صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أسلوب عبدالفتاح السيسى هو الجملـة الأولـى فى مستقبل مصر

3741 مشاهدة

1 اكتوبر 2013
كتب : منير عامر



 
يحدث دائما أن تزدحم أعماق المواطن بكلمات يريد الهمس بها فى أذن من يراه جديرا بقيادة هذا الوطن، وهذه هى كلماتى التى دارت فى أعماقى وحلمت أن تصل إلى الفريق أول عبد الفتاح السيسى.
 
وأول ما أبدأ به هذا هو عنوان المقال الذى أردته:
سيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسى
 
 لك المودة والتحية.
 
 مودة زرعتها أنت فى قلوب المصريين فكان لابد وأن بدأ بها أى خطاب إليك، فتقبلها منى مع خالص الاحترام».
 
وبعد
 
كلماتى القادمة تأتيك من كهل تعدى السبعين، ولا أطماع شخصية لديه سوى الحياة فى بلد مستقل وكريم.
 
والأمر المؤكد أن الحشود التى خرجت تلبية للنداء بالتفويض قد اختارتك قائدا لهذا الوطن الذى افتقد قيادة لمصر الكرامة.
 
والذى رأيته أنا كاتب هذه السطور فى جموع الحشود أنها خرجت من حلم جمال عبد الناصر فى يوم الثانى والعشرين من ديسمبر عام 1956 لحظة وقوفه فى بورسعيد ليحتفل باستقلالها وخروج جنود العدوان الثلاثى، الذين أتت بهم إمبراطوريتان عظيميتان خارج التاريخ أيضا، الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية الفرنسية.
 
وتلى ذلك حشود متعددة قد لا تتسع الذاكرة لها، وكل حشد كان له أثره، ولكن حشد الرفض لتنحى جمال عبدالناصر مساء التاسع من يونيو 1967 كان له وقع شديد فى نفس كاتب هذه السطور، لأنى عايشته عن قرب وفى القلب منه تماما، حيث كنت أقطن فى شارع بن منظور الموازى تماما لمنزل الرئيس جمال عبدالناصر، وكنت من أوائل من خرجوا لاستكشاف ما جرى، ورأيت البدايات والاستمرار والنهايات لهذا الحشد الغريب الذى دخل التاريخ كواحد من أضخم وأرقى الحشود. أتذكر بعضا من تفاصيل ذاك المساء الغريب، حيث دق باب المنزل واحد من أقرب أصدقاء العمر هو السيد محمد زغلول كامل مسئول الخدمة السرية الأسبق، ليسمع معى بأذنيه صوت المحامى سعيد رخا الذى كان كارها لعبدالناصر، لكنه فى هذه اللحظة طالبنى بأن أتواصل مع السيد سامى شرف كى نستأذنه فى توزيع أى قطع من السلاح على الجموع حتى لا يقال أن المصريين تخلوا عن قائدهم دون قتال. كان سعيد رخا يتوقع أن تنزل القوات الأمريكية أو الإسرائيلية لشوارع القاهرة وتتجه لمنشية البكرى لاعتقال عبد الناصر. وأسرع السيد محمد زغلول كامل بالتواصل مع سامى شرف وتأكد منه أن قرار التنحى نهائى بات ولا رجعة فيه، وترنح الرجال الكبار فى دموعهم ببيت جمال عبدالناصر، فقط كان هناك متماسك وحيد هو السيد أمين هويدى الذى أكن له تقديرا خاصا لشدة نزاهته ولدقة إصراره على أن الزعيم مهم للغاية، ويعلوه فى الأهمية الوطن نفسه.
 
وانصرفت الحشود لتتجمع مرة أخرى فى ميدان التحرير فى يوم استشهاد من سهر ليالى ما بعد الهزيمة العسكرية، ليراجع ملفات كل ضباط القوات المسلحة ليستبقى فى القوات من هو قادر على تحمل أعباء تحرير الوطن قتالا، وليحيل إلى التقاعد من هو غير لائق لتلك المهمة. وكان وداع عبدالمنعم رياض يفوق الخيال.. وتتجمع الحشود رافضة للأحكام العسكرية التى صدرت ضد من تسببوا فى النكسة، وليأتى قول جمال عبد الناصر «الشعب يريد وأنا معه». . وتتوالى أيام حرب الاستنزاف الجسام المشحونة بالنبل والقتال، وتتبعها لحظات وداع عبدالناصر ليحفظها التاريخ كأكبر حشد بشرى لوداع قائد ملهم.
 
ولم نلحظ من بعد ذلك حشودا لها معنى واضح فى الذاكرة إلا حشود الخامس والعشرين من يناير، والتى كان بعضها مصنوع مدفوع، وكثير منها تلقائى بعد سلسلة طويلة من إضرابات قيل أنها «فئوية». ولتستمر الثمانية عشر يوما التى برزت فيها ثعابين وآفاعى استغلال اللحظات، ولم أشك للحظة واحدة أن ظهور الشيخ يوسف القرضاوى على منصة بميدان التحرير هو نذير شؤم شديد. وما تلى ذلك نحن جميعا نعرفه فى صورته العامة وإن جهلنا كثيرا من تفاصيله التى أودت بمصر لتكون تحت مقصلة حكم المتأسلمين، المتجاهلين لحقيقة أساسية أننا كبشر لم نعرف أن هناك خالقا نعبده إلا بعد الميلاد على أرض هذا البلد ولا يصح أن يتحول الإيمان إلى مغناطيس يجذبنا من شعر رءوسنا لنكون معلقين فى الرياح التى تشاؤها رغبات المرشد أو مكتبه أو أعضاء تنظيمه السرى.
 
كان توجسى بلا نهاية وأنا أرقب لغة التهديد التى كان محمد مرسى يبطن بها دعايته لانتخابه، لغة لها جذور فى ذاكرتى عندما سمحت لى الظروف بحضور التفاوض بين الراحل الكريم منصور حسن وعمر التلمسانى عام 1980 وكان برفقة عمر التلمسانى أحد أقطاب التنظيم الخاص وقائده من بعد ذلك مصطفى مشهور، وهو من هرب خارج مصر قبل اغتيال السادات وعاش بالولايات المتحدة وهو من قام بتجنيد محمد مرسى العياط للإخوان المسلمين، وكل منهما يحفظ عن ظهر قلب كتاب «معالم فى الطريق» لسيد قطب، كاهن الإرهاب الأشهر.
 
وأصدق -عن يقين - قسمك الذى أديته أمام شاشة التليفزيون بأن همك الأساسى هو حماية هذا الوطن، وهى مهمة تعلو أى منصب مهما علا. وقد جاء هذا القسم فى الوقت الذى ترنحت فيه السيادة المصرية على أرضها، بعد سنوات طويلة من معاناة إرضاء السيد الأمريكى مهما كان الثمن، وطبعا عشنا زمانا غير قصير من رحلة تفكيك قدرات هذا الوطن منذ عام 1974 .. وترنحت أقدام المتأسلمين بعد التفويض الذى طلبته من المصريين، وكان ترنحها بسبب رؤيتها لفقدان بوصلة الطلب لحكم مصر، فقد ظنوا أن «باترسون» هى التى تحيى وتميت وهى التى توقع على طلبات حكم أهل مصر. وكانت نظرة هؤلاء إلينا نحن المصريين كنظرتهم إلى أكوام من اللحم بلا رءوس مطلوب منها الطاعة والاستسلام والسكون، بعد أن تهرأت فرص بناء أجيال تجد لكل فرد فيها مكان عمل ومستقبلا فى هذا الوطن، وكأن كل مصرى هو مشروع عبد ضمن ركام بشرى كثيف. وحتى بعد الحالة الثورية التى انفجرت فى مصر يوم الخامس والعشرين من يناير، هجمت ملايين أو مليارات الجنيهات تستأجر وتمول مسلسل إرهاق صعب لفكرة بناء مستقبل موحد لأبناء هذا البلد.
 
وجاءت الأيام الثلاثمائة وثمانية وستون يوما هى فترة حكم الإخوان لمصر. أتذكر أن فى الثلث الأخير منها كتبت محدثا إياك فى جريدة العالم اليوم «هل تريدنا أن نقبل يديك لتنقذنا من هؤلاء؟ وكانت كلماتى نابعة من يقين أن كعكة الديموقراطية كانت مسمومة، فقد قدمها لنا اللصوص الذين سرقوا قيادة ثورة يناير، وآمنت بأن المهمة الملقاة علينا هى أن نقفز من جيب السروال الأمريكى الذى يعبث بنا عبر خلافات يزرعها ليحصد الولاء للسيد الأمريكى. ولعل خروج فايزة أبوالنجا لعموم المصريين لتكشف لهم حقائق التمويل الأجنبى، ثم فرحة الخارجية الأمريكية لخروجها من المشهد السياسى بأكمله كان ذلك كله ناتج معركتها ضد تحويل «المعونة» إلى أداة لتجنيد جواسيس يعملون ضد استقلال مصر، واستخدمت وصفا لمعركتها مع توزيع المعونة هذا الوصف الذى يلخص بدقة ما أرادوه من زراعة الوطن بجمعيات المجتمع المدنى لمزيد من تفتيت الوطن، وكتبت فى مجلة «صباح الخير» مقالا بعنوان «القفز خارج جيب السروال الأمريكى».
 
ولكن الكتابة أيا ما كانت حاملة للنبوءات إلا أنها تظل حبرا مطبوعا على ورق ما لم تستند إلى قوة تتحرك على الأرض، وقوة نيران تحمى إرادة.
 
وعندما خرجت الجموع فى الثلاثين من يونيو كان بها قدر من إيمان بأن الجيش لن يخذلها، فجاء الثالث من يوليو ليؤكد أن «خريطة المستقبل» هى بصيص من نور يضىء هذا النفق المعتم طوال عام طويل وكريه. ثم جاء طلب التفويض منك للقوات المسلحة، فخرجت الجموع تمنحك التفويض راجية قبوله فى جزء من تحركها، وآمرة بضرورة أن تقوم القوات المسلحة بتنفيذ الأمر الذى يتضمنه التفويض.. ولأن حركة الجموع والحشود أمدت مساحة الإرادة المصرية لمدى لا يمكن لأغلبية نخبتها المعاصرة أن تستوعبه، لذلك كان الإرتباك فى المشهد العالمى بعد صدور الأمر من الجماهير إليك، فضلا عن قولك بأنك لم تستأذن أحدا، وأنك ترى شرف الدفاع عن الوطن أعلى قيمة من أى منصب مهما علا.. هنا ازداد ارتباط القلب المصرى بما تحمله من مضمون، ولكن هذا الارتباط - كما يقول أستاذنا محمد حسنين هيكل - يحتاج إلى خاتم الشرعية، شرعية اختيارك رئيسا وقائدا أو أى خاتم شرعية تحدده بما يناسب ما تستطيع أن تؤديه بإتقان يحقق الهدف الأسمى وهو استقلال القرار المصرى على كامل التراب المصرى، وأن يوفر الثمانون مليون إنسان لأنفسهم حق الحياة المقبولة.
ولأنك من درست علم الاحتمالات وإستراتيجيات التحرك على المسرح المحلى والدولى، فأنت القادر على فهم ظروف قرارك الذى سوف تتخذه، وأغلب الظن أن الجماهير لن تغفر لك عدم الترشح رئيسا لها، وأغلب الظن أنك - عكس أغلب اللاعبين على ساحة السياسة - تعلم أن قيادة مصر فى تلك الفترة هى عبء ثقيل ثقيل، وليس سباحة فى بؤرة أضواء احتفالية، برقت ذات نهار فى خيال المتأسلمين فشاءوا أن يقلدوا بوكاسا هذا الإمبراطور الأفريقى الأهوج الذى حلم أن يلعب دور نابليون، فانتهى متسولا فى طرقات أوروبا، ثم يموت فى بلاده فقيرا معدما، بعد أن خذله أكبر حلفائه فاليرى جيسكار ديستان، لقد أراد المتأسلمون تفكيك الوطن لنتنازل مرة عن جزء من سيناء وأخرى عن حلايب وشلاتين، وكان الاحتفال بذلك قد تم مرتين، مرة فى السادس من أكتوبر الماضى حين جلس قتلة السادات فى مقاعد المحتفلين وكأننا قد أقمنا مآتما لانتصارنا الكبير، ومرة أخرى حين تجمع القتلة بدعوى مناصرة سوريا، وكأنهم يحتفلون بجنازة القومية العربية التى أرادها كيسنجر فى مارس 4791، وهو الشهر الذى قتل فيه أيضا المرحوم فيصل بن عبدالعزيز آل سعود الذى استوعب فكرة القومية عبر مشاركته فى حرب أكتوبر بالمساندة الفعالة.
 
ولعل كيسنجر عندما رسم خريطة قتل القومية العربية، بتقزيم مصر، قد تناسى أن خروج الخبراء السوفييت فيما قبل حرب أكتوبر، نتيجة لتلكؤ إمدادات التسليح منذ رحلة ناصر التى قرر فيها قبول مبادرة روجرز، وكان هذا الخروج للخبراء، والذى تبعه انتصار أكتوبر كان إيذانا بتقزيم الاتحاد السوفيتى وانفجار مسلسل انفصال الجمهوريات الخاضعة لسلطانه لتصبح جمهوريات مستقلة بعد عدة سنوات من حرب أكتوبر. ولعل ذاكرة كيسنجر لم تسعفه بأن المصريين الذين دحروا من قبل إمبراطوريتين، وقزموا إمبراطورية السوفييت، قادرون أيضا على المساهمة فى تقزيم الإمبراطورية الأمريكية.
 
ولم يكن غريبا أن يستسلم الغرور الأمريكى لفكرة أن مصر صارت قرية تابعة جنوب المتوسط، لذلك ثار جنونهم عند سماعهم لكلمتك «لم نستأذن أحدا فى تحركنا». ومن قبل كان هناك استئذان فيما هو أدنى بكثير. استئذان فى تعيين رئيس مؤسسة صحفية، كما حدث ذات نهار قديم.
 
وإذا كان الاستئذان يحدث فى مثل تلك الأمور الصغيرة بحجم مصر، فما بالنا بالأمور الكبيرة، مثل تغيير دفة العلاقات المصرية الأمريكية من موقع التابع، إلى موقع الند. صحيح أن قوة «النيران الأمريكية» أضخم بكثير جدا من قوة النيران المصرية بما لا يقاس، إلا أن موقع مصر من المصالح الأمريكية هو أيضا أكبر من أن يقاس بضآلة المعونة التى يتم معايرتنا بها كل فترة، على الرغم من أن كل دولار يأتى كمعونة يعود إلى الولايات المتحدة كما قال كرسيتوفر وزير خارجيتها الأسبق بأربعة دولارات على الأقل، سواء نقدا أو حماية للمصالح.
 
وعلى ذلك لم تخطئ الحشود المصرية عندما خرجت تعطيك التفويض لنصلح معا وبقيادتك ما تعلق بجسد الوطن من علل وأمراض.
 
فإذا كان المصريون قد قدموا كل ما طلبته القوات المسلحة لتخوض حرب أكتوبر، فالمعركة المدنية قد هزمتهم تباعا على مدى ما بعد عام 1974 وحتى سباحة الولايات المتحدة فى وهم القدرة على إعادة تقسيم المنطقة العربية والشرق أوسطية من بعد «اعتقال» مصر فى حدودها.
 
وحين اقتربت الولايات المتحدة من مصر كانت شيخوخة حكم مبارك قد وصلت إلى درجة الترهل، وقاد الأمر فى تلك الحقبة، من أنجبتهم الطبقة الجديدة التى ترعرعت بعد عام 4791 حين أطل علينا ما سمى بالانفتاح الاقتصادى، فبدأت رحلة تفكيك القطاع العام وبيع العديد من الصناعات الاستراتيجية، وظهرت أنياب عصر الولاء للقطاع الخاص المتوحش فى كثير من سلوكياته، وصار المبدأ الحاكم ما صرح به ذات نهار السيد محمد فريد خميس أيام أن كان رئيسا لاتحاد الصناعات وفى حضور وزير مالية تلك الأيام محيى الدين الغريب، قال فريد خميس بأن رجل الأعمال الذى يكسب من دوران رأسماله أقل من ثلاثين بالمائة فى العام، يمكن أن نطلق عليه رجل أعمال فاشل. وطبعا انفرط عقد العمالة المصرية الماهرة التى اكتسبناها من أيام بناء السد ثم بالاستعداد للقتال فى أكتوبر، وبدأت رحلة التجريف الذهنى والاقتصادى تجرى على قدم وساق. ولكن القوات المسلحة استطاعت أن تنجو بنفسها من تلك الدوامة، صحيح أن السادات لم ينجح فى إقناع العرب بتصنيع السلاح من خلال الهيئة العربية للتصنيع، ولكن الصحيح أيضا أن القوات المسلحة حافظت على حيويتها بشكل فعال، أذهلت شوارزكوف قائد قوات تحرير الكويت، لأن تحرير الكويت تم بالقوات المصرية وحدها، ورغم طلب القوات للغطاء الجوى إلا أن شوارزكوف لم يمنحهم هذا الغطاء، وكانت التعليمات الصادرة من القائد العام فى ذلك الوقت الفريق أول يوسف صبرى أبوطالب ألا يقتل الجندى المصرى جنديا عراقيا مادام العراقى لا يرفع سلاحا، بل كان الجنود المقاتلون المصريون يقتسمون الوجبة مع المستسلمين من جيش العراق، حفظا للدم العربى من أن يهدر بسلاح عربى.
 
واستمر مسلسل التخلف ينخر فى الجسد المصرى على الرغم من بريق طبقة جديدة، تخلف فى التعليم حتى صار التعليم فى مصر شظايا من ولاءات متعددة منها الأمريكى والإنجليزى والفرنسى، بل الكندى؛ فضلا عن تسلل جماعة الإخوان إلى سلك التعليم إما بالمدارس الخاصة أو عبر مراكز التقوية بالجوامع التى تمدهم بأجيال جديدة يسهل تجنيد وغسل عقول من يلجأ إلى تلك المراكز، ولعلنا نلحظ أن أعدادا كبيرة من قيادات الجماعة تخرجوا من كليات عملية، لأن الجماعة تحرم دراسة العلوم الاجتماعية التى تتيح استخدام العقل فى التأمل والتفكر وعدم الرضوخ.
 
 وحتى نكتشف الفارق بين التعليم الجامعى فى القوات المسلحة وبين التعليم الجامعى بالجامعات المصرية، سنجد طالب كلية الدفاع الجوى أو الفنية العسكرية وهو يتلقى مع تاريخ الوطن وقدسيته تلك العلوم التطبيقية التى تتيح له التعرف على المهام التى ستطلب منه، فضلا عن الأساتذة فى تلك المؤسسات العسكرية تجد من يتابعهم ليعرف هل أدوا عملهم بكفاءة واقتدار أم لا؟ بينما نجد طالب الهندسة على سبيل المثال فى كافة عموم جامعات المحروسة لا يجد نفس الاهتمام من أساتذته فضلا عن غياب دراسة التاريخ والجغرافيا وغياب التدريب العملى على أى مشروع واقعى. ونجد طالب الكلية الحربية وهو يدرس علوم كليات التجارة ويتقنها بعكس طالب كليات التجارة التى يوجد أمام أى منها مركز لبيع الملخصات التى يتخرج بها الطالب بدرجة مقبول ليعمل من بعد ذلك فى أى عمل رث، كالعمل فى محطة بنزين أو توزيع بضائع لسوبر ماركت.
 
وكان من الطبيعى أن يرتقى الجيش المصرى من خلال التعليم والتدريب ليكون فى مرتبة الجيش العاشر على مستوى الكون حسب قول اللواء سامح سيف اليزل؛ وفى أقوال أخرى أنه فى المرتبة الرابعة عشرة، وكان من الطبيعى أيضا أن يتأخر ترتيب الشعب المصرى فى مستوى المعيشة والإنتاج إلى مرتبة شديدة الدونية، بعد التجريف الهائل الذى تعرضنا له عبر الأربعين عاما الماضية.
 
وإذا كان الجيش قد رفض التوريث، فكان ضمن الرفض عدم قبول ما آلت إليه أوضاع المجتمع المصرى، الذى علت على سطحه نخبة يمكن أن نصف أغلبها دون افتئات بأنها نخب رثة لأنها تقتطع الخريطة المصرية من عالمها حالمة بتشكيلها على هواها، أو على هوى من أصحاب المصالح التى يقوم العديد من تلك النخب بالعمل بمنطق «العبودية المختارة» وهو النمط الذى كان سائدا منذ خمسة قرون.
 
وإذا كنا قد تحررنا من الإمبراطورية العثمانية بعد سنوات من حكم محمد على لمصر، فقد استيقظت سلوكيات العبودية المختارة على قسمين، قسم يتبع المتأسلمين، وقسم يتبع أصحاب المصالح. ولم يكن غريبا أن تنفجر ثورة الثلاثين من يونيو بعد اكتشاف شباب تمرد مأساة الحياة بين شقى رحى الإخوان المتأسلمين والنخب الطامعة الطامحة إما بالعمالة المباشرة أو بالولاء الثقافى للغير، رغم وجود بعض من النخبة مازال يمسك جمر الوعى بقيمة هذا الوطن. وجاءت استمارات تمرد لتؤسس فى حد ذاتها حشدا، وأتمنى أن نكون قد وضعنا أسماء من وقعوا على استماراتها داخل الحاسب الآلى كى يتم التواصل مع أغلبهم ليكونوا قوة حزبية ضاربة فى المستقبل القريب.. ولابد أن أقول عن الذين وقعوا تلك الاستمارات أنهم أبناء وأحفاد الحشود التى خرجت لتحتفل مع عبدالناصر بجلاء إنجلترا وفرنسا عن بورسعيد فى الثانى والعشرين من ديسمبر عام 1956 وامتلك جمال عبد الناصر لحظتها حلما بأن يكون منهم تنظيما سياسيا قادرا على قياس نبض هذا الشعب والتعبير عنه، لكن حظه أوقعه فى أربعة عجزوا عبر تنافسهم الأرعن فاغتالوا الفكرة، الأربعة هم إبراهيم الطحاوى وأحمد عبدالله طعيمة، وأنور السادات وكمال الدين حسين، والتنافر بين الأربعة يمكن أن يثير العجب، إلا أن اللافت للنظر هو عشق ثلاثة منهم للحياة الراقية، السادات. الطحاوى، طعيمة «مع محبة العمل الخفيف فى منظمة المؤتمر الإسلامى، أما كمال الدين حسين فكان عاشقا للسلطة التنفيذية كنائب لرئيس الوزراء ووزير للتعليم العالى والتعليم.
 
 ولم يفلح الأربعة فى تأسيس هذا التنظيم السياسى الذى ما لبث بالاصطدام مع الهيكل التنظيمى لحزب البعث السورى بعد تجربة الوحدة مع سوريا.
 
ومازلت أتذكر كيف فض جمال عبد الناصر هذا التنظيم الورقى بعد انفصال الوحدة ليؤسس تنظيما آخر هو الاتحاد الاشتراكى الذى لم تجرى فى عروقه دماء الحياة لأن عبدالحكيم عامر تدخل ليمنع مؤتمرات الوحدات الأساسية التى تكشف عيوب المجتمع وحركة أعضائه، فتجمد هذا التنظيم أيضا ليلجأ عبدالناصر إلى السيد أحمد فؤاد الماركسى السابق ورئيس مجلس إدارة بنك مصر ليؤسس التنظيم الطليعى، وشاركه فى تلك العملية الراحل الكريم أحمد حمروش. وكان النجاح فى البدايات مؤثرا، لكن ما لبث أن ارتبك التنظيم لأن عبدالناصر قام بتغيير قيادته من أحمد فؤاد وأحمد حمروش إلى شعراوى جمعة، هذا الصادق الذى لم يعرف الكذب فى حياته، وهو من استبعده صلاح نصر من المخابرات العامة واستبعد أيضا أمين هويدى، ليذهب هويدى سفيرا لمصر فى العراق وليتولى شعراوى جمعة منصب محافظ السويس ثم يرتقى ليصبح وزير دولة بالرئاسة ليتسلم التنظيم الطليعى، ويكون مقتل التنظيم لحظة إسناد وزارة الداخلية لنفس الشخص شعراوى جمعة.
 
وأعود إلى الجموع التى خرجت لتوقع على إستمارات تمرد كى أذكر أنها جاءت أمامك لا خلفك، حاملة أحلامها فى «العيش والحرية والكرامة الإنسانية».
 
وحين طلبت التوكيل كانت تلك الجماهير أيضا أمامك.
 
ويبقى لها لديك طلب خاتم الشرعية، إما قبولك للترشيح رئيسا، مع إعادة هيكلة الحكم ليصبح للقوات المسلحة دور «الملك» كما قال أستاذ العلوم السياسية «مأمون فندى» فى حواره مع الزميل إبراهيم عيسى، بمعنى المسئولية الكبيرة التى تتطلب على سبيل المثال أن يلعب قطاع جهاز الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة دور القطاع العام الذى تبعثر، فيحيى أسلوب العمل الجاد، وتسيطر القوات المسلحة على عشرة بالمائة من المدارس الثانوية لتحولها إلى مدارس عسكرية جادة فى ربوع الوطن داخل السبع وعشرين محافظة مصرية، وأن يقيم الجهاز فى كل قرية بالتعاون مع من وقعوا استمارات تمرد كيفية تقديم الخدمات للجماهير بدلا من تركهم فريسة لصدقات الجمعيات المتأسلمة. كما يجب أن تطول فترة التجنيد ليتلقى الأمى فيها تعليما مهنيا لائقًا، ويتلقى الجامعى فيها تعليما يؤهله لسوق العمل، مع ضرورة العمل للحرس الوطنى الذى يعمل به الشباب ليكون لهم دور فى حماية الجبهة الداخلية، وصونها من ترهل أجهزة الإدارة المحلية.
 
وإذا ما قيل ومن أين التكلفة؟ فأنت أعلم منى بأن أربعين بالمائة من الاقتصاد المصرى فى يد القوات المسلحة، كما أن دخول قطاع جهاز الخدمة الوطنية إلى دور المنتج العام الذى يحصل الربح المناسب سيزيد من إمكانية تشغيل وتمويل تلك العمليات. وكلى رجاء أن نستفيد من خبرة رجل الأعمال حسن هيكل والتى كتبها فى مقالين بجريدة المصرى اليوم، ويمكنك الرجوع إليها، فضلا عن أنه ابن الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل ويملك هذا الابن ذكاء إنقاذ الرأسمالية المصرية المعاصرة من وضعها الرث إلى وضع مختلف وراق.
 
لابد أخيرًا أن أشكر هذا الوطن الذى أنجبك وتشربت بمحبته، لتكون ابنا للحقيقة المطلوبة فى أى قيادة ترتقى مدارج الزعامة - وهى الزعامة التى لم تطلبها - بل جئت أنت كاختراع مصرى يرفض التبعية، ويمكن أن يرسم لمصر الوطن مكانتها اللائقة، فمن الواضح أنك كاكتشاف مصرى، تمثل حقيقة واضحة هى أنك تطلب لنفسك ما نذرته أنت، وهو أن تكون أول من يضحى وآخر من يستفيد.
 
 يمكنك أن تتخيل قدرة الأمل التى اتسعت عندما طلبت أنت التفويض من عموم المصريين كى تقاوم الإرهاب، بعد مرور ثلاثمائة وثمانية وستين يوما كبيسة ثقيلة مريرة، هى أيام حكم المعزول محمد مرسى.
 
وعندما بدأ الحديث عن ترشيحك كرئيس للجمهورية، تمنيت أن يكون ذلك حقيقة وواقعا، لأن التفويض الذى جاءك بحركة الجماهير كان فوق الخيال، وكان بداية انحدار موجة التدخل الصارخ الذى تعامل مع مصر منذ عام 1974 وحتى رحيل مرسى، وكأنها قرية خلف البحر المتوسط أسلمت أمر مستقبلها لضلال عظيم، والضلال هنا ليس بالمعنى الدينى ولكنه بالمعنى السياسى. كان حلم السادات أن تمنحه الولايات المتحدة قيادة المنطقة - متناسيا أنه رئيس الشعب القائد للمنطقة فى كل الظروف، لذلك لم يقم حلمه على أسس واقعية، ولذلك أيضا جعلته الولايات المتحدة بعد عامين من تسليمهم أوراق القضية العربية والفلسطينية، جعلوه يدور على البلدان العربية التى أثرت بالنفط كى يطلب ثمن القمح، وكنت فى أواخر فبراير عام 1976 فى إحدى الدول العربية فى زيارة عمل مع صديقى الراحل الكريم محمود السعدنى لنؤسس جريدة هناك، وفوجئت بأن أمر مساعدة مصر لا ينبع من البلد الذى يطلب من السادات الدعم، بل يأتى من واشنطون التى رسمت لمصر مسارًا يدفعها دفعا إلى السلام مع إسرائيل ويفرض عليها عزلة عربية بعد عام وعدة شهور.
 
وطبعا لم يكن هناك تمويل لتشغيل عجلة الاقتصاد المصرى، وكان هناك نهاية لأحلام العدالة الاجتماعية التى زرعها عبد الناصر بخطط تنمية جادة وببناء السد العالى، وكان هناك جيش منتصر سقطت دموع أحد قادته وهو المشير عبدالغنى الجمسى عندما بدأ تحديد القوات المصرية بسيناء أثناء كامب ديفيد.. ولن أستسلم للتاريخ فكبار العمر من أمثالى عاشوا «تواريخ» لا «تاريخا واحدا». يبقى أخيرا أن أقول لك أن أول خطوة مطلوبة قبل ترشيح نفسك، هو أن تزور المحلة الكبرى أو شركة ستيا بالإسكندرية ليراك الناس وأنت ترتدى بدلة مدنية مصرية الصناعة، ويكون هذا إيذاناً بالاعتماد على المنتج المحلى بدلا من استيراد الملابس من تركيا كما كان يفعل المعزول مرسى، وأيضا لن نعتمد على سمالتو مصمم الأزياء الباريسى الذى كان يصمم ملابس الرئيس الأسبق حسنى مبارك.
 
لك التحية وفائق المودة يا من اختارتك جماهير مصر ليكون أسلوبك هو الكلمة الأولى فى خريطة بناء مصر المستقبل


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

خطط الإخوان.. هدم الأمة

خونة ومرتزقة وقتلة ولصوص وتجار دين وجهلاء. هذا هو تصنيفهم وتوصيفهم. سرطان زرع فى قلب الأرض المقدسة. لم يطرح سوى الدم والدموع و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook