صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

متعــة اكتشــاف «البنــى آدميــن»

2714 مشاهدة

4 مارس 2014
كتب : أمل فوزي وريشة: كريم عبدالملاك



 
تبقى.. باريس.. هى المدينة الساحرة والمفضلة لدىًّ.. وعلى الرغم من عدم اتقانى إلا للأبجديات فى اللغة الفرنسية إلا أننى أشعر بتواصل نفسى مع هذا البلد - الذى إن سطعت الشمس فيه - صدفة وسط البرد العنيف وجدت الناس فى الشوارع يوزعون ابتسامات إضافية وضحكات لبعضهم البعض.. هذه المدينة الساحرة التى يقولون عنها : (إن أغمضت عينيك والتقطت صورة بالكاميرا فى أى اتجاه.. ستجد صورة وتحفة فنية رائعة.. نعم.. هذه هى باريس - التى أتحيز لجمالها وثقافتها وشياكة (ناسها) ودأب سكانها.
 
 فى أول يوم وصلت فيه إلى باريس أطلقت على نفسى اسم (بلهاء فى باريس) .. لأننى ضبطت نفسى أسير فى الشارع مبتسمة وكما يقول ابنى الصغير (قلبى بيضحك) من السعادة، سعادة السير، متعة الإحساس بالرصيف والسير ومشاهد المبانى والكنائس عن بُعد، (الفرجة) على واجهات المحلات، متعة شمرائحة القهوة والكرواسان، متعة مشاهدة كبار السن وهم يسيرون ملتفين من البرد، ولكن طاقاتهم عظيمة، متعة المرور بأمهات يجررن عربات أطفالهن المغطاة بالبلاستيك وهى تمسك بيدها الأخرى المظلة للاحتماء من المطر ولكن كفاءة وأداء سيرها يدل على نشاط وتكيف وسلام.. متعة مشاهدة اشخاص ذوى احتياجات خاصة على محطة الأتوبيس ينتظر بكرسيه المتحرك الذى يقوده ويتحكم فيه دون مساعدة، ودون اقتحام من الآخرين بنظرات توحى بالاختلاف، متعة مشاهدة المارة وهم يسيرون بإيقاع سريع بإيقاع يطلق عليه sense of ugencey أى بإحساس أن هناك أمرا طارئا، هذا هو الإيقاع الذى استمتع بمشاهدته، لكننى كنت أحاول كسره، فأنا مستمتعة بالتلكؤ والتباطؤ للاستمتاع بأكبر قدر من البقاء فى حالة (السير فى الشوارع).
 
ما أجملها مشاهدة عندما تشاهد الأم التى تصطحب أطفالها من المدرسة.. كل يركب على (السكووتر) الخاص به..
 
تسألونى.. وحتى الأم تركب (سكووتر) ؟
 
- أجيب.. نعم.. فقد تفاجأت - أنا الأخرى - عندما شاهدت هذه اللقطة - التى أسعدتنى.. نعم الأم وأطفالها يركبون وسيلة مواصلاتهم الخاصة (الممتعة) استغلالا للوقت وإضافة للمتعة، وممارسة الرياضة..
 
- هذا المشهد الخاص (بالسكووتر)- وجدته متكررا، وكأنها موضة انتشرت على أرصفة باريس.. حتى أصبحت وسيلة تنقل ممتازة من العمل للمنزل ومن المدرسة للمنزل..
- للحظة تخيلت نفسى أقود سكووتر ابنى - على الرصيف أمام منزلنا فى القاهرة، ثم عُدت إلى صوابى لأننى تذكرت أنه لا يمكن (السير على الأقدام) أساسا على هذا الرصيف لأنه فى عداد (المفقودين)!!
 
 واستكمالا لمتعة التعامل مع وسائل المواصلات. فإن هناك دائما ما ييسر ويسهل الحياة على المواطنين وعلى السائحين أيضا.. وهذا هو الفرق بين عقول وفكر حكومات تحاول التخفيف عن مواطنيها بأفكار ورؤى مبتكرة وبسيطة ولا تكلف أعباء عظيمة على المواطنين ولا على الحكومة، وفرق آخر بين حكومات تبدع وتبتكر الطرق (لتحميل أعباء إضافية) على مواطنيها.
 
- مع ازدياد عدد السكان فى باريس وضواحيها حتى وصل إلى 12 مليون نسمة وفقا لإحصاءات 2013، ومع توافد عدد كبير من السائحين على هذه المدينة الساحرة، فقد تم إرساء مشروع حديث وهو (الدراجات)..
 
- حيث أصبح هناك كارت يمكن شراؤه من أية محطة للمترو والذى بموجبه يمكن لأى شخص سواء مواطنا أو سائحا أن يأخذ دراجة من (المكان المخصص لها)، ويستطيع الشخص أن يقودها فى أى مكان ثم يقوم بإيقافها فى أقرب نقطة أخرى لانتظار الدراجات.. وإذا أراد أن يلتقط ويحصل على دراجة أخرى فى أى وقت آخر خلال اليوم من أية منطقة أخرى يستطيع أن يقودها ويتحرك بها ثم يوقفها فى أى مكان آخر.. وبهذه الطريقة تم التسهيل على الناس لانتقالهم من مكان لآخر دون الوضع فى الاعتبار عبء إيقاف سيارته.. والأروع أن هناك دراجات مجهزة للأم أو للأب الذى يرافقه طفله الصغير، حيث كرسى الطفل الصغير بحزام الأمان..
 
- ما أدهشنى أيضا، بل ملأ قلبى بالحسرة وبالأفكار السلبية والتى تتلخص فى جملة (إحنا لسه علينا بدرى أوى)!! حتى نلحق بـ (عجلة) التقدم !! - وكما قالت صديقتى:
 
المشكلة أننا لا نسير فى المسار أصلا حتى نقارن !!
 
 أليست هذه هى الحسرة والوجع - ولكن لا نملك إلا التفاؤل
 
- أى تفاؤل - عندما أبشركم أن باريس قد نفذت مشروعا آخر لتيسير المواصلات والانتقالات وهو نفس فكرة (استئجار) الدراجات ولكن بتطبيقها على (السيارات) !!
 
 بلى إنها سيارات صغيرة بالكهرباء لها ساحة انتظار مخصصة حيث يتم توصيل (كابل) من السيارة بماكينة الشحن على الرصيف وبموجب الكارت الذى اشتريه.. يمكننى استخدام أية سيارة كهرباء والانتقال والتجول بها ثم إعادتها إلى أية ساحة انتظار ولو على بُعد (50) ميلا من المكان الأول. وأقوم بتوصيل السيارة بجهاز الشحن حتى يتمكن مستخدم أو مواطن أو سائح استخدام السيارة.
 
∎أليست هذه الدهشة والروعة..
 
 ببساطة هى حكومات تضع المواطن فى اعتبارها - على أقل وصف وتقدير (!!)
وربنا يعوض على الشعب المصرى !!
 
 وكان المشهد الذى أصفه بالخيال العلمى هو مشهد (طلب سيارة أجرة).. بمعنى أننى أطلب رقما معينا من الهاتف الخاص بى.. وأطلب سيارة أجرة، فيتم إفادتى بأن السيارة من ماركة (كذا) ولون (كذا) ستكون فى المكان الذى أتواجد فيه بعد (3) دقائق أو (7) دقائق على أقصى تقدير..
 
 المدهش أنه بطريقة القياس الزمنى بالثانية تكون سيارة الأجرة منتظرة الشخص لتوصيله إلى أى مكان يريده !!
 
 هذه الخدمة يدفع لها سائق التاكسى.. لأنها تتيح له عددا أكبر من الزبائن والعمل، بمعنى أنه يدفع مبلغا للشركة المنظمة لهذا المشروع!!
 
 فى هذا البلد.. الكل باختصار يستطيع الانتقال والحركة  دون ضغوط (لا إنسانية)!!
 ما يزعجنى أكثر هو أن هناك أفكارا نمطية وسائدة تصف الشعب الفرنسى بأنه عنصرى.. عفوا إذا كانت العنصرية تعنى أننى مهما وجدتك مختلفا.. فأنا أحترمك ولا أستطيع التعبير عن قبولى أو رفضى لاختلافك.. فمرحبا بالعنصرية، إذا كانت العنصرية تعنى الفهم الدقيق بين الحقوق والواجبات بين جميع البشر.. فمرحبا بالعنصرية، وكم أننى أقدر شعوبا عنصرية تقوم بأداء واجبها ويقوم أفرادها بالعمل الشاق ولا يشعرونك أنهم أصحاب فضل عليك.. فهذا يجعلنى أتمنى أن أنتمى للعنصرية..
 
- لا داعى للمقارنة فى مفهوم العنصرية وتعريفها بين شعوب تدعى التعاطف والعاطفية والإنسانية، وبين شعوب لا يخفى أفرادها (جمود) أحيانا، وعملية واضحة فى معاملاتهم..
 من الملاحظات التى وجدتها قد طرأت على باريس وبعد غياب عنها دام خمسة أعوام.. هو ازدياد نسبة العرب فيها أكثر وأكثر وقد أكدت لى صديقتى الفرنسية التى تعمل فى مجال المحاماة للاجئين بباريس أن عدد المهاجرين أو بمعنى أدق اللاجئين العرب خاصة الأقباط قد ازداد كثيرا فى العامين الأخيرين وتحديدا من مصر وتونس، كما قالت لى: أعتقد أن شروط قبول اللجوء السياسى والعرقى فى فرنسا أكثر يسرا وسهولة من دول أخرى مثل أمريكا.
 
وقد أحزننى كثيرا - رغم يقينى بالمعلومة ما قالته صديقتى (آلين) أن الأقباط المصريين يزداد عددهم فى فرنسا وهذا إن دل على شىء يدل على (عنصرية) نحاول أن نخفيها ونطمس معالمها أو بمعنى أدق (نضحك على أنفسنا ونكذب ونصدق كذبنا) !!
 
 رغم أننى من أول المتضررين جراء المقارنة بين حالنا وحال البلاد الأخرى.. إلا أن المقارنة صحية - إن أجدنا إستخدامها وفهم المعنى وراءها.
 
 لكن وسط كل هذه المقارنات الموجعة - نكتشف روعة ما نملكه لكننا ربما لا نقدر قيمته كحال كل الإيجابيات التى نهدرها فى إنسانيتنا ولا نقدرها.. ما قالته صديقتى المخرجة الفرنسية وهى تحدثنى عن أحوال الإنتاج السينمائى فى فرنسا وصعوبة ما تعانيه للحصول على فرصة إنتاج.. إلا أنها وسط حديثها قائلة وهى تنظر لنا نحن الأربعة المصريين المتواجدين فى الجلسة معها : (غريب أمركم أنتم المصريين - تتحدثون عن مآسى فى مصر - لكنكم تضحكون وتستمتعون وتسخرون على حالكم)!!
 
 ما قالته بنيديكت جعلنى أنتبه : هل ما تراه ميزة لدينا هل هى بحق ميزة أم عيب.. لأننا لا نجيد استخدامه ؟!
 
- بالمناسبة.. هذا سؤال محير.. وليست جملة معلوماتية (!!)
 
∎ما لا يمكن إنكاره - هو أن هذه الشعوب تعى بحق معنى الديمقراطية وتدرك جيدا معنى سقف الحرية.
 
- وربما يكون المثال على هذا تلك القصة التى عايشتها وقت تواجدى هناك، وهى فضيحة الرئيس الفرنسى (فرانسو أولاند) الذى كان بطل الغلاف على أغلب المجلات والجرائد الفرنسية التى تنتقد علاقته العاطفية، ومدى تأثير كذبه علىتصديق الشعب الفرنسى لسياساته وكيف أن أسهمه ستخسر فى الانتخابات القادمة.
 
- وكيف أن الشارع الفرنسى كان يتحدث عن (شارع السيرك) الذى تم معرفة أن الشقة الغرامية التى يقابل فيها الرئيس الفرنسى عشيقته.. وكيف أن (السيرك) السياسى.. انفجر بتلك الفضيحة.
 
- لا يمكن أن تكون الحياة فى فرنسا وردية فقط، ولكن كان من اللافت للانتباه هو أن الجيل الجديد والذى يبدأ من المراهقة فى سن الثالثة عشرة.. أنه جيل أصابه التحرر أكثر وهناك مشاهد انفلات مثيرة للكثيرين لفتت انتباهى وهذا ما دعانى استوضح تفسيره من بعض المواطنين الفرنسيين، حيث قال لى أحدهم : عندما تشاهدين (طفلة فى الرابعة عشرة تدخن السجائر، وترتدى ملابس لا تليق بها، غير العلاقات غير المتوازنة وغير القانونية فى هذه السن، وإتاحة مساحات حرية وسلطة لجيل الشباب أكثر من سلطة الآباء أنفسهم.. فسره لى المواطن الفرنسى من أصل جزائرى والذى عاش فى فرنسا لأكثر من ربع قرن قائلا : هذا مخطط سحب السلطة من الآباء لأبنائهم.. وتكريس مساحة الولاء والتبعية لهذا الجيل نحو الفكر السياسى والاجتماعى لإعطائهم كل سبل الحرية دون رقيب، وكان هذا المخطط من الانفلات سيخلق جيلا منتميا للشرعية (الانفلاتية) التى سمح بها المجتمع ومؤسساته التعليمية والتربوية لهؤلاء الشباب الصغير.. الذى سيصبح هو الفاعل وصانع القرار يوما أو المستجيب للقرار السياسى يوما ما (!!).
 
- بالفعل لا توجد صدف فى المجتمعات ولا أخلاقياتها ولأنظمتها الاجتماعية والاقتصادية، وكله يصب فى قناة (السياسة) والحكم.
 
ولكن تبقى حقيقة واحدة هى أن الفرق سيظل شاسعا بين مجتمعات وضعت (البنى آدم) أولوياتها وبين مجتمعات جعلت المواطن فى ذيل قائمة (الإنسانية) حتى أصبحت الإنسانية مطلبا صعبا.. نكافح من أجله.. نثور لأجله.. تنقلب الدنيا رأسا على عقب.. ولكن هل تتحقق الإنسانية (!!).


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook