صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

لكل قصة حب بداية ما ولكن النهاية لا تآتى آبدًا!

4938 مشاهدة

7 مايو 2013
كتب : منير عامر



هناك علاقة ما بين كلمة «بارتيه» وكلمة «فركش»، فكلمة «بارتيه» يقولها مخرج أى فيلم ليبدأ التصوير السينمائى، وكلمة «فركش» يقولها المخرج أيضا فى نهاية التصوير السينمائى ولم أكن أعرف الكلمتين، لكن عبدالحليم قال لى: كل واحد منا له مخرج خاص لا يراه يقول له كل صباح «بارتيه» ويقول له فى نهاية اليوم «فركش»
 
وقاطعت عبد الحليم: لكنك تلعب مع هذا المخرج لعبة «الاستغماية»؛ فتقلب النهار ليلا، وتقلب الليل نهارا، ولا تلتزم بأى مواعيد إلا المواعيد التى لا مفر منها مثل مواعيدك مع المسئولين؛ ومواعيد السفر إلى الخارج.
قال: أنا أخاف من كلمة «بارتيه» التى أسمعها فى داخلى حين أصحو من النوم. وأخاف من كلمة «فركش» التى أسمعها فى نهاية اليوم . وأطلب من الله أن يقلل من متاعبى فى المسافة بين «بارتيه» و«فركش».
 
ضحكت وأنا أقول: لكنك أنتتقول بعيونك وبحنانك لكل امرأة تعجبك كلمة «بارتيه» لتبدأ معها ما يقال أنه حب، ولا أعرف من يقول لكل تجربة عاطفية فى حياتك كلمة «فركش». ولا يغيظك قدر عدم اهتمام المرأة بكلمة «بارتيه» التى تقولها لها بعيونك.
 
ضحك قائلا: وعلشان كده لا أقول أحيانا «بارتيه» بل أدخل فى «التمثيل» على طول.
 
وكنا نجلس على مقهى «الفوكيت» فى الشانزليزيه قلب باريس، و كنا فى انتظار المطربة صباح؛ التى وصلت من لبنان. وكنت كالطفل الساذج من جو نجوم الفن الذى حشرنى فيه عبد الحليم حافظ؛ فلم أكن أهتم على الإطلاق لا بصباح أو بأى مطرب أو مطربة، فكل علاقتى بالغناء تبدأ وتنتهى عند إذاعة الأغانى فى الراديو، وعادة ما أمر على أخبار الفن مرور العابر دون اهتمام بمن تزوجت وبمن أحبت وبمن طلقت، وكل اهتماماتى تدور بين الطب النفسى وبين السياسة والتغيرات التى تحدث على مسرح الكرة الأرضية. وليس من المعقول أن أحضرمؤتمرا صحفيا للجنرال ديجول؛ وأجرى مقابلة مع ريمون أرون أستاذ علم الاجتماع الهادئ الذى كان يتنبأ بزوال الاتحاد السوفيتى فى عام 4691 ثم أنتظر مطربة مهما بلغت قيمتها؛ فهى مجرد مطربة '' أفراح وليالى ملاح ''. وكان عبد الحليم يضحك من جدية شاب فى الرابعة والعشرين هو أنا، ويرى أن الغرق فى السياسة والطب النفسى والفلسفة وكل هذه الأمور الصعبة لم تمنع فتحى غانم أن يرقب الحركة الفنية، ولم تمنع إحسان عبد القدوس أن يكتب «خواطر فنية» يزلزل بها الوسط الفنى أو الأدبى، ثم إن جمال عبد الناصر بكل ما يمثله من ثورة؛ يراقب الحركة الفنية الغنائية ويعتبرها أساساً مهماً للتقدم. وأن الجنرال ديجول اختار مثقفا فى وزن أندريه مالرو ليكتشف المزيد من المطربين والموسيقيين والرسامين؛ كيلا يضيع من فرنسا مجدها الفنى .
 
 
وأننى أظلم نفسى وأجعل حياتى جافة حين لا أعطى نفسى فرصة التعرف على أحوال أهل الفن
 
. وضرب عبد الحليم مثلا على أن ما أراه فى متحف اللوفر من لوحات يمكن أن أراه فى الطبيعة والواقع وأن ابتسامة المطربة صباح قد تلخص عصرا بأكمله كما تلخص لوحة «المونا ليزا» العصر الذى رسمها فيه «ليوناردو دافنشى». وضحكت بامتنان ذلك أنى تعلمت من إخلاصه وهو يتكلم أكثر مما احتوت الكلمات التى ينطقها من معان. وأيقنت أن العبقرى كامل الشناوى الشاعر الذى لا مثيل له قد أحسن تثقيف عبد الحليم هو وإحسان عبد القدوس وفتحى غانم.
 
وامتلأت إعجابا بقدرته على نزع هالة التقديس التى يضفيها الخيال على كل ما ندعى لأنفسنا أنه الأرقى أو الأفضل. قال عبد الحليم: ما الذى يجعلك تضحك هكذا؟ أقول: قيل لى إنك تتعلم ممن تسمعهم؛ و دعنى أقول لك أنى أتعلم مما أسمعه منك. فابتسم المطرب بفخر رغم أنه قال '' أعوذ بالله أن تقول ذلك '' وأعجبتنى قدرته على أن يعلم الغير بهذا القدر من التواضع وعدم التعالى .
 
وهلت صباح؛ فقال بمكر طفولى «تصور إن عندها أربعين سنة»؟ قلت: أنت بتكّبرها ليه ؟ ولم يجب لأنها صارت قريبة منا؛ ولو أضاف كلمة واحدة لسمعتنا وكان كمال الملاخ مع صباح، وقالت صباح إننا مدعوون لحفل عيد ميلادها الذى ستقيمه أثناء العشاء الذى دعانا إليه السفير جمال منصور، وتساءلت بمكر ساذج: وها نولع كام شمعة ؟ قال كمال الملاخ بسرعة: أربعتاشر شمعة طبعا.
 
وهمس كمال الملاخ لعبد الحليم: هو أنت مش قادر تنسى سعاد؟
 
وظننت أنه يتحدث عن سعاد حسنى، لكن عبد الحليم نبهنى قائلا إنه يقصد سعاد شقيقة صباح، واحدة فاكرة إن كل رجالة العالم لازم تمشى وراها.
 
قالت صباح ضاحكة: هى أختى لكن ما عرفتش تختار مين اللى تمشى وراه أو معاه.
 
كنت قد بدوت أمام نفسى كمن لا يعرف دهاليز الوسط الفنى؛ فهم يتحدثون عن واحدة لا أعرفها ويأتون بهمز ولمز ليس عندى أى خبرة به، وأكدت صباح دعوتها لنا لحفل عيد ميلادها الذى سيقام فى منزل السفير، وضحك عبد الحليم وهو يقول لها: إذا كنت أنت اللى بتعزمى أمال حرم السفير تعمل إيه؟ وبذكاء من تعرف قيمة كل من السفير جمال منصور وحرمه؛ قالت صباح: أنا بأعزم علشان هما قالوا لى اعزمى اللى أنت تحبى تعزميه.
 
قلت لعبد الحليم: لقد بدأت أمامى أكثر من حكاية أريد توضيحا لها، فالمخرج الذى فى داخلك قال لى اليوم أكثر من مرة كلمة «بارتيه» ولم أعرف تفاصيل العرض الذى يجرى؛ فهناك سعاد أخرى فى حياتك غير سعاد حسنى، وهناك مسألة عيد ميلاد صباح الأربعين ـ كما تقول ـ رغم أن كمال الملاخ يؤكد أنه عيد ميلادها الرابع عشر. إن أحوال الفنانين ـ كما ترى ـ لا أعرف فيها أنا شيئا.
 
ضحك عبدالحليم وهو يؤكد: أنت عازمنى على الغداء النهارده، وأنا قلت لك أنا اللى عازمك؛ فلم توافق، وسأحكى لك ما أمر به المخرج الذى قال فى خيالك «بارتيه» سأقول لك كل التفاصيل التى تريد أن تعرفها حتى تقول أنت «فركش» لتعلن لنفسك نهاية الفيلم الذى بدأ فى خيالك. سأفعل كل ذلك بشرط أن توافق على أن أعزمك أنا. قلت بوضوح الفقراء الذى يوجهون الدعوة لمن هو أكثر ثراء منهم : لا فائدة سأعزمك أنا لأقول أنى عزمت عبد الحليم حافظ.
 
 وضحك عبد الحليم قائلا: موافق يا عم منير.
 
كنت أعلم أن عبد الحليم سأل عنى قبل أن يعرفنى جيدا. وقيل له أنه من الأفضل أن يقبل عزومتى كيلا يجرحنى: فأنا أعلم أنه قادر على أن يعزم عشرة مثلى؛ وسبق أن وجه لى دعوة للسهر فى الليدو، وطلبت تأجيل الدعوة إلى أن يتجدد العرض الذى يتم فى هذا المسرح الغريب الذى يقدم استعراضات باهرة. واقترضت نقودا من صديقى على السمان ـ إلى أن أقبض من إذاعة باريس أجر أحاديثى فيها؛ وذلك حتى يتسنى لى أن أوجه الدعوة لعبدالحليم فى مطعم ومقهى له اسم كبير.
 
 وحين غادرت صباح المقهى، ومعها كمال الملاخ قلت لعبد الحليم ضاحكا «بارتيه» أريد الآن أن أسمع منك تفاصيل قصة سعاد أخت صباح . قال ضاحكا: إن كنت لا تعلم هناك أخت لسعاد حسنى اسمها أيضا صباح. قلت: لا داعى للمراوغة والزوغان، هل كانت هناك علاقة بينك وبين أخت المطربة صباح؟ قال: وهل هناك رجل عاقل يمكن أن يضع نفسه بين فكى أنوثة واحدة من أسرة المطربة صباح؟ قلت: ومن قال أن الحب عاقل؟ قال: الحب مجنون صحيح، ولكن كل الذى قاله كمال الملاخ كان لمحة إعجاب بواحدة تنتمى إلى أسرة فنية وكنت أريد أن أقدمها للسينما.
 
وخرجت معها عدة أيام كانت فيها البنت الرقيقة الحلوة الحبوبة، ثم قلت لها إنها تستطيع أن تعتمد على لتدخل إلى السينما، واتصلت فعلا بالمخرج الكبير عز الدين ذو الفقار الذى أبدى استعداده لعمل تجربة تصوير لها. وأذكر أنها حضرت معى مونتاج أغنية «صدفة». ومضى يدندن «كان يوم حبك أجمل صدفة.. يوم ما قابلتك مرة صدفة.. ياللى جمالك أجمل صدفة.
 
قلت: صفها لى قال: من النوع الذى يعجبك تبدو كأسبانية مدللة تجيد الرقص. قلت : هل كنت سريع التأثر بها؟ أجاب: الذى عاش مثلى يعلم أنه قد يوجد للحظة على القمة ولحظة أخرى على سرير المرض. ويصبح التعلق بالحب هو الدليل المبهج الوحيد الذى يقول لى إن الحياة مازالت مستمرة.
 
أقول: لكن هذا يعنى أن قلبك يصبح كالميدان المزدحم بالحبيبات. وكل واحدة لا ترى غيرها فى قلبك.
 
قال عبد الحليم: صدقنى عندما أقول لك أن المرأة تبدو لك خيالية؛ وأنها تحب الحنان ولكن هناك رادار حساس فى أعماقها يحسبها بكل التفاصيل، فإذا ما تأكدت المرأة أنك لست لها؛ أو أنك متردد فى الارتباط بها، فهى تبحث عن طريقة تخربشك بها. وتترك أثر أظافرها على وجهك كعلامة واضحة على الانتقام.
 
أقول: وهل تركت سعاد شقيقة صباح خربشتها على ملامحك؟
 
قال: البداية كانت جميلة، وكانت رحلة من رحلات الحنان الذى يفاجئك فتشكر السماء أنها أهدتك تلك الهدية ، وقد قضت معى ثلاثة أيام على أساس أن يتعرف كل منا بالآخر. وحضرت معى مونتاج أغنية «صدفة» وانذهل من جمالها نصرى عبد النور مهندس التسجيل العبقرى.
 
وطبعا لم تطرأ فكرة الزواج على رأسى؛ ولكنها جاءت عرضا على لسانها، فقلت لها إن الزواج ليس كالحب؛ فالحب يهاجم الإنسان؛ لكن الزواج يجب أن يفكر فيه الإنسان، وقد لا أعجبك كزوج.
 
وكأنها تحدثت عن الزواج لتختبر الأمر كله؛ وهنا بدأت تتعلق بمذيع مشهور. وتعجبت منها، لأن عمرها لم يزد علي الثمانية عشر عاما، ورغم ذلك تملك ميزانا حساسا تختبر به مستقبلها، وكأنها تريد الزواج بأى وسيلة. قلت: هل آلمك أن تختار واحدا غيرك ؟؟ قال: كرجل نعم آلمنى ذلك. ولكنى كما قلت لك كنت صاحب خبرة فى مثل هذه المواقف. حكيت لك حكاية الراقصة التى بدأت معى، وأعلنت هى الحب واستجبت لها. كانت ترقص وكأنها الفرس. وبينى وبين الفرس حكايات؛ فأنا أول طفل فى قرية الحلوات رقص الفرس على أنغام مزماره. وحين رفضت أن ترقص هذه الراقصة على أغنياتى علمت بما لا يدع مجالا للشك أنى إنسان غريب؛ لا يقلد أحدا واتجهت إلى إنسان آخر لتقيم معه علاقة وتتزوجه. ولم أكن مستعدا أن أدخل فى متاهة من يتمسك بامرأة وينسى أنه لن يقلد المطربين السابقين. وحزنت وتألمت قليلا. ولكن من قال إن الحياة يمكن أن تعطيك حلاوة الحب، ولا تقدم لك من بعد ذلك أشواك الألم؟ والألم طبعا يصيب الإنسان بالإرهاق، ولكن على الواحد الذى يعمل فى الوسط الفنى أن يكون منتبها لكل ما يفعل، وإذا ما جاءه الحب فأهلا، وإذا ما تكشف له أن الحب سيأخذه بعيدا عن فنه؛ فليقل له مع السلامة.
 
أقول: وهل قلت لسعاد شقيقة صباح «مع السلامة»؟ قال: هى التى خربشتنى وأعلنت لأحد الصحفيين أنها ترفض العمل فى السينما معى واستخدمت كلمات جارحة هى «من هو عبد الحليم حافظ حتى أمثل أمامه؟» طبعا هذا يدل على عمق الجرح الذى تركه فيها الهرب من فخ الزواج.
 
 
كنت أعطى أذنى لمن ينظر إلى صباح بعيون فيها من الرغبة فى اكتشاف سر بريقها رغم الأربعين عاما التى أعلنت هى أنها سنوات عمرها. ورأيت من يهمس فى أذنى بحكاية عن تجربة طارئة مع ممثلة دارت بينه وبينها قبلة فى أحد الأفلام؛ فكاد عبدالحليم أن يفقد صوابه من تلك القبلة، وطلب من المخرج إعادة المشهد أكثر من عشر مرات، إلى أن قال له المخرج «كفاية بقى»، وضحك المخرج والممثلة وعبدالحليم وتولدت تفاصيل لم تر النور، منها على سبيل المثال؛ هرب عبد الحليم من سلم الخدم ـ ذات مرة ـ خوفا من قريب للممثلة، وكان هذا القريب بطلا فى المصارعة.
 
كنت أسمع لتلك الحكاية بالهمس وأنا على مائدة العشاء فى منزل السفير جمال منصور وكانت زوجته نادية تهتم بكل فرد وكأنه ضيفها الشخصى. وكنت مرتبكا من متابعة تفاصيل تلك الحكاية عن عبدالحليم حافظ، وكان ارتباكى الأكثر إزعاجا لى هو تناول المكرونة الإسباجتى بالشوكة والسكين، وحاولت أن أرقب كيفية تناول السفير جمال منصور للمكرونة الإسباجتى؛ فوجدته يلف خيوط المكرونة بالشوكة بعد أن يسندها بالملعقة. و قررت أن آكل المكرونة بطريقتى؛ وهى أن أضع بعضا من خيوط المكرونة فى الشوكة وألفها فى نفس الطبق؛ ثم أسحب أى خيط يكون طوله أكثر من اللازم بفمى. وضحكت حين فعل عبد الحليم مثلى، وقلت ضاحكا: لا تنسوا أن أبى هو أول من تعلم فى قريته، برغم الثراء النسبى برتبة الستر فى عائلتى إلا أن أهل قريتى مازالوا يضعون المكرونة الإسباجتى فى الساندويتشات.
 
وانطلق كل من على المائدة يأكل على راحته دون التقيد بأسلوب تناول الطعام على الموائد الرسمية. ورأيت عبد الحليم حافظ وهو يحمل كرسيه ليضعه بين الكرسى الذى أجلس عليه والكرسى الذى تجلس عليه بجانبى صديقتى، التى كانت تتحرق شوقا لسماع ما يهمس به واحد من الحضور فى أذنى عن مغامرات عبد الحليم حافظ. كان فى يد عبدالحليم طبق مكون من أصناف متعددة من الجبن. وكان يتوسطها قرص من الجبن الأبيض الدمياطى، وسأل عن العيش الناشف.
 
وبدأنا أنا وهو فى تناول الجبن بالعيش الناشف. وقلت لعبد الحليم: كيف تبدو صباح بكل هذه النضارة ؟ قال ضاحكا: إنها لا تحمل أى هم من أى نوع.
 
وبدأت صباح تغنى، وكنت غارقا فى خيالى مع ما قاله لى د. أحمد عكاشة الطبيب النفسى الشهير الذى كان قد عاد حديثا من إنجلترا ودار بينى وبينه حوار قلت له فيه «لماذا تكثر مغامرات أهل الفن؟» فقال «أنت تعلم أكثر من غيرك أنهم فى حاجة دائمة للعواطف الملتهبة التى فيها من الخيال أكثر ما فيها من الواقع، وإذا ما جاء الواقع بمتاعبه ؛ فلا أحد يصمد أمام تلك المتاعب إلا من يمتلك النضج العاطفى والقدرة على فرملة النفس من الزهق؛ مثل عبدالوهاب وأم كلثوم. أما من يحتاجون إلى الخيال أكثر من احتياجهم للواقع؛ فهم ينتقلون من قصة إلى أخرى؛ مع دفع فاتورة الألم.
 
قلت لعبد الحليم: أين سعاد أخت صباح الآن؟. قال ضاحكا: أرملة فى بيروت؛ فقد تزوجت بعد ثلاثة أعوام من حكايتنا معا من مهندس إيطالى، وحدثت له حادثة سيارة فى طريق مصر ـ إسكندرية، وترك لها ابنة صغيرة تربيها الآن فى لبنان.
 
ولست أعرف سر ارتباط صباح المطربة فى خيالى بصباح أخت سعاد حسنى؛ هذه التى ماتت أيضا فى حادث بالطريق الزراعى؛ مع شاب كان ينوى خطبتها. ولا أدرى لماذا فكرت فى حكاية سعاد شقيقة صباح وقول عبد الحليم «وهل هناك رجل عاقل يضع نفسه بين فكى أنوثة واحدة من أسرة صباح؟.
 
وضحكت فى خيالى لصورة عبدالحليم وهو ينزل من سلم الخدم هربا من بطل المصارعة قريب الممثلة الشقراء، ولم أقل له ما حكاه لى أحدهم فى نفس الحفل ولا يفصله عنا سوى أمتار.
 
نظر عبدالحليم إلى الساعة؛ وقال إن ميعاد نومه قد جاء. وقال لى: لماذا لا تأتى لنتمشى معا إلى الفندق ؟.
 
وكانت المسافة بين منزل السفير فى شارع إينا وبين الفندق الذى ينزل فيه عبد الحليم حافظ لا تزيد على كيلو متر واحد. وكان فندق الجراند أوتيل ـ فندق ثلاثة نجوم ـ هو المفضل لعبد الحليم فى باريس فى ذلك الوقت؛ عكس محمد عبد الوهاب الذى كان يفضل أن ينزل فى فندق '' البرنس دوجال '' ويفضل أن يكون معزوما. لكن عبد الحليم لم يكن يفضل ذلك. قلت له: لماذا يفعل عبدالوهاب بنفسه هكذا؟ لماذا يبحث عمن يعزمه من قبل السفر أو الحضور إلى باريس؟ ضحك عبد الحليم: أبى كان تاجر أحذية على باب الله؛ بعد أن كان مجرد مزارع بسيط، ولست أخجل من هذا، ولكن عبد الوهاب على سبيل المثال يخجل من أن والده كان مساعد المؤذن.
 
 
وأنا أتشرف بأن والدى كان يؤذن. صمت عبد الحليم قليلا. قلت: هل رأيت صورة محمد عبد الوهاب وهو بالجبة والقفطان مع أمير الشعراء أحمد شوقى؟ قال: رأيت هذه الصورة؛ والأستاذ عبد الوهاب لا يحبها، لأنها لا ترسم صورة الدون جوان. وتذكر أن أحمد شوقى هو الجامعة التى تعلم فيها محمد عبد الوهاب فن الحياة مع الأرستقراطية. قلت: ولكن اعتماده فى بعض من ألحانه على '' ربط '' بعض من أغانيه بواسطة محمد الموجى مسألة تقول لك إنه يحاول أن يلتهم أى جديد ينمو فى الطريق. قال عبد الحليم: أنا حذرت محمد الموجى من ذلك. وحاولت أن أقنعه فى أول أيام لقانا مع محمد عبد الوهاب أن يرفض الخمسين جنيه التى دفعها محمد عبد الوهاب له من أجل فكرة موسيقية. فرفض الموجى. ولكنه امتنع عن ذلك؛ حسب نصيحة أستاذك إحسان عبد القدوس الذى كتب فى روز اليوسف محذرا لى ولمحمد الموجى ولكمال الطويل من ذكاء محمد عبد الوهاب الذى يمكن أن يفرق بيننا. قلت: أحوال الفن فى عالمنا العربى غريبة. قال، لأن كل شىء فى عالمنا العربى تحت التكوين، والطفرات التى حدثت فى الموسيقى تشبه الانتفاضات التى حدثت فى تاريخ مصر السياسى ، فسيد درويش كان مقدمة لثورة 1919 وعبد الوهاب وأم كلثوم كانا أهل الطرب المناسب لطبقة اجتماعية امتلكت الأرض والنفوذ؛ وصرخت أنها ضد الإنجليز وتعاملت مع الإنجليز بمنتهى الحنان والاحترام. لكن كلا من عبد الوهاب وأم كلثوم ترك '' كارت توصية عند أى تغيير اجتماعى قادم ، فعبد الوهاب غنى '' أخى جاوز الظالمون المدى '' وهى الأغنية التى أذاعتها الإذاعة بعد أن قرأ جلال معوض بيان تنازل الملك فاروق عن العرش فى السادسة مساء 26 يوليو 1952 وأم كلثوم غنت قصيدة '' وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى قواعد المجد وحدى '' وكلتا الأغنيتين كانت كارت توصية عند التغير الكبير الذى حدث فى 23 يوليو.
 
كنت متعجبا من هذا الفهم الدقيق لخريطة كل من عبد الوهاب وأم كلثوم على مسرح المجتمع والسياسة. قلت لعبد الحليم: ترى هل يمكن أن يرفع محمد عبد الوهاب سماعة التليفون ويطلب جمال عبد الناصر ويقول له أى شىء، مثلما ترفع أنت طلباتك لعبد الناصر؟ قال ضاحكا: إن عبد الوهاب أحرص من ذلك، فهو لا يعلم ما الذى يمكن أن يحدث فى المستقبل. أنت لم تره يوم انفصال سوريا عن مصر، كان فى حالة غريبة. قلت: ولكن أم كلثوم ارتبطت بشكل نهائى وبات بـ23 يوليو. قال : إن أغنيتها '' يا جمال يا مثال الوطنية '' التى غنتها بعد اعتداء واحد من تنظيم الإخوان المسلمين على جمال عبد الناصر عام 1954 هو الرباط المقدس بينها وبين 23 يوليو تماما كما غنيت أنا '' يا جمال يا حبيب الملايين». وأراد عبد الوهاب التهام كل المجد بنشيد «وطنى حبيبى الوطن الأكبر».
 
ضحكت قائلا: وغنت معكم فى هذا النشيد المطربة صباح.
 
قال: ما لك متعلق بصباح؟ قلت: لست أنا المتعلق بها، ولكنى أريد أن أجعل المخرج الذى قال «بارتيه» لحظة أن فتح كمال الملاح حكايتك مع شقيقتها سعاد؛ أريد أن أجعل هذا المخرج يقول '' فركش '' على واحدة من حكايات تاريخك العاطفى؟ قال: اجعل المخرج الذى تقول عنه يقول '' فركش '' ولكن لا تقل أن حكايتى مع سعاد شقيقة صباح هى أول حكاية عاطفية. لأن الحكاية الأولى ـ كما يقول أستاذك إحسان عبد القدوس ـ تكون هى الحكاية الأخيرة.
قلت: سأجعل المخرج يقول '' فركش '' على قصتك مع سعاد شقيقة صباح. بشرط أن تقول لى الحكاية الأخيرة.
 
قال بأسى ظاهر: هى حكاية واحدة أعيش على مشاعر القلق بسببها، هى ليلى التى حكيت لك عنها، وأنت لا تريد أن تصدق أنها الحكاية الوحيدة.
 
أقول: ولكن هناك أكثر من حكاية أخرى تتخللها، هناك حكاية سعاد حسنى التى رصدتها زميلتنا الصحفية مهجة عثمان بتكليف من إحسان عبد القدوس. وفتحت سعاد حقيبة هداياك لها من رحلة للمغرب، وكيف اختارت هى سرير غرفة النوم عندما كنتما معا فى أسبانيا بعد رحلة المغرب، ثم أخلفت أنت وعد الزواج وأنكرته تماما.
 
قال عبد الحليم: صدق أو لا تصدق أن '' ليلى '' هى من قالت لى إن أنسب زوجة لى هى سعاد حسنى بعد اكتشاف إصابتها بفيروس فى غشاء المخ. وكنت مندفعا إلى الارتباط بسعاد، ولكن المخرج الذى يقول «بارتيه» أو ينهى القصة بقوله «فركش» لم ينطق كلمة «فركش» لعلاقتى بليلى، ولم يقل أيضا كلمة فركش لعلاقتى بسعاد، ولذلك تعيش التجارب العاطفية معلقة فى الهواء، لا نهاية لها وقد لا يكون هناك استمرار لها أيضا.
 
تصافحنا على باب فندق جراند أوتيل ليصعد إلى غرفته؛ ولأعود أنا مرة أخرى وسط أشجار باريس الملونة بقطرات الماء المتجمد؛ حيث كنت أقيم فى فندق من نجمتين هو فندق «فلوريد» بشارع «سان دى دييه» وجلست أكتب مذكرات ذلك اليوم الذى نقلت لكم بعضا منها فى الصفحات السابقة.


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

خطط الإخوان.. هدم الأمة

خونة ومرتزقة وقتلة ولصوص وتجار دين وجهلاء. هذا هو تصنيفهم وتوصيفهم. سرطان زرع فى قلب الأرض المقدسة. لم يطرح سوى الدم والدموع و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook