صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

مجنون بفكرة الحب ولا يستقر على امرأة واحدة

4182 مشاهدة

23 ابريل 2013
كتب : منير عامر وريشة الفنان: محمد الطراوي



 كما هى العادة فى أى مجتمع، كان لابد من وضع بنات الطبقة الراقية منه فى فاترينة كى تلتقط الحلوة منهن رجلا له مكانة تستفيد منها العائلة.. كانت ناهد التى أذنت لها شقيقتها أن تسهر مع عبدالحليم حافظ لعل التقارب بينهما يتيح لكل منهما فرصة التعرف على الآخر، فتحدث الخطوبة، ثم الزواج. وكانت شقيقة ناهد تقدم نفسها على أساس أنها زوجة سفير سابق، ولم يكن هذا حقيقيا، والحقيقى أنها ابنة لباشا سابق ممن كانوا يملكون قرية بأكملها فيما قبل ثورة يوليو، ثم جاء جمال عبدالناصر ليضع المجتمع كله فى بوتقة التغير الاجتماعى، فأعاد توزيع الثروة، ومع رحلة توزيع الثروة، كانت هناك رحلة أخرى لتوزيع النفوذ الاجتماعى.

 
 
ومن شباك النفوذ أطل شاب من شباب ضباط المدفعية ليطلب يد الشقيقة الكبرى لناهد، فوافق الوالد على الفور، تقربا من رجال الثورة، ولم يكن الأب يعلم أن هذا الضابط كان ضمن قلة تمردت على جمال عبدالناصر عام 1945 مطالبين بعودة الجيش إلى ثكناته.
 
 
 وانضم هذا الشاب لتلك المجموعة ثم وشى بها كى يضمن الصعود فوق سلم الثورة، فهو من اتجه إلى بيت جمال عبدالناصر ومعه مدفع رشاش، سلمه على بوابة المنزل، وطلب لقاء جمال عبدالناصر، وما إن أطل جمال عبدالناصر بقامته الفارعة من باب الصالون، حتى رمى الضابط بنفسه فى حضن الزعيم ونزلت دموعه أثناء قوله «طلبوا منى اغتيالك ولم أستطع، لأنك القائد الفعلى لإنقاذ هذا البلد». وطبعا أمر جمال عبدالناصر بالتحقيق مع المجموعة التى أرشد عنها هذا الضابط، واكتفى بنقلهم من الخدمة العسكرية إلى مواقع مدنية أخرى، بعد أن مروا بعقاب مناسب هادئ ومؤثر. أما من أبلغ عن المجموعة فقد أسند إليه جمال عبدالناصر مهمة المشاركة فى إدارة واحد من البنوك الناشئة. وأثناء عمله بالبنك، كان قد استسلم لطلبات الزوجة التى اختارها من فاترينة بنات الطبقة الراقية فيما قبل ثورة يوليو، وفرح به والدها الذى كان يملك قريةأخذها الإصلاح الزراعى، وهو الأمر الذى تحايل عليه هذا الإقطاعى، وظن أن زفاف ابنته من هذا الضابط سينجى ثروته أو بعضها من أن تستولى عليها ثورة يوليو.
 
 تم الزفاف على الرغم من أنف البنت الحلوة، وهى من استطاعت فيما بعد أن تذيق هذا الضابط من إهانات التعالى فوق خيال أى أحد، وأفرطت فى طلب النقود والمجوهرات، واستسلم لها الضابط الذى صار موظفا مرموقا فى البنك الناشئ، وكانت النتيجة هى كمية من الديون الهائلة، وما إن وصل الأمر إلى جمال عبدالناصر حتى عزله من العمل فى البنوك، وأعاره لمنظمة دولية قضى فيها ثلاث سنوات لتفصله المنظمة، وسبب الفصل بطبيعة الحال كان ماليا. وعاد إلى مصر باحثا عن عمل.
 
لكن مكتب جمال عبدالناصر أعطاه أذنا من طين وأخرى من عجين. ولم يكن له من سند سوى حجم العلاقات المتعددة التى برعت زوجته فى تكوينها مع كبار المصريين الذين كانوا يزورون العاصمة الأجنبية التى عاشت فيها لسنوات مع الزوج، ولأنها ابنة للطبقة الراقية فيما قبل ثورة يوليو، كان من السهل عليها إغراق كل من زاروا البلد الأوروبى من كبار المصريين أن يعيشوا ليالى لم يكن أحدهم يحلم بها، فالسيدة تدمن الحياة الفارهة، ولم يخل بيتها الذى كان فى العاصمة الأوروبية من دعوات للعشاء لكل من احتل منصبا ما فى الدولة المصرية، وصار البيت منتدى ليليًّا يأتيه كل مسئول ليأكل طعاما لم يتناوله طوال عمره، فالطباخ الإيطالى الذى كانت تستأجره الزوجة يستطيع عمل محشى «الكالامارى» بالجمبرى، ويستطيع طهو السمك الضخم على الفحم ليكون طعمه شديد الاختلاف. ولكن كل تلك الموائد لم تمنع من مصادرة الأراضى التى قام والدها بتهريبها بعيدا عن أعين ثورة يوليو، ولم يشفع للعائلة أى كبير من كبار رجال الدولة الذين زاروهم فى العاصمة الأوروبية.
 
وكل ما بقى من أيام تلك العاصمة هو إحساس القهر لدى الزوج الذى صار عليه أن يعيش فى حدود المعاش الذى خرج به من الخدمة العسكرية، ولم يكن يكفى.
 
وصارت المعارك بين الضابط السابق وزوجته عالية الصوت، إلى أن استطاعت الزوجة أن تلتقط صداقة مع عبدالحليم حافظ الذى علمت أن كل طلباته مجابة عند واحد من أهم رجال تلك الفترة واسمه شمس بدران وكان يشغل منصب مدير مكتب المشير عبدالحكيم عامر، واستطاع عبدالحليم أن يحصل لهذا الزوج عن طريق شمس بدران على التعيين فى شركة واحد من كبار رجال الثورة ترك العمل السياسى بأكمله وصار متعهد توريد المأكولات لقوات الأمم المتحدة التى تفصل بين مصر وإسرائيل منذ عدوان 1956، وفى تلك الشركة يمكن لهذا الزوج أن يقبض مبلغا ضخما وخياليا وغير مقيد بمرتبات الدولة المصرية، لأن النقود قادمة من الأمم المتحدة، وهى نقود ستكفى بالتأكيد مصاريف الزوجة بنت الأصول، وتمادت بنت الباشا فى أحلامها فأرادت أن تجعل من عبدالحليم صهرا للعائلة، فقدمت شقيقتها كمشروع زوجة له. وطبعا حدث ذلك بعد أن زارت السيدة منزل عبدالحليم، هذا الذى أشرف على تأثيثه فؤاد باشا سراج الدين ودخلت كل قطعة منه إما من بيروت أو إسبانيا، بل إن السرير الذى ينام عليه عبدالحليم جاء من إسبانيا، ومن اختارته هى سعاد حسنى كسرير خاص بالبيت الذى وعدها عبدالحليم أن يؤثثه لها. ولم تفطن أى امرأة إلى أن خيال عبدالحليم كانت تحتله امرأة أخرى تماما، وهى التى تمنى أن يكمل معها مشوار الحب، لكنها أسرعت بمغادرة الحياة بعد أن تردد عبدالحليم فى الاقتران بها. وبقيت علاقة عبدالحليم بأى امرأة محكومة لا بالأسباب الطبية فقط، ولكن بأسباب نفسية شديدة الغور. لعلها قد بدأت منذ أحد أيام يونيو 1926، لحظة أن اندلق من رحم السيدة بهانة طفل اسمه عبدالحليم شبانة الذى أخذ يلهث طوال حياته بحثاً عن حنان فى قلب أكثر من امرأة، وكانت وسيلته فى هذا البحث هى الغناء الشجى الخلاب. وكان عبدالحليم يعلم أن الحزن هو قلب حياته من البداية لأن الرحم الذى اندلق منه قد انسحب إلى التراب، وبقى له نسيج متوتر من أكثر من قصة عشق، وغناء لا ينفد تأثيره نداء وشوقاً، ورجاء، واستسلاماً، وكبرياء، وتوسلاً، ومطاردة وتردداً، وجحيماً، وجنة، وابتهالاً، وصراخاً، ودموعاً، ثم آهة طويلة تصل بين أول فنجان مقلوب وهو ميلاد عبدالحليم من رحم الأم، إلى طاقة من شجن غير عادى يؤدى به أغانيه.. وكانت سهرة بلفدير الهيلتون هى مباراة فرضت نفسها على ناهد بنت الطبقة الأرستقراطية، وكانت هناك غريمة واضحة هى الراقصة ناهد صبرى التى رحبت بوجود عبدالحليم كفنان مشهور يقضى سهرته مع أصدقاء، هم كاتب هذه السطور وناهد بنت الطبقة الأرستقراطية. أما سبب المباراة بين الناهدين، فهو إصرار ناهد صبرى على أن ترقص على لحن أغنية عبدالحليم «قولوله قولوله الحقيقة.. قولوله بأحبه من أول دقيقة»، وكنت أفكر أنا كاتب هذه السطور فى أن عبدالحليم اختار بلفدير الهيلتون المطلعلى النيل مكانا للسهرة، كيلا يلتقى بأحد من الذين يسهرون فى كافيتريا نايت آند داى بسميراميس، لأن هذا معناه أن تعلم سعاد حسنى أنه سهر فى مكان ما مع امرأة أخرى. وكان ذلك كفيلاً بأن تقلب حياته إلى نكد أساسه الفعلى إثارة جنونه كغيور بغير حدود، ويدفعه هذا الجنون إلى متابعة تفاصيل حياتها بالدقائق، فإن وصله وجودها مع أكثر من رجل غيره، فهذا هو الجحيم، وكأن سعاد حسنى تخصه وحده، لا يجب أن يشاركه فيها أحد، رغم أن ينتشر بين أكثر من قصة تبدو قصصا عاطفية فى وقت واحد، ليس كدون جوان ولكن كإنسان لا يعرف استقرارا لهذا الجنون الصارخ فى أعماقه ولا يعلنه لأحد.
 
ولم تكن ناهد بنت الذوات فى حالة ارتياح لأنوثة الراقصة ناهد صبرى التى تفيض بكبرياء خافت الدفء على عبدالحليم، فعبدالحليم بالنسبة لناهد بنت الذوات هو مشروع حياة قادمة، مشروع زواج تشجعه عليها العائلة، وهى تستوعب احتياج العائلة لشخص له مكانة فى المجتمع، يثق فيه القادة ويحبه أهل النفوذ ويمكن أن يساعد الأب على استعادة مكانته ولو فى القرية التى كان يملكها ثم صار لا يملك فيها سوى مائة فدان، ولا يجرؤ على أن يذهب إليها، لأن الشباب هناك قد كبروا وأدخل عبدالناصر فى قلوبهم حقيقة أنهم مستغلون، والعين فى القرية صارت فوق الحاجب، ويعلم الأب أن ناظر العزبة يسرقه، ولكنه الوحيد الذى يأتى له بناتج الزراعة من أموال، وشقيقتها زوجة من يطلق على نفسه أنه سفير تحلم أن تستعيد من خلال عبدالحليم إن ارتبط بشقيقتها بعضاً من مكانة متميزة.
 
وهكذا أتاح لى الزمن فرصة رؤية أنوثتين فى حالة تحفز، ناهد بنت الذوات التى تلقت تعليمها فى المدارس الفرنسية وتدرس بالجامعة الأمريكية، وناهد صبرى الراقصة التى أعلم أنها لم تكمل تعليمها الابتدائى ثم أعجبها رقصها فى المرآة، وضغط عليها فوران أنوثتها فاتجهت إلى الرقص الشرقى، ولمعت لا أدرى كيف، ولكنى أراها فى أرقى موقع بالقاهرة وهو بلفدير الهيلتون، وأمامها عبدالحليم القادم من الحلوات، والذى قادنا بعد الخروج من الأوبرا إلى السهر فى هذا المكان، ولعله كان يفكر فيما فعله مثله الأعلى محمد عبدالوهاب، الذى جاء من نسل مساعد مؤذن جامع سيدى الشعرانى بحى باب الشعرية، وانطلق من هناك فى ضوء صحبة أمير الشعراء إلى مقام نبلاء القوم، فتزوج للمرة الأولى من سيدة مجتمع، وطلقها دون أن يعلم أحد أسباب الطلاق بعد أن أنجب منها البنين والبنات، ثم تزوج من ربيبة القصر الملكى الأردنى السيدة نهلة القدسى ذات الأنوثة الوارفة الظلال، والتى لها حكايات مع أجهزة المعلومات المختلفة ما يفوق الخيال، وكان عبدالحليم يعلم بعضه ولا يعلم بعضه الآخر.
 
كنت أنظر إلى ناهد بنت الذوات متسائلا: من هى ناهد التى تلعب فى خيال عبدالحليم حافظ كفتاة يمكن أن تعطيه ابناً؟ هذه الحلوة الناعمة التى وجدت كل شىء فى حياتها مصنوعاً فى بلاد أسماؤها صعبة على لسانى فطقم الصينى «ليموج»، وطقم الشوك والسكاكين «كروستوفل»، وطاقم الصالون «أوربيسون»، وسجاد الأرض شينواه أو عجمى، واللوحات التى فى المنزل أصلية، ويقدم الطباخ فى منزلهم كل ظهر أو فى المساء ثلاثة أنواع مختلفة من الطعام، تمثلها عادة ثلاثة أطباق متتالية، سمك، لحم، منوعات، ومن يدخل قصر العائلة فى جاردن سيتى يشرب العصير الطازج أولاً ثم القهوة من بعد ذلك، ولابد من وجود فاكهة مجففة. ولابد من وجود شىء مستورد خصيصاً للأسرة. وقد يكون مثل كل ذلك موجوداً عند عبدالحليم حافظ، لكن ذاكرته تحمل عالماً لا تعرفه ناهد، عالم الزقازيق، حيث كان الأكل بخجل فى بيت الخال، والتعلم الموسيقى فى الملجأ، ثم الحياة مع إسماعيل شبانة فى بركة الفيل بالسيدة زينب، ثم تذكر «نعيمة» السيدة التى حلم بها كل مراهقى مدرسة الفقراء الداخلية ـ هذه السيدة التى كانت تنام فى حضن كل مراهق بالخيال والوهم كل ليل لتخفف عن الجميع أحزان الحياة بلا أمهات. ثم سنوات المعهد العالى للموسيقى المسرحية، وتلك حياة تختلف عن حياة ناهد بنت الأصول، حيث كل شىء مرسوم من قبل أن تولد بداية من اسم الدادة، عدد اللغات التى سوف تدرسها، أسماء الروايات التى سوف يسمح لك بقراءتها، وأسماء الكتاب الذين لن تقرأ لهم إلا سرا حين تتعرف على أسمائهم من زميلاتها فى فترة المراهقة، ألوان الفساتين المناسبة للون البشرة، أسماء البنات اللاتى سيسمح لها بأن تكون صديقة لهن، ثم الرقابة على الدادة بالتجسس عليها خوفاً من أن تكون رسول غرام شريرا، ومراقبة السائق وكيفية نظرته إلى سيدته، ثم وضعها أخيرا فى فاترينة الطبقة الأرستقراطية بحثا عن زوج له قيمة ومكانة. وكان عبدالحليم فى نظر شقيقتها الكبرى هو الزوج الملائم، وطبعا لم تلتفت العائلة إلى الحقيقة التى يعلمها كل من عاش ولو لأسبوع واحد على بلاج ميامى السكندرى، حيث علم أغلب عائلات هذا البلاج أن عبدالحليم عاش قصة حب دامية. ماتت فيها الحبيبة بعد التهاب غشاء المخ. لكن حزن الرجل على افتقاد امرأة قد يثير شهية خافتة داخل النساء، فالفتاة التى لم تجرب الحب، قد ترغب فى تحدى الموت، أو أن تكون المرأة فى مثل إحباطات شقيقة ناهد، التى فصلت كمعظم نساء طبقتها بين العاشق وبين الزوج، فالثقافة الحاكمة لأغلب الطبقات العليا سواء فى أوروبا المتمدينة أو دمشق فى عهدها الأموى أو بغداد فى أيام خلافتها العباسية أو إستانبول أيام الخلافة العثمانية، أو موسكو أيام الإمبراطورية ما قبل قيام الماركسية أو بعدها، أو بيكين أيام أباطرتها العظام أو أيام ماوتسى تونج الشيوعى الذى لم يتعرف على الفارق بين الأمراض التناسلية وبين الفحولة إلى أن علمته هذا الفرق راقصة أحبها ونالت من العذاب بعد وفاته ما نالها. أو حتى مثل إمبراطور أفريقى معاصر هو موبوتو سيكو سيكو الذى مات لتتشاجر شقيقتان تزوجهما معا، والشجار كان على الميراث الموجود فى بنوك سويسرا، ولم تستطع أى منهما الحصول على فرنك واحد من هذا الميراث.. ولأن الشقيقة الكبرى لناهد تعى الفارق بين العشيق وبين الزوج لذلك كان حلمها أن تتزوج شقيقتها من عبدالحليم، ثم لا مانع بعد ذلك من أن تختار لنفسها من تهبه قلبها.
 
أردت أن أنهى سرحانى من رحلة ناهد إلى الحلم بالزواج من عبدالحليم فقلت له: «عازف الناى فى فرقة ناهد صبرى لا يجيد استخدامه»، فضحك عبدالحليم قائلا: «ده عازف على الأبوا يا أستاذ». ثم تابع: تصور أن أول آلة موسيقية فى حياتى هى عود برسيم. ضحكت قائلاً: أنت نسيت أننى شرقاوى مثلك ورأيت عود البرسيم فى فم كل طفل من الأطفال وهم يودعونه أسرار الحب عندما يعزفون على عود البرسيم. تساءلت ناهد: كيف يمكن أن يعزف الإنسان على عود البرسيم؟ قال عبدالحليم: تعرفين أن عود البرسيم مفرغ من داخله، وبتنظيم النفخ فيه ينتج موسيقى كصوت المزمار البلدى. أبدت ناهد اندهاشها، وهو اندهاش من ترغب فى استكشاف عالم لا تعرفه، قلت لها: احذرى فأنت تسمعين كلمات ابن ولى الله شبانة الكبير، وشبانة الكبير إن كنت لا تعرفين هو الجد الأول لعبدالحليم وله مولد فى الحلوات، وأحلى ما فى المولد هو حلقة الذكر التى يرقص وسطها حصان من فرط النشوة. نعم فأجداد عبدالحليم وأعمامه من أحفاد شبانة يجعلون الحصان يرقص على أنغام خارجة من عود برسيم، وعبدالحليم درس الأبوا لأنها أقرب الآلات إلى الحزن المطموس بين الصدر والروح. إنها تعزف موسيقى الفؤاد، أى المنطقة التى تحيط بالقلب مباشرة. ضحك عبدالحليم قائلاً: منير يصورنى كأنى ساحر، والحقيقة أنها مسألة إحساس. والشبانية هم طريقة صوفية فى الشرقية. جاء الجد الكبير من الحجاز، وارتفع صوت مناجاته كحفيف ورق شجرة الصفصاف. وتزوج الرجل واستقر وأنجب، ومن فرط حبه لزوجته كان يقول «الله» لأن المرأة الصادقة فى حبها تجعل الزوج يشعر بجمال عظمة خلق الله، والمزمار هو الذى ينشد الموسيقى فى الطريقة الشبانية الصوفية. حيث لا يرى أحد إلا ما يحب. وأثناء العزف قد يرى العازف خيال المرأة التى يحبها، وقد ترى المرأة خيال الرجل الذى تحبه.
 
والمولد هو خروج القرية عن العالم المرسوم، فالعيون مفتوحة من الجميع، ولا يرى أحد من الجميع إلا نفسه، وللمزمار سحر خاص، لذلك سافر المزمار إلى الغرب عبر الشعراء الجوالين ليزور صقلية والأندلس، وليتطور وليصبح آلة الأبوا التى تعلمت العزف عليها.. وأعيد النظر إلى بشرة ناهد السمراء، وتسحبنى تذكاراتى إلى لحظة غروب لندن، حكى لى عبدالحليم حافظ عن «ليلى» قصة حبه الأساسية. أحفظ تقريباً نصوص ما قاله لى عن هذه الجميلة التى أراد أن يهديها العالم ليقترب منها.
 
كانت تريد أن تحيا معه إلى الأبد، كانت حبيبته هى أغنيته الوحيدة فى أعوام1955، وحتى عام 1961، يحكى عنها كأنها الكون والأمل، ولكن ليس هناك جسر بين الواقع والأمل، الأمل بالنسبة لعبدالحليم من لحظة أن التقى بليلى أن تسقط نجمة من السماء ليسكن فيها معها. كثيراً ما نادى «علية» شقيقته ليسألها: هل حقيقى أن ليلى تحبنى، قال لى عبدالحليم: «أقسم بالعظيم يميناً يسألنى الله عنه يوم القيامة أننى لم أحب امرأة مثلما أحببت ليلى» لكن «ليلى» يأكلها مرض غريب، «فيروس يأكل غشاء المخ» أقسم بالله العظيم أنى ما رأيت فى حياتى عيوناً مثل جمال عيونها، زرقاء لا أدرى؟ بنفسجية لا أدرى؟ رمادية؟ لا أدرى، وكأنى لا أجيد تمييز الألوان، لكنى كنت أعرف أن عيونها ملونة بالبهجة والأسى فى آن واحد، وأننى كلما نظرت إلى عينيها ازددت عطشاً فأعيد النظر مرة أخرى فلا أقوى، وأحاول أن أركز عيونى فى عيونها أكثر، وأن أحتضنها بعيونى أكثر، ولكنها تقترب لتبتعد، وتبتعد لتقترب، ولا أعرف هل أنا موجود فى الدنيا من أجل أن أحبها أم ماذا؟!!.. وطبعا أنا كاتب هذه السطور لا أنسى أن عبدالحليم استدعى «علية» شقيقته ليشهدها على صدق ما يقول. وسحبت «علية» يدى لتصنع لى فنجان قهوة فى الجناح المخصص لعائلة عبدالحليم ويفصل بينه وبين جناح عبدالحليم باب، وما إن تتخطى هذا الباب حتى يمكنك أن تجد نفسك فى قلب قرية الحلوات أو فى بيت أسرة متوسطة بالزقازيق، وأخذت شقيقة عبدالحليم تحكى لى عن «ليلى» المرأة التى ملأت حياته كلها، ولكن القدر أخذها منه لأنها كانت «بنت موت»، وبنت الموت فى تقاليدنا الشعبية هى التى يبلغ جمالها ما لا يوصف، ولكنى كنت أعلم عن «ليلى» الكثير، أعلم أن عبدالحليم ما كان ليقترب منها إلا لأنها المستحيل، فما الذى يجعله ينتبه إلى امرأة تجلس فى كابينة على بلاج ميامى عام6591، وكأنه يختبرسلطانه الجديد، نجاحه الخارق كمطرب، هذا الاختبار الذى يقول فيه: رحلة حياتى هى نسيج من الشـوك والحزن، فهل يمكن أن تمسح هذه المرأة عنى كل ما أنا فيه من حزن. ما الذى يجعله الآن يتجه إلى ناهد، لون بشرتها سمراء، تختلف تماماً عن «ليلى» ذات البشرة المنسوجة من أوراق الورد، الشعر الحرير، لقد غنى لها «بتلومونى ليه.. لو شفتم عنيه.. حلوين قد إيه».. لكنه غنى لسعاد حسنى «الحلوة.. الحلوة برموشها السودا الحلوة»، كان يقول بعض الكلمات العادية ثم يتجه إلى الشعراء لعل واحداً منهم يستطيع أن يغزل له قصة حب فى أغنية.. تمنيت أن أعلن بوضوح لعبدالحليم أنه لا داعى لأن يخلط كل أوراق عمره فى تلك اللعبة المعقدة المسماة الحب، ولكن لم أفعل.
 
أقول أنا كاتب السطور لعبدالحليم هو يحكى عن ليلى: لماذا تخلط كل الأوراق يا عبدالحلم؟ وكنت أعلم أنه ككل من عاش حياته يخفى جنون البحث عن أم، ولن يستطيع أحد أن يعيد ترتيب أوراق الحياة فى هذا العالم على هواه.
 
يقول عبدالحليم: الفن ليس إلا إعادة ترتيب أوراق العمر بطريقة مختلفة، حياتى مثلاً بدون «ليلى» فيها شمس كل يوم، لكن الشمس فى اليوم الذى أرى فيه ليلى تختلف، تصبح الدنيا أكثر ضوءاً، كأن الشمس تغسل نفسها لتزيل التراب من كل الدنيا.
 
أقول لنفسى: لماذا إذن تعذب نفسك بمغامرة الخروج مع فتاة تعلم أنت جيداً أنك لن تتزوجها، بل قد تغنى لها فى فرحها، لأنك ببساطة غير متأكد من عواطفك تجاهها، هل «ناهد» ابنة الطبقة الكبيرة هى التى تقول إن حياة الملجأ انتهت، وأن سيرك فى طابور الاحتفال بالعيد أمام أثرياء الزقازيق مازال يجرحك، وأن حبك لـ23 يوليو إنما جاء نتيجة أن كلمة «الناس سواسية» ظلت تلح فى قلبك، لكنك كنت ترى الكلمة مجرد خيال، وها أنت بغنائك تلغى تلك المسافة الشاسعة بين طفل يمشى فى فرقة موسيقية تتبع الملجأ، وتهفو أسرة ذات ثراء أن تزوجك ابنتها، فأسرتها ترى فى عبدالحليم رحلة استرداد لقوة مفقودة فى المجتمع، ولا تعلم أن عبدالحليم نفسه يشعر أنه ضعيف، ضعيف لأنه لا يعيش مع «ليلى»، فليلى هى رصيده الأخير فى تلك الأيام.. المرأة التى تجلس على شاطئ بعيد، ويحاول الوصول إليها، امرأة لا يلمس الملل قلبه منها بتكرار الأيام.. كنت أرقب رقص ناهد صبرى مع عبدالحليم وناهد بنت الطبقة الأرستقراطية فى روف الهيلتون، كانت ناهد صبرى تحاول أن تسرق عبدالحليم من عيونه، كأنه كان يثير فى كل امرأة أن يكون لها وحدها، وكأن كل امرأة تتخيل أنها ستعيد تشكيله على هواها، ولم تكن كل واحدة تعرف أنه غير قادر على أن يعيد تشكيل نفسه على مزاج أى امرأة فهو المجنون الذى بدد ثروة هائلة هى «ليلى» التى أحبها وبدا كأنه يتخلى عنها فماتت بفيروس تسلل إلى المخ وأمضى كل أيامه مبعثرا يبحث عنها ولا يجدها.
 
 
 


التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook