صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

سر كراهية عبد الحليم للقطارات وبنات الأرياف؟!

4811 مشاهدة

21 مايو 2013
كتب : منير عامر وريشة الفنان: سامى امين



لم أكن أعلم أن عبدالحليم حافظ يكره القطارات إلى هذه الدرجة. كنا معزومين لزيارة حدائق قصر فرساى؛ هذا القصر الذى سألت فيه مارى أنطوانيت عن سبب مظاهرات الجوعى فقيل لها «إنهم يسألون عن الخبز، فتساءلت مندهشة: ولماذا لا يأكلون البسكويت»؟ قال عبدالحليم: لن أركب القطار أو المترو، سنركب أى سيارة من سيارات الذاهبين إلى هناك المستشار صلاح بسيونى أو المستشار هشام عامر أو السكرتير الثانى عماد البط. وإن لم يكن هناك من يرضى أن يقود سيارة يوم السبت؛ فى طرق خارج باريس المزدحمة كل سبت وأحد.

 

قلت لعبدالحليم: أنت تخاف من القطار وعبدالوهاب يخاف من الطائرات. هل لكل فنان شىء يخافه ويرهبه؟ وكأنى لمست جرحا داخليا عند عبدالحليم، ونحن ننتظر سيارة السفير جمال منصور الذى أمر بأن تصحبنا سيارته إلى حيث نريد. قال عبدالحليم: صفارة القطار تزعجنى جدا، إنها علامة الفراق. وأنا أكره صفارة القطار منذ وقفت على المحطة فى الزقازيق لأركب القطار وحدى إلى القاهرة، حيث يوجد أخى إسماعيل، وكان خالى قد قارب أن يشكو لطوب الأرض من شقاوتى، ولم يعرف أحد أن سر الشقاوة هو الرغبة فى الهرب من الدموع. نعم فلو جلست هادئا وأنا طفل لنزلت دموعى، لأنى كنت أكره أن يوجد لكل طفل أب وأم، وأنا بلا أب أو أم، طفل ثقيل على الخال والأخ والأخت. والحركة هى التى تنسينى أنى يتيم. والشقاوة هى التى تنسينى أنى موجود فى الملجأ. أنت لا تعلم كم هى قاسية حياة الملجأ. وأعتقد أن سر صداقتى مع عمر الشريف ينبع من أنه كان فى مدرسة داخلية هى كلية فكتوريا، وهى ملجأ «أولاد الناس اللى فوق». وكان مثلى كما قال لى «شقى جدا».

 

 

كمال الطويل

 

 

أقول ولكن ما ذنب القطار لتخاف منه؟ أنت طفل يتيم وتدرس فى الملجأ، ولا يوجد قطار بجانب الملجأ، فما الذى يخيف فى القطار؟

قال : أنت بذات نفسك قلت إنك لحظة أن نزلت إلى باريس من القطار وركبت التاكسى كنت خائفا؛ لأن مبانى باريس أعلى من مبانى القاهرة. وأنا أيضا حين ركبت القطار من الزقازيق إلى القاهرة كنت خائفا، فمن هو الذى يمكن أن يقول لمراهق ملامحه كملامح الطفل كيف يصل إلى السيدة زينب وحى بركة الفيل، وحارة سلامة حجازى وأن يسأل أهل الحارة عن منزل إسماعيل شبانة. كان القطار مليئا بعساكر الإنجليز النازلين من معسكرات القناة. وعيون الناس تنظر لهم وتتمنى أن تسرقهم. وكل منا يعلم أن العساكر الأفارقة يخيفون أى إنسان. كانت الشائعات تقول إن هؤلاء العساكر من بلاد «نم نم» وحتى هذه اللحظة لا أعلم أين هى بلاد «نم نم». وكنا نتصور أن هؤلاء الأفارقة لهم ذيول، رغم أننا لا نعرف أين تكون هذه الذيول بالضبط. وكانوا يعطوننا الشيكولاتة والبسكويت، عكس الإنجليز الذين كانوا يضربون أى طفل على قفاه. هل عرفت لماذا أكره القطار وأخاف منه؟

 

أقول: ولكن القطار ليس مسئولا عن وجود الإنجليز والأفارقة فى مصر فى ذلك الوقت. يقول عبدالحليم ضاحكا: ونحن أطفال صغار لم نكن نعرف أن هناك استعمارا أو حكومات أحزاب أو أى شىء مما ترغى فيه الصحف والصحفيون، كنا نخاف فقط من الإنجليز ومن القطار. وعن نفسى كنت أشعر أن القطار وحش أسود ضخم. وأن أول مرة ركبته كانت الدنيا فجرا وخيوط من النور تتسلل من بين السحاب، وكنت أعلم أن حصولى على الشهادة الابتدائية هو نقلة كبرى فى حياتى؛ وأنى سأدرس الموسيقى فى معهد الموسيقى المسرحية. وسأتخرج فى هذا المعهد مدرس قد الدنيا.

 

وكنت أرقب صورة جارتى التى أحببتها فى هذا العمر وهى تنظر لى من خلال فتحات الشباك الخشبى، وكانت قد سارت معى عند الغروب السابق على شاطئ الترعة التى تقسم الزقازيق إلى نصفين. كنت أحبها لأنى أشعر معها بأمان غريب، وهى واحدة من ست بنات لأب مبسوط يملك عدة فدادين وموظف فى الرى، والبيت بجانب البيت، ولعبة الكوتشينة يحضرها ويلعبها الصبيان والبنات. و«الشايب» لعبة يفوز فيها من يكون قاضيا ومن يكون وزيرا وهناك حكم على المهزوم؛ لأنه المتهم. كنت أنا أشطر واحد فى الكوتشينة سواء كانت لعبة «الكومى» أو لعبة «الشايب». والسبب طبعا هو التواجد فى الملجأ وصغر حجم جسمى، وحتى أحمى نفسى من أى اعتداء فى الملجأ كان لابد من أن أعثر على شىء أدير به أمورى. وكانت الكوتشينة ذات الاثنتين والخمسين ورقة هى لغة التلاقى أو القتال أو إثبات من هو أفضل من الآخر.

 

وكنت ألعب مع بنات الجيران ومنهن هذه التى أحببتها لعبة الشايب، وكنت أتفنن فى هزيمة الجميع لأصدر أنا الأحكام عليهن. وكان قلبى يدق بعنف وأنا أصدر الحكم على حبيبتى. كنت أحكم عليها أن تجلس بجانبى. وكانت تضحك متسائلة: هل هذا هو العقاب؟ لم أكن أعرف كيف أرد عليها، فقط كنت أريدها بجانبى. ومع تكرار الزيارات وجدت أن حبيبتى لم تعد تجلس بجانبى. أحسست أن شيئا ما قد حدث، وسيفصل بينى وبين حبيبتى. قال خالى إن بنات «فلان أفندى» قد كبرن ولا يجب أن ألعب معهن. لم أسمع كلمات خالى وذهبت إلى منزل فلان أفندى، لكنه لم يقابلنى بنفس الترحاب القديم. أحسست أن حبيبتى قد كبرت وأن هناك ما يمنع أن أراها فى العلن، وحزنت. أحسست أن قطارا ضخما قد دهس مشاعرى،. ولكنى استطعت أن أعطيها ميعادا نتقابل فيه لنسير على الترعة، ونحكى عن استئجارى لعجلة بقرش تعريفة وكيف أحاور زملائى ونحن نركب الدراجات وأوقعهم على الأرض. وحدث أن اختفيت عن لقائها ليومين لأنى وقعت من على الدراجة وجرحت أنفى. كنت أتمنى أن تقول لى إنها تحبنى، لكنها لم تقل. وكنت أتمنى أن أقول لها إنى أحبها ولكنى لم أقل. فقط كانت عيونها تضحك لى ضحكة لا أعرف كيف أصفها.

 

كنت أتابع عبدالحليم غير منتبه إلى أننا فى باريس، وأننا فى الطريق إلى قصر فرساى، وأن حدائق هذا القصر تعتبر أسطورة من أساطير الحدائق فى العالم. وحين وصلنا إلى القصر فوجئت أن ملوك فرنسا لم يكونوا يعرفون ضرورة وجود دورة مياه فى المنزل، ضحكت وأنا أقول لعبدالحليم: تصور مارى أنطوانيت وزوجها يقضيان حاجتيهما فى الخلاء (!!) وضحك الجميع.أقول: تصور أن صباح كانت تمثل دور تلميذة لك تدرس الموسيقى فى أحد الأفلام، رغم أنك تقول أنها أكبر منك فى العمر؟ نظر عبدالحليم إلى حدائق قصر فرساى: قد لا تعلم أنى لا أمثل إلا أفلاما تقترب مما حدث لى فى الحياة. لا أعرف هل هذا من باب الصدفة أم ماذا؟قال الدبلوماسى صلاح بسيونى: ولكن السفير أحمد نجيب هاشم يقول عنك إنك كنت مدرسا مشاغبا كثير الغياب من المدارس التى كنت تعمل بها.

 

ضحك عبدالحليم وهو يعترف: فوجئت بعد تخرجى فى معهد الموسيقى المسرحية بتعيينى فى ثلاث مدارس للبنات دفعة واحدة، يومين فى مدرسة البنات بطنطا ويومين فى مدرسة البنات بسمنود ويومين فى مدرسة البنات فى المحلة. ومعنى ذلك أن علىَّ أن أدوخ فى القطارات كل صباح فأصحو من البيت الذى فى بركة الفيل فى الخامسة لأصل إلى محطة السكة الحديد وآخذ القطار إلى طنطا، ومن طنطا إلى سمنود أو من طنطا إلى المحلة. ولم تكن المدارس تهتم بالموسيقى إلا فى حالتين: أن أهالى أغلب البنات يتمنون أن أعلم بناتهم الموسيقى لأن البنت التى تعزف البيانو تجد عريسا لقطة. وناظرات المدارس يتمنين أن تقام حفلات نهاية العام ويظهر على المسرح عدد من البنات وأمامهم مدرس الموسيقى وهو يغنى مع البنات الأناشيد لتنال الناظرة التحية من مدير المنطقة التعليمية. ولك أن تتصور كيف يتعذب المدرس القادم من القاهرة وهو يتنقل من قطار لقطار من أجل أن يأتى له مأمور البندر ليقول له إنه يرغب فى أن يدرس لابنته الموسيقى فى المنزل، أو يأتى له طبيب المدينة ليقاوله على تدريس البيانو للبنت. وكيف يعرض عليه القاضى والمأذون نفس الحكاية.

 

وقد جربت أن أدخل تلك البيوت لأدرس للبنات، وكان هذا يعنى أن أقيم فى فنادق رخيصة فى طنطا، لأن المحلة أو سمنود من الصعب أن تجد فيها مكانا تنام فيه. ولم تكن البنات أو حتى أمهاتهن راغبات فى أن يدرسن الموسيقى دراسة جادة. وهكذا كان يتأكد لى أن الحكاية نوع من الكلام الفارغ، وقت ضايع. وكنت أحترف بعض الأحيان التلكؤ فى الخروج من البيت فى الصباح، وكنت أكره القطار الذى يحملنى إلى طنطا، لأنه مزدحم، ولولا السبعة عشر جنيها والدرجة السادسة الفنية التى أنا معين عليها لما قمت من السرير. وكيف يمكن أن تشعر أن القطار مزدحم ويوصلك إلى حالة لا تحس معها أن لحياتك معنى. وكان الذهاب إلى معهد الموسيقى العربية هو الوسيلة الوحيدة للترفيه عن النفس، هناك أقابل محمد الموجى وكمال الطويل. وفى بوفيه هذا المعهد أشعر بأن هناك مغناطيسا يشدنى إليه. وهكذا كثرت أيام الغياب واستدعانى د. أحمد نجيب هاشم وكان بدرجة وكيل وزارة التعليم. وسألنى: لماذا تغيب عن المدارس التى تعمل بها؟ وقلت له السبب بصراحة، فقال لى: ما تقوله حقيقى من حيث إننا لا نهتم بالموسيقى الاهتمام اللائق بها، ولكن عليك أن تحرص على الوظيفة.

 

 

 

السفير صلاح بسيونى

 

 

كنت سعيدا بأن هناك إنسانا فى وزارة التعليم ينظر إلى الموسيقى باحترام، ولكن هناك شيئا ما جعلنى أتأخر وأنقطع عن التدريس لمدة ثلاثة شهور متصلة. وحين يقول لى أخى إسماعيل إننى يجب أن أحافظ على الوظيفة والمرتب كنت أقول حاضر وأنا غير مهتم حقيقة بالذهاب إلى تلك المدارس إلا فى أول الشهر لأقبض، ولاحظت فى سمنود أن الصراف الذى يعمل فى إحدى الدوائر الزراعية يرغب فى أن يعثر على عريس لابنته. وكأنه قد اختارنى كعريس. وبدأت زوجته التى تتفنن فى صناعة الأطعمة الدسمة تدعونى للغداء بجانب التدريس لابنة سعادة الصراف. وانتبهت إلى أن البنت كثيرة التدلل. وأحسست أن هناك فخا للزواج. وهربت من الفخ بسرعة وأرسل الصراف شكاوى مجهولة ضد المدرس الذى لا يذهب إلى المدارس. وكنت أنسى نفسى بالساعات فى معهد الموسيقى إلى أن استدعانى أحمد نجيب هاشم ليقول لى إنه لا يستطيع أن يتصرف فى القوانين وأننى مفصول من الوزارة لانقطاعى ثلاثة شهور وخرجت من مكتبه وإحساس بالحرية يملأنى؛ فلن أرى الصراف أو المأمور أو طبيب المدينة، أو ناظرة المدرسة التى تطلب أن أحفظ البنات الأناشيد. وجريت لمعهد الموسيقى لأغرق فى نفس الحكايات عن محمد عبدالوهاب وغرامياته المثيرة وعن السيدة التى تكبره فى السن، وحاولت أن تقتله بعد أن عرفت بخبر زواجه من إقبال نصار، وكيف أنه مغامر كبير وأن زوجته حاولت تقييده بسلاسل إنجاب الأطفال، ولكنه غير قابل للتقييد، وأنه يأكل الطعام بشراهة ويخاف من الزكام. ولم أفكر سوى أن فى جيبى جنيها ونصف الجنيه، وأننى حر تماما.

 

قالت زوجة أحد الدبلوماسيين لعلها السيدة صفاء حرم عماد البط والتى كانت تصحب زوجها أثناء زيارتنا لحدائق قصر فرساى: هل كانت بنت الصراف تشبه سعاد حسنى أم تشبه صباح؟ قال عبدالحليم ضاحكا: من المؤكد أنها كانت تشبه عبد السلام النابلسى.وضج الحاضرون بالضحك.

قلت لعبدالحليم ونحن فى طريق العودة: هل وظيفة مدرس الموسيقى هى السبب فى كراهيتك للقطار؟

أجاب ضاحكا: أنت إذا بحثت عن السر فى أنك تحب شيئا معينا؛ ستجد نفسك تسير وسط سلسلة من الحب، وإذا بحثت لماذا تكره شيئا معينا ستجد أنك تسير فى سلسلة من الكراهية، ولعل كراهيتى للقطار تنبع من أن العمل الذى كنت أشغله لا يعطينى إحساسا بمعنى حياتى، كما أننى لا أحب الأشياء التى لا عقل لها والقطار لا عقل عنده ولا مشاعر، ولكنى لابد أن أقول لك إنى كنت أحب القطار وهو يحملنى إلى قريتى «الحلوات» كنت أحب أن أنظر إلى الريف من نافذة القطار.

تساءلت بمكر: وهل يشبه الريف المصرى هذا الريف الذى نمرق فيه ونحن عائدين إلى باريس من قصر فرساى؟

 ضحك قائلا: إن كل شىء فى مصر يختلف عن أى شىء فى العالم. أنت هنا فى أوروبا حيث المطر يسقط طوال العام والشمس تشرق قليلا، والزرع مختلف، على الأقل الفلاحون هنا ليس عندهم بلهارسيا.

هل تزور الحلوات كثيرا ؟

 

سألت عبدالحليم ونحن على باب مسرح الليدو فى باريس فقال : قد تتعجب أن خيالى يربط كل شىء جميل بالحلوات وقد تندهش ونحن ندخل الآن إلى الليدو أن خيالى قد سرح فى المولد ولياليه فى الحلوات. وآخر مرة زرت فيها الحلوات كان بسيارتى، وكان سائقى عبدالفتاح مستاء وخائفا على العربة البويك الريفيرا من الطرق المتربة فشخطت فيه لأول مرة فى حياتى لأنى لم أكن أشكو وأنا أركب الحمار فى الفجر لأصل مع خالى أو مع إسماعيل إلى قطار الدلتا، ثم نصل إلى الزقازيق لنركب القطار من الزقازيق إلى القاهرة.وكنت أفرح بالعودة إلى الحلوات فى سيارتى، وقد جددت بيتنا هناك ووضعت فى البيت الفونوغراف الذى اشتريته من أولاد العمدة؛ ففى هذا الفونوغراف سمعت لأول مرة أغنيات محمد عبدالوهاب. وكثيرا ما أحب أن أقف عند باب أحد البيوت المتهدمة والذى وقع بابه على ساقى وكسرها وأنا طفل. وقد استطعت أن أبنى على أرض هذا البيت الوحدة الصحية التى يوجد بها طبيب مقيم حتى لا يتكرر مشهد الهلع الشديد الذى عاشه إسماعيل وعلية وهما يشاهدانى وأنا أصرخ من ألم كسر الساق.

 

كنت تعودت أن أدخل مسرح الليدو بفرنكات قليلة، وأتناول مشروبا وأقف لأشاهد البرنامج الراقص. ولم أفكر فى أن أجلس على مائدة ذلك أن أجر التذكرة يختلف تماما ويزيد أضعافا مضاعفة عن التذكرة التى تعودت عليها.ولاحظت أن إحدى السيدات تتجه باندفاع لتقول «مسيو عبدالحليم حافظ» فقال لها عبدالحليم: أهلا قلت له: هل تعرفها ؟ أجاب هامسا: طبعا لا. وفوجئنا بفتاة جزائرية تمتلك محلا صغيرا لبيع الأسطوانات فى ممر الليدو، وهى متيمة بحب المطرب عبدالحليم حافظ. وقدمت نفسها باسم مروة الجزائرية، سألها عبدالحليم إن كانت قريبة لوردة الجزائرية، فأجابت السيدة بدلال إنها قريبتها بحكم الوطن. وأصرت السيدة أن نزورها فى المحل الذى تملكه. وأشارت لعبدالحليم على الأسطوانات التى تحمل أغنياته، وكذلك صورته التى تضعها بجانب نجوم الغناء الكبار فى العالم. سألها عبدالحليم بفرح طفولى : هل هناك من يأتى لك ويطلب أسطواناتى ؟ أجابت وهى غارقة فى الفرح وغير مصدقة أنها تتحدث مع عبدالحليم حافظ شخصيا، قالت: أنا أشهر من يأتى لها أهل المغرب العربى من جزائريين ومغاربة وتوانسة ليشتروا منها أسطواناتك. وهناك محل آخر فى سان ميشيل يعرض بعضا من الأسطوانات لأم كلثوم وفريد الأطرش وعبدالوهاب، لكن تأكد أنك وأم كلثوم أكبر فى المبيعات من أى مطرب عربى آخر.

 

وجاء شاب فرنسى، قدمته لنا مروة الجزائرية على أنه خطيبها وأنه قد أعلن إسلامه أمام قاضى قضاة المغرب وحفظ الصلاة والكثير من قصار سور القرآن؛ لأنها رفضت أن تتم خطوبتهما دون ذلك وهو يدرس الإسلام فى السربون. وكان جان يفهم ما تقوله خطيبته مروة؛ لكنه يتكلم الفرنسية فقط وقال «سلام عليكم» باللغة العربية المكسرة . فرد عليه عبدالحليم  «عليكم السلام ورحمة الله وبركاته». ولا أحد يتخيل فرح عبدالحليم حافظ بلقاء مروة والحديث معها وكيف أنه فى رأيها المطرب العربى الأول.

 

ودخلنا إلى الليدو، وبدأ العرض الغنائى، وكان عبدالحليم يقول: لو أن عندنا ربع الإمكانات التى عندهم من إضاءة وديكور لكان الغناء عندنا له شأن آخر. وأنا أحاول أن أجعل للغناء شأنا آخر ولكنى وحدى الذى يفكر فى ذلك. قلت وماذا عن محمد عبدالوهاب ؟ أجابنى: إن حسابات محمد عبدالوهاب مختلفة؛ فهو لا يغامر، والمثل على ذلك هو علاقته بكل المطربين الذين ظهروا بعده. هو يحاول أن يستفيد منهم أو يضعهم فى ثلاجته الخاصة ثلاجة العقود للسينما أو ثلاجة الاحتكار للصوت ثم يدفع القليل من النقود التى قد تذهل المطرب أو المطربة، وبعد ذلك يبدأ فى حسابه الحساب العسير لو خرج عن المربع الذى يحبسه فيه.أقول: ولكنك خرجت من المربع الذى رسمه لك.

 

قال عبدالحليم جادا : والله العظيم أنى لا أعرف كيف حدث ذلك؟ كل الذى أذكره أنه بحث عنى ليلا ونهارا بعد حفلة الأندلس التى قدمنى فيها يوسف وهبى، وذهبت إليه أنا ومحمد الموجى فى مكتبه بشارع توفيق. وأنت قد تتعجب من مكتب محمد عبدالوهاب هذا؛ حيث الضوء الخافت والحديث الهامس. والسكرتير الحريص على ألا يعلو أى صوت. وتذكرت كيف دخل عبدالغنى السيد ومحمد أمين هذا المكتب من قبلى، ولكنهما خرجا من قلوب المستمعين وظلا يستمتعان بالصداقة مع محمد عبدالوهاب. كنت أعرف تماما أنه من الخطر الاستسلام لإعجاب محمد عبدالوهاب؛ حيث يفيض لسانه بالثناء ويجيد تمثيل الانبهار. كنت قد طلبت من أختى علية أن تقرأ لى أثناء وجودى فى مكتب محمد عبدالوهاب آيات القرآن وهى تحفظ سورة يس عن ظهر قلب. كنت أعلم أنى قد أكون نقطة وقد يكون محمد عبدالوهاب جبلا، لكنى لن أترك الجبل يدهس النقطة أو النملة التى هى أنا. وحين رأيته تذكرت البلبل الحيران وتذكرت كيف تسلقت سقالة السرادق فى الزقازيق لأسمعه، ولأقع ولتنكسر ساقى للمرة الثانية. وكان فى حجرة محمد عبدالوهاب الشيخ محمد إسماعيل الملحن ومعى محمد الموجى وطلب منى أن أغنى، فبدأ الموجى فى الدندنة على العود وبدأت أنا فى غناء «صافينى مرة» ورأيت دموع عبدالوهاب وهى تسقط من التأثر وهو يعلن أننى المطرب الذى سيكسر الدنيا.

 

وحين وقع معى عقدا للتمثيل فى السينما أصررت على ألا يحتكر هو تلحين الأغانى الخاصة بالفيلمين.ومازلت أذكر كيف قال كمال الطويل إن عقود محمد عبدالوهاب معى لن تنفذ.ولم أكن أهتم بأن ينفذ العقود أو لا ينفذها. كنت أعلم أن أحدا لن يستطيع الوقوف أمام طريقى فى الغناء.أقول: هاهى مروة بائعة الأسطوانات تؤكد لك أن أحدا لم يقف فى طريقك. وأنك تتربع على قمة المبيعات هنا فى باريس بالنسبة للعرب المقيمين.وكان ينظر إلى الألوان البنفسجية التى تتحول وكأنها السحر إلى الأخضر، والبرتقالى، والمطرب الفرنسى يسافر عبر الشجن والآهات. لكن عبدالحليم قال: هم ملوك فى الديكور، ولكنهم يغنون بلا عاطفة.خرجنا من الليدو لنجد مروة وخطيبها جان فى انتظارنا، ويصران على دعوة عبدالحليم حافظ على العشاء، ولكنه اعتذر بسرعة . قلت: غريب أمر هذه الفتاة كأنها لا تصدق نفسها وأنها فى حلم. قال عبدالحليم: كل الغرباء يكونون هكذا. والمرأة المغتربة تتدفق بالعاطفة أكثر مما تتخيل.لم أكن أعلم أن هذه الفتاة ستتزوج من چان ثم تهرب منه وتصر على أن يتزوجها عبدالحليم حافظ وأن زوجها چان سيطلق على مروة الرصاص ثم ينتحر من بعد ذلك.ولكن تلك حكاية أخرى.

 

محمد عبد الوهاب

 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook