صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

واشنطن.. عفوا الحكومة «قافلة»!

2607 مشاهدة

29 اكتوبر 2013
رسالة من واشنطن: امل فوزى



 
كانت الجملة المتداولة منذ أن وطأت قدماى مطار دالاس بالعاصمة الأمريكية واشنطن دى سى، هى جملةالحكومة«shut down» أى أن الحكومة مغلقة. وقد تصورت أن هناك إضرابا أو اعتصاما وأن المواطن الأمريكى يرفض وضعه المالى أو أن الدنيا قد قامت على أوباما، والحقيقة أننى كنت على استعداد تام للمشاركة فى فعاليات الإضرابات والاعتصامات كنوع من الاعتراض على سياسات أوباما وادعاءاته.
 
لكننى قبل أن أعبر مقر الجوازات الأمريكية بالمطار- وبالطبع قد كنت اعتدت على الرد بافتخار عندما يعرف الموظف أننى قادمة من مصر وعادة ما يتم تبادل حوار لطيف وودى بينى وبين أغلبهم، ولكن هذه المرة كانت شديدة الاختلاف وكانت الجمل المتبادلة شديدة السخف، وأعتقد أن الأمر لم يكن يخصنى وحدى ولكن يخص الكثيرين من جنسيات أخرى، واستشعرت حالة توتر فى المطار، وقد فهمت بعدها أن تلك الإجراءات السخيفة كانت بسبب الحادث الذى وقع فى نفس اليوم وهو اقتحام سيدة أمريكية للبيت الأبيض هى ورضيعها، وقامت قوات الأمن بقتل السيدة فورا لأنها رفضت التوقف بسيارتها.
 
قد شغلنى سؤال بعدها.. أردت أن أسمع إجابته: هل كانت الشرطة الأمريكية غير قادرة على إيقاف السيدة بسيارتها عن طريق إطلاق النار على إطار السيارة مثلا دون الاضطرار إلى قتل السيدة مباشرة دون القبض عليها أولا؟!!
 
بعد يومين من وصولى إلى واشنطن.. كان فضولى يحضرنى على أن تكون أولى زياراتى هى «البيت الأبيض» وكان يوما عاصفا وممطراً والحقيقة أنه كانت لدىَّ قناعة ويقين أننى لن أتمكن من الوصول إلى الشارع الذى يوجد فيه مقر البيت الأبيض، بل هيأت خيالى إلى أننى سأجد جدراناً أسمنتية تغلق كل المداخل المؤدية إلى البيت الأبيض، وهذا تصور منى أن الشرطة الأمريكية تفضل دائماً تقليد أسلوبها الآمن، فهى تقتل من يحاول الاقتراب من مكان سيادى، ومن المؤكد أنها ستضمن بطريقة الأسمنت والحديد.. ولكن بكل أسف قد خاب ظنى فى الصورة الخيالية الثانية، حيث أننى وصلت إلى مقر البيت الأبيض ووجدت السائحين الساذجين أمثالى يلتقطون الصور وسط سيارات الأمن تحت سيول الأمطار، ونتبادل بمنتهى التوحد تصوير بعضنا البعض.. وكل ما تدخلت فيه السيدة الشرطية هى أنها طلبت من الناس التحرك للرصيف المقابل لالتقاط الصور والحقيقة أن فرد الأمن الوحيد الذى شاهدته بأم عينى كانت تلك السيدة بزيها الشرطى والآخرون يلتزمون السيارة فى نهر الطريق.

المشهد الأكثر إثارة أمام البيت الأبيض أيضاً هو تلك الخيمة الكائنة على الرصيف المواجه له تماما، خيمة هزيلة متهالكة ذكرتنى بخيم الإيواء فى قلعة الكبش والمغطاة بالبلاستيك للحماية من المطر، ومعلق عليها صور قديمة لضحايا حرب فيتنام، وفهمت فيما بعد- من مصرى يعيش فى واشنطن منذ أكثر من 25 سنة- أن هذه الخيمة يعود تاريخها لسنوات طويلة تعيش فيها سيدة فيتنامية عجوز تعترض بطريقتها أمام البيت الأبيض ولم يقو أحد على طردها أو إجبارها على الرحيل، حتى أصبحت جزءاً من المزار السياحى، حيث جرت العادة أن يقوم السائحون بتصوير البيت الأبيض ثم الالتفات خلفا لتصوير خيمة الاستنكار للسيدة العجوز!!! وهذا إن دل على شىء فى تصورى يدل على الذكاء أو الخبث والدهاء الأمريكى أكثر من كونه إيمانا حقيقيا بالديمقراطية ولكنه استخدام لها.. وفى زيارتى لمقر الكابيتول أو الكونجرس كان من أكثر الزيارات متعة، فهو المقر الرئيسى لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، يزيد ارتفاعه على 122م وعرضه على 56 م، اختار الرئيس جورج واشنطن مكان بنائه فى موقع مرتفع، وأضيفت إلى بنائه الرئيسى عدة أجنحة فى الفترة ما بين 1851-1865، بالإضافة إلى القبة التى يبلغ ارتفاعها 87م.. يجتمع أعضاء مجلس النواب فى الجناح الأيمن، بينما أعضاء مجلس الشيوخ فى الجناح الأيسر.. مبنى الكابيتول الأمريكى هو المجلس التشريعى لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، يقع فى واشنطن العاصمة فوق تلة تسمى «كابيتول هيل» فى الجهة الشرقية من حديقة ناشيونال مول الوطنية.
 
والمتعة ليست فى روعة المبنى الخارجى فحسب ولا الموقع أو البحيرة المحيطة والحديقة والزهور المدهشة ولكن فى الحالة التى تجمع هذه الجغرافيا المكانية كلها، البشر من مختلف الجنسيات يتعاملون مع هذا الموقع السياسى المركزى فى أمريكا على أنه رحلة متعة وانطلاق، والمدهش أنك لا تشعر فى ذات الوقت بحالة تأمين هيستيريا تزعج المشهد ومن يعيش فيه.. فى نفس الوقت ولأن الوقت الذى تواجدت فيه هو نفس الوقت الذى أغلقت فيه الحكومة الفيدرالية أبوابها، بمعنى أن كل المتاحف والمزارات السياحية التى تمتلكها الحكومة كانت shut down موصدة الأبواب، وتزامن زيارتى للكابيتول بوجود وقفة احتجاجية لا يزيد عدد أفرادها أو بمعنى أدق شبابها على عشرين شاباً وفتاة يفترشون سلالم المبنى من الخارج بمنتهى التحضر ويكتبون لافتات هم ويقفون ويلتقط لهم السائحون الصور وأفراد الشرطة الذين لا يزيد عددهم على ثلاثة يقفون عن بعد، وكان الشباب يعترضون على غلق الحكومة ويطالبون بتسوية الميزانية حتى يتمكن الأفراد من الذهاب إلى أشغالهم ووظائفهم.
 
المفاجأة التى لا يعرفها الكثيرون هى أنها ليست المرة الأولى فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية أن تغلق الحكومة أبوابها والعجب أنها المرة الثامنة عشرة منذ عام، والسبب فى غلق الحكومة فى أكتوبر 2013 هذه المرة بسبب الخلاف الواقع بين الرئيس أوباما وبين الحزب الجمهورى الذى يطالبه بتأجيل مشروعه المسمى «أوباما كير»، ولهذا لم يتمكن الكونجرس من اعتماد ميزانية الحكومة لعام 2013- 2014، وهذه الأزمة المالية أسفرت عن وجود ما يقرب من 800 ألف مواطن أمريكى لم يتمكنوا من الذهاب إلى أعمالهم، حيث إنهم غير معينين بمرتبات ثابتة فأصبحوا بلا اعتماد لأجورهم.
 
هناك نبرة تتردد خاصة بين أوساط الشباب الأمريكى «المثقف» بأن وضع أوباما السياسى على الحافة وأنه قد يخسر الكثير من الشعبية الأمريكية نتيجة لعجز الدين والتضخم فى الميزانية وما يسمونه بالانفلات والفساد المالى فى أمريكا وتردى الأوضاع الاقتصادية.
وقد سمعت نبرة الاعتراض من زياد ثابت وهو أحد الشباب المصريين الأمريكيين الذين بهروا وتعاطفوا مع الثورة المصرية، وهو يقول: العجيب أننى لا أجد اعتراضات ومظاهرات فى الشوارع والشباب معى فى الجامعة لا يريدون المعرفة أو الحديث فى السياسة ولا يشغلهم الحديث عن الواقع والمستقبل السياسى والاقتصادى للبلد!!! وختم حديثه قائلا: لقد سئمت من أمريكا وأريد الرحيل عن هذا الواقع السلبى والمحبط!!!
 
كنت أستمع إليه بشغف وأتخيل صورا كارتونية لو حكيت له على سبيل المواساة بعضا من قصص الانفلات والتردى والظلم والإحباطات وبعض قصص الشباب فى مصر لكننى فضلت الصمت وأن أحافظ على بعض مما نسجه خياله وعاطفة وحنين والده لمصر وما يحكيه عنها وعن تفاصيل رائعة ذابت فى ذلك الواقع المرير الذى لم نعد نراه لا بالعين المجردة ولا حتى بالقلب والعقل المجردين!!
 
يبقى شىء أتنفسه وأعشقه فى تلك البلاد الأمريكية هو ذلك البراح الكبير الرحب الذى تشعر به كإنسان بصرف النظر عن جنسيتك أو جنسك أو لونك أو هيئتك.. إلى حد كبير وبعيد تشعر بأنك حر.. غير مراقب وغير مصنف وغير منقسم.. ربما يكون السفر بعيدا ضروريا للخلاص ولو مؤقتا من تلك المشاعر الموجعة ولو بطريقة تسكين الألم وقتيا.
 
تأمل الذات عن قرب وتأمل الأوطان عن بعد ربما يقرب بينهما.
 


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook