتدافع بالزحف أحيانا وبالتراجع أحيانا أخرى، خطوة بالأمل وخطوة بالألم، وهى أحيانا صيحة بالفرح تهلل، وفى أحيان أخرى جرح بالوجع مفتوح. وهكذا أحاط أستاذنا بكلماته حياة الشاعر عبدالرحمن فى كلمات ذات دلالات تتسع إلى وهج شاعرنا بالصدق الذى لا يخبو، فعبدالرحمن _والكلمات مازالت لأستاذنا هيكل '' الثائر الشاعر فى قلب المعمعان، هو الثائر يوما وهو الشاعر فى اليوم التالى . هو الفعل فى الصبح، وهو الضمير فى المساء.
 
تفاصيل حياة عبدالرحمن تبدأ من طاقة صبر يبدو فيه كأنه قادم من جرانيت الصعيد الذى يتقن البناء دون كلل . وهو الصارخ طوال حكم مبارك بأن الصعيد صار بلدا آخر لا نعلم عنه نحن سكان القاهرة شيئا، فقد تمت سرقة قدرتنا على رؤية جذورنا بواسطة الحكم المباركى مع بقايا الحكم الساداتى، فصرنا معلقين من شعر رأس أى منا لنتمرجح فى ضياع غير مبهج، ضياع الغياب عن حق الفقراء فى أن يكون لهم مستقبل. ثم يسرق المتأسلمون فرصة الفرح التى صنعتها الثورة فى الخامس والعشرين من يناير، فيغزل عبدالرحمن نداءات كشف الخيانة «لؤما.. وقلالات أصل.. لا يختشوا العيب.. والله حرام يامصر.. من الثورة .. للخيبة».
 
 
ويهدى عبد الرحمن قصيدة للسجين أحمد دومة. ولابد أنه يعرفه لأنه يشهد له بالنقاء. وأتمنى أن يكون رأى عبدالرحمن فيه هو الصواب. وإن كنت أحلم أن يقدم أحمد بعد أن يخرج من السجن إجابة لسؤال يحيرنى كيف كان لك أن تفخر بمشاركتك فى حرق المجمع العلمى؟؟؟ وأنا لا ألصق بأحمد دومة اتهاما من عندى أو من قول أحد وصل إلى أذنى، ولكنى شاهدت دومة وهو يعلن ذلك فى أحد البرامج المسائية .
وتأتينى إجابة كتبرير أفهمه وأعى مرارته طوال أربعين عاما تعاملت السلطة مع الإنسان المصرى ككائن زائد على حاجتها وبلا قيمة وهو أرخص ما فى هذا البلد، فكيف تلوم كائن على ارتكابه لفعل غير محترم؟
 
ولكن هذا التبرير رغم وعيى بجذوره فإنه لا يعفى من المسئولية فضلا عن أن دومة غير محبوس فى قضية حرق المجمع العلمى، ولكن بقانون التظاهر الذى لم تثبت فاعليته حتى كتابة هذه السطور، فضلا عن أننا لم نر بالعين مشهد التجريس الواجب لكل من رسموا طريق خنوع بلا مبرر منذ جلوس عثمان أحمد عثمان بجانب السادات ليبدأ بعقل لا ترتيب فيه إزهاق قدرات صناعة الأمل فى عموم المصريين، لنصل إلى مجموعة رضخت لتبيع التاريخ وتصنع منه كرسى حمام خلف منصة منصوبة فى مبنى الحزب الوطنى ليقف عليها أحمد عز ليعلن أن جمال مبارك هو مفجر ثورة المستقبل، فهل تم تعليق هؤلاء ومن مهدوا لوجود المتأسلمين فى الحكم؟
 
لم يحمل الواقع أى إجابة لسؤالى، ومازلت مع عموم المصريين ننتظر حساب من أفسدوا لأربعين عاما خلت بالإضافة لمن ظلوا يخططون للتجارة بالوطن ثمانين عاما، وكادوا أن يحققوا المأرب لولا الثلاثين من يونيو .
 
ويا عبدالرحمن كل سنة وأنت طيب.. وإنت تعرف إنى ما أن أراك حتى أقول لك تبدو لى دائما كفرع ورد بلدى يخرج عطرك شعرا يضىء كثيرا ويجرح كل زيف ويعالج بالأمل الكثير من الجراح..ويبقى أن أقول لإبراهيم داود معمارى تلك الليلة الأثيرة: شكراً لأنك تعلمنا أن الوفاء للوطن يبدأ من احترام جذور الأشجار


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة شاملة لبناء الإنسان المصرى

لمصرَ دُنْيا. وحياةٌ. ولشعبها سماتٌ وله دنيته. تاريخها وجغرافيتها خلقت منها دولة استثنائية وسط محيطها. خلقت المصرى. نابعة من ظ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook