صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

جودة..

3937 مشاهدة

26 مارس 2013
كتب : محمد الرفاعي



كانت الأيام تلف عباءتها فوق جسدها النحيل كسنبلة القمح ساعة الحصاد، وتتمدد فوق أرصفة المدينة الباردة، كامرأة فى بدايات الحمل، تفرد ساقيها التى نفرت منها الأوردة، حتى بوابات القاهرة القديمة، بعد أن دهستها عربات العرض العسكرى، فى ذلك النهار الدموى البعيد، وحين تمر عربات الرش آخر الليل.. تحل ضفائرها، تدخل فى طقوس العنسل، يتساقط الوشم القديم لأسد يمسك سيفًا، عن ساعدها، وطلاء أظافرها القديم، ثم تتثاءب فى رخاوة النعاس، تنتظر أن يفر الضوء من خلف العمارات العالية، كالفنارات على حافة البحر، فترحل السفن الغارقة فى الرمال، إلى سواحل أخرى.. تتهجى أبجدية العشق الأولى.. وما بين الماء الساكن.. والضوء المسافر، تنام الأيام لحظة كما ينام النهر، بعد أن توقف النباح فى مداخل المدينة، طيرت الريح أوراق الفجيعة إلى آخر الدنيا.. ولم يعد هناك.. غير بعض الصور الباهتة الممزقة فى أوراق الجرائد القديمة، فوق الأرفف فى محلات البقالة الرخيصة، أو فوق النوافذ الزجاجية المكسورة فى الحوارى الضيقة.

وكان المساء.. يحاول أن يفلت من مصيدة الوقت الواقف بين عتمتين.. عتمة الليل.. وعتمة الروح الضائعة، لعله يشب فى لحظة مفاجئة على حافة النهار، حين يحط الضوء اليمامة، فوق المآذن العالية البعيدة، ثم يرف فوق النهر.. ويرحل فى المدى، وكان المساء الواقف فى الحقول الواسعة، فاردًا ذراعيه، ليهش الطيور المهاجرة الضائعة على حدود العتمة، يحاول أن ينزع ساقه الخشبية من الأرض، ويرتمى على حافة الترع، بجوار السواقى القديمة، التى مازالت تنوح، وهى تدور دورتها الأخيرة.. وكان عم فرج.. العجوز الطيب الأعور، القادم من تلك الحقول فى الدلتا.. المسكون بذلك النواح البعيد، يقف فى ذلك البار القديم الضيق فى ميدان العتبة، يهش الحزن بضحكته الطفولية، التى تكشف أسنانه السوداء المتآكلة، ويمسح الموائد الخشبية القليلة، التى تحولت إلى اللون الرمادى، بقطعة قماش قديمة متسخة، يضعها دائمًا فوق كتفه الأيمن، ثم يعود إلى مكانه خلف الحاجز الرخامى، بجوار الصورة التى رسمها له جودة، ذات مساء بعيد، يومها.. ضحك حتى دمعت عينه الوحيدة، وقال ساخرًا:

- ناقصة عين.. وتبقى صورة بنى آدم.

أحضر البرواز القديم، الذى يضع بداخله صورة لراقصة غير معروفة، يكاد لحمها يفر من الإطار، وكان يقسم دائمًا، دون أن يسأله زبائن آخر الليل.. أنها كانت أشهر راقصة فى شبرا كلها، وأن جلالة الملك ذات نفسه طلبها لترقص أمامه فى القصر، وألقى بالجنيهات الذهبية تحت قدميها، وأنها فضلته هو الأعور، عن كل الرجال الذين يحيطون بها كالأسورة، وكاد أن يتزوجها لولا القسمة والنصيب، وبكاء أمه التى حجت بيت الله سبع مرات ليل نهار، حتى كادت تصبح عوراء مثله.. يستغرق فى الضحك.. يعيد مسح الحاجز الرخامى من آثار الخمر، وبقايا  الفول النابت والترمس، ثم يهمس بحزن حتى لا يكاد يسمعه الزبائن القليلون.

- والله أنا كنت ابن ناس.. بس الدنيا خدتنى على خوانة.

مسح البرواز بكم القميص عدة مرات، حتى أزال بقايا الذباب والتراب، ثم وضع الصورة فوق صورة الراقصة، وعلقها خلفه بجوار صورة عبدالوهاب وهو يرتدى الطربوش.

وكان المساء قد بدأ يقعى بين الموائد الخشبية المتسخة، وينكمش فى الزوايا المتشققة، كقط عجوز تطارده الريح الشتائية، وبدايات الضوء الذى يحبو على حافة المدى، عندما شرب جودة كأسه مرة واحدة.. وهمس بصوت غريب لم تقطعه ضحكته المنكسرة على حافة السعال لأول مرة.

كائنات رديئة.. تشرب خمرًا رديئة.. فى زمن ردىء ابن كلب.

صمت لحظة.. تاهت عيناه فوق الجدران التى ليس لها لون، طاردت نصف القمر الذى يبدو من النافذة الضيقة ذات القضبان الحديدية.. قال بصوت مخنوق بالدموع دون أن ينظر إليه.

- أنا عندى سرطان يا يحيى.

بصوت مشروخ.. مخنوق بدم القلب.. قال يحيى:

- مش ممكن يا جودة

- هى دى الحقيقة المرة اللى ماقدرتش أخبيها أكتر من كده.. خصوصًا.. إن الدكاترة قالوا أنه فى مرحلة متأخرة.. وبكره هاأدخل المستشفى.. ويا عالم.. هاخرج على رجلى.. ولا على ضهرى.. أنا مش خايف من الموت يا يحيى.. بس مش قادر أتحمل الألم الرهيب ده.. رغم المسكنات الكثيرة اللى باخدها.

كاد أن يبكى.. أن يصرخ فيه بعزم الروح.. أنت لست مريضًا يا جودة.. من أين جاءك السرطان يا صاحبى الذى يشيع الموتى بالغناء والضحك.. كيف يأكل أحلامك الجميلة التى نشب على أطرافها كل مساء.. حتى نكاد نلمس القمر البعيد البعيد.. أنت لست مريضًا يا صاحبى.. فلا تدع الموت يقف على نافذتك ذات مساء، مثلما وقف على نافذة البنت جميلة، حتى لا تذبل أيامنا.. كما ذبلت تلك الزهرة الوحيدة الحمراء.. لكن جودة.. مسح دموعه وابتسم فجأة.. كما بكى فجأة.. وقال:

- ماعدش حد غيرنا.. وعم فرج هايفطس مننا.

وكان الضوء يشب على قدميه، ويتوكأ على جدران البيوت والبواكى القديمة، ويتلكأ أمام أبواب المحلات، التى تبدأ رحلتها اليومية مع بداية الضوء.. عندما خرجا من ذلك البار القديم الضيق.. استوقف يحيى أحد التاكسيات.. دفع جودة برفق داخله.. وطلب من السائق أن يأخذه إلى الحلمية.. ساعتها.. ضحك جودة ضحكته المنكسرة على حافة السعال.. وقال:

- ملعون أبوك ابن كلب.

انطلق التاكسى عبر الميدان الواسع.. ظل يحيى يراقبه حتى اختفى، كأنه يودعه للمرة الأخيرة.. وكانت المدينة عارية تمامًا.. لم ترتد بعد ملابس الخديعة، ولم تضع على وجهها الشاحب، كل مساحيق التنكر.. اشترى الجرائد.. ومضى حتى ميدان التحرير.. وكان يحاول ألا يبكى.

 

ذات مساء بعيد يقف على حدود المدينة والريف، يتحنجل فوق الدرجات الرخامية، التى تؤدى إلى الحديقة الواسعة، حيث النخلات الأربع التى تطرح بلحًا، يقذفه العيال بالطوب.. يقفزون فوق السور الحديدى، ويجمعونه فى جيوب البيجامات والجلاليب.. ضحكت البنت سهير.. بانت سنتها التى تعانق السنة الأخرى، وسألته فجأة:

- لماذا تموت قصص الحب الجميلة فى المنتصف دائمًا.

قال وهو يطفو فى براح عينيها.

- لأنها أجمل من أن تعيش فى هذه الدنيا.

والآن يا سهير.. تموت كل قصص الحب.. تموت كل الكائنات الجميلة، كما ماتت البنت صفية والبنت جميلة والولد عبدالمجيد النوبى، وكما ماتت أمى، التى انتظرت طويلاً على حافة المقبرة، أن تفك أكفانها وتنهض ذات صباح.. كل الكائنات تهاجر من أيامنا يا سهير.. كما هاجر الولد على الوسعاية إلى حضن الجنية فى البحر الكبير، وعزت الحرامى والشاويش عمر والصول سنوسى، وكما هاجرت أنت يا سيدتى التى كانت تحلم بالطيران، فسجنتها الدنيا فى مقعد متحرك كل الكائنات الجميلة تموت أو تهاجر.. ونحن نقف على حافة الأنهار والترع، نهز شجرة الأحلام القديمة، لعلها.. تسقط حلمًا واحدًا فى يدنا.. أو يطفو فوق سطح الماء.. وجه واحد، يردنا إلى أيامنا التى كانت تجرى فى الوسعاية.. يطير الريح ضفائرها.. وتحط العصافير فوق صدرها.. لكن لا شىء يسقط.. ولا شىء يطفو.. وأنا.. أبحث بين الموتى عن جثتى.. وبين الوجوه الضائعة عن وجهى.. وبين الزحام عن الصحاب.. امضى يا سيدتى وخلفى ظلى الميت.

فهل يرحل جودة هو الآخر فجأة فى منتصف الرحلة؟! حين رآه آخر مرة.. كان يحاول أن يضحك. لكن الضحكة تختنق فى بدايتها على حافة الألم الرهيب، يحاول أن يحكى له أو يشتمه كعادته، فتموت الكلمات تحت وطأة الشهقة الطويلة، كيف تحول فى لحظة مفاجأة إلى كائن هش يكاد ينكسر إذا تحرك فجأة؟! كيف صار مثل عود الذرة الناشف، هو الذى كان حقولاً واسعة خضراء، تغنى على بدايتها الريح المسافرة، لا ترحل الآن يا جودة.. لا ترحل يا صاحبى، حتى أفرغ بعض الأحزان القديمة من قلبى.. لا ترحل.. حتى أخبئ وجهك من الموت.

خرج من الجريدة.. سار فى شارع قصر العينى.. كانت الساعة قد تجاوزت الثامنة بقليل.. عند إشارة الشيخ ريحان، توقفت بجواره سيارة فخمة تقودها امرأة بدينة محجبة، عندما أدارت وجهها ناحيته.. اختفت كل البيوت والملامح والأشجار.. بدأ يطفو فوق بحيرة الماء.. ويرحل إلى حدود المدينة التى ضيعته.. لا شىء غير السماء التى هاجرت منها النجوم.. وتلك الطيور البيضاء التى تحط على القوارب.. لا شىء غير هاتين العينين التى شربا منهما قهوة الصباح فى كافتريا الآداب، والشفتين اللتين ذابتا فوق شفتيه فى اعتصام كلية الهندسة، وتمثال صغير لملاك معلق على باب شقة باردة فى محطة الرمل.. لا شىء غير بنت كانت تدخن كثيرًا وتغنى لفيروز.. حاول أن يصرخ فى هذا الفضاء، لكن الطيور البيضاء حطت على صوته.. حاول أن يمد يده.. لكن الرعب بنى عشه فوقها وطار فى المدى.. انطلقت السيارة بسرعة.. تمتم بحزن.. بينى وبين قلبى.. وجهك يا حنان.. بين قلبى وبين مدن النساء.. حبك يا سيدتى.. وكان صوت فيروز يأتى من بعيد:

سألونى الناس عنك يا حبيبى

كتبوا المكاتيب وأخدها الهوا

بيعز علىّ أغنى يا حبيبى

لأول مرة ما بنكون سوا

 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook