صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

كائنات الحزن الليلية

3673 مشاهدة

5 مارس 2013
كتب : محمد الرفاعي



 

حلم قديم

ماتت الجدة نجية.

ثلاث كلمات مكتوبة بخط متعرج، على ورقة مقطوعة من كراسة قديمة، مطوية بلا عناية، وصلته هذا الصباح، داخل مظروف بريد جوى، أعطته له البنت شطة الصعيدية الجميلة، ذات الجدائل القصيرة، التى تسكن فى الغرفة التى تقع يمين غرفته، وتعمل بأحد مصانع الملابس الجاهزة، كانت قد وجدته فى الصندوق الخشبى المعلق فى مدخل البيت.

 

ماتت الجدة ودفنت فى المقابر الجديدة بجوار ابنتها، دون أن يودعها، أو يرسل لها دواء الروماتيزم الجديد كما وعدها، عندما رآها آخر مرة وكانت قد بدأت تتضاءل وتنكمش فوق الكنبة المواجهة لباب الشقة، كحارس ليلى عجوز ينتظر ذلك الذى يأتى دائما فى العتمة، رغم أن أسنانها لم تتحول إلى أسنان كبيرة ملونة، حتى يعرفها الله يوم القيامة، كما كانت الحاجة زينب صاحبة البيت القديم فى أول العطفة تقول عندما كان يسألها عن أسنانها الملونة، وهى تدب بخطواتها الثقيلة، التى تجاوزت الثمانين فوق السلم الخشبى، قالت له الجدة وهى تأخذه فى صدرها الضامر، إنها لم تعد تستطيع المشى مثل زمان، صارت قدماها مثل عيدان القش، تكاد تنكسر لحظة ملامسة الأرض، تنهدت طويلا.. طوحت يدها بعيدا لتهش الموت الذى تراه.. قالت: إنها حلمت «خير اللهم اجعله خير»، أنها تجرى فى الوسعاية كالعيال، ثم بدأت الوسعاية تضيق، وترتدى ملاءتها السوداء، بدأت  تتحسس الجدران بيدها.. اكتشفت أن البيوت تحولت إلى مقابر ذات أبواب حديدية، بدأت تشعر بالخوف والتوهة، كادت تسقط فوق الدرجات الحجرية أكثر من مرة، ثم رأت مقبرة مفتوحة، تقف على بابها امرأة جميلة فى يدها كلوب مضاء، اقتربت منها، كانت ابنتها سعاد.. ابتسمت لها، أخذتها من يدها، ودخلا إلى حوش المقبرة، جلسا  أمام الشاهد الحجرى، الذى غطته أزهار غريبة لها رائحة نفاذة، مسحت بيدها على ركبة الجدة نجية، لم تعد تشعر بالألم، بدأت النجوم تسقط على حواف المقبرة، وفوق ركبتها.. فصارت تستحم فى الضوء، مسحت الدمعة التى فرت من عينها، قالت بصوت مرتعش:

 

- أمك هافة علىّ قوى بقالها كام يوم.. ومش قادرة أروح أزورها.

أوصته للمرة الألف، أن يزور أمه ويقرأ لها الفاتحة، فهى كانت تسأل عنه فى الحلم، وعدها أيضا للمرة الألف أن يفعل، رغم أنه لا يعرف حتى طريق المقابر الجديدة فى بداية طريق كفر الشيخ  الزراعى الترابى الضيق، كما وعدها أن يرسل لها دواء الروماتيزم الذى رأت أم سعد إعلانا عنه، فى ورقة جريدة قديمة، كانت تمسح بها زجاج النافذة، بربشت الجدة بعينها التى صارت بيضاء، وقالت بصوت غاضب ينط الحزن على صداه:

 

- من يوم ما حطت قدمها فى العطفة.. غراب البين حط على سطوح البيوت.. ولا حد قادر يهشه.

أعادت لف طرحتها السوداء القديمة، التى تآكلت أطرافها حول رأسها، ربطت ركبتها اليسرى بقطعة قماش قديمة، وحكت له أن «أبويوسف»، كان عائدا من الشركة، وقد صار وجهه مثل فرن الخبيز، كأن شياطين الدنيا كلها تقف على رأسه حتى إنه مر بجوار حسن العجلاتى دون أن يحييه، أو ينظر ناحيته كأنه لا يراه، لدرجة أن حسن دفع بالعجلة التى كان يقوم بإصلاحها ناحية الجدار، فسقطت على الأرض، بصق خلف أبويوسف بصوت مسموع، وتمتم بكلمات غير مفهومة، فى نفس اللحظة التى هم فيها بالتراجع ناحية دكان شتا البقال حتى لا يدب خناقة معه، فوجئ الجميع بأبويوسف يسقط على الأرض كالجمل، هل تعثر بالرصيف الواطئ فى بداية العطفة؟! أم انزلقت قدماه من فوق الأحجار التى وضعها العيال أمام عتبات البيوت، حتى لا يدوسوا فى الوحلة؟!

 

لا أحد يعرف.. فقد كانت السقطة سريعة مفاجئة، وعندما حاول أبويوسف النهوض وهو يستند على الحائط، سقط مرة أخرى فى بركة المياه التى تجمعت أمام بيت الشناوى، كجزع شجرة جميز عجوز هزمتها الريح العابرة فوق حصان الوقت توقف العيال عن لعب الكرة، تقدموا بخوف ناحية الرجل، خبطت النسوة الواقفات فى مداخل البيوت على صدورهن، دفعت الولية نعيمة العيال بعيدا، أخذت تدعك وجهه بالبصلة، التى كسرتها على ركبتها، لكنه لم يتحرك.. ولم يفتح عينيه، بدأ الرجال فى التجمع حول الجسد الساكن فى بركة المياه، رفع حسن العجلاتى رأسه.. كانت ثقيلة.. صرخ فى العيال:

 

- حد يجيب حنطور بسرعة.. الراجل هايروح فطيس

بصعوبة بالغة.. حمل الرجال أبويوسف إلى الحنطور الذى جاء به الولد فايز من أمام مبنى مباحث أمن الدولة القديم، انطلقوا بسرعة إلى مبرة محمد على، جلس العيال فوق الحديدة الممتدة ما بين العجلتين خلف الحنطور، رغم أن العربجى ظل يفرقع بالسوط فى الهواء، ويسب ويلعن العيال المعجونة بمية النار حتى اختفى فى بداية شارع محب.

 

فى المساء - كعادة العطفة - كان الخبر ينبح فى مداخل البيوت العتمة، يخمش الأبواب الخشبية المغلقة، يشتعل فوق أحجار المعسل، فى ذلك المقهى الصغير خلف بنك التسليف الزراعى، حيث يشرب الرجال الشيشة، ويمضغون فص الأفيون، مع فنجان القهوة السادة، ثم يتطاير فى الجزء الصغير المتبقى من الوسعاية، ويسقط بين أقدام العيال الحافية، أو التى تنتعل الأحذية الكاوتش الممزقة، التى تعبت من لعب الكرة، فجلست تستريح قليلا، بجوار سور مدرسة الصنايع.

 

أبويوسف اتشل

 

الرجل الذى لم يذهب إلى الدكتور أو المستشفى طوال حياته، لم يشتر حتى بقرش إسبرين من عند شتا البقال، كما تقول أم يوسف، كان إذا أصابه الصداع نتيجة الوقفة طوال النهار فى عنبر النسيج، يدعك جبهته بنصف ليمونة، ويشرب كوب شاى أسود حبر مع نصف الليمونة الآخر، ينهض بعدها كالثور، إذا دخل بكتفه فى باب الشقة يخلعه من مكانه، كأن المرض يخاف من خلقته التى تقطع الخميرة من البيت كما تتهامس النسوة فى الوسعاية.. برك فجأة فى بداية العطفة كالجمل العجوز، دون أن يبكيه أحد، حتى النسوة اللاتى يقفن على مشارف الحزن الليلى، ويبكين لأهون سبب، صارت عيونهن مثل فضاء صيفى، فوق حقول القمح بعد الحصاد، أبويوسف اتشل.. وسيمضى ما تبقى له من أيام، راقداً عاجزاً متقطع الأنفاس فوق سريره، الذى لم يعرف غير أنفاسه اللاهثة المتسارعة، ونهنهة الولية أم يوسف، التى تنتهى عادة بصرخة طويلة مفاجئة.

 

فى اليوم التالى.. ذهب رجال العطفة برابطة المعلم إلى مبرة محمد على، وهم يحملون أكياس البرتقال والموز، لزيارة أبويوسف فلا شماتة فى المرض، وزيارة المريض صدقة، كما قال فتح الباب خادم مقام سيدى أبوالنور، كان الولد يوسف يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة المواجهة لغرفة أبيه عندما رآهم.. بدا عليه الارتباك.. تراجع قليلا ناحية الغرفة.. قال لهم وعيناه تفران عبر النافذة إلى تلك القطارات القديمة الواقفة منذ سنوات كتفاصيل صغيرة لحرب قديمة، إن أباه.. لا يريد أن يرى أحدا من العطفة أو الوسعاية.. بهدوء غريب.. أعطوه الأكياس وانصرفوا.. أقسموا بينهم وبين أنفسهم ألا يزوروا هذا الرجل الواطى مرة أخرى، حلف أبورفعت بالطلاق أنه لو طلع السر الإلهى، فلن يمشى فى جنازته قليل الأصل.. مصمصت الجدة شفتيها، وقالت:

- ذنب الولية الغلبانة أم يوسف.

ثم أخذت تدعك ساقيها بزيت القرنفل.

∎∎

وضع الخطاب فوق  الكرسى الخشبى، بجوار لفة دواء الروماتيزم، الذى اشتراه منذ يومين، ويبدو أنه سوف يظل أمامه كغابة من الشوك، تنغرز فى جسده، وتذكره أن الجدة نجية ماتت قبل أن يفى بوعده، هى التى كانت تعطيه النقود من وراء أبيه، ليشترى السجائر، رحلت.. واستراحت من آلام الروماتيزم، التى أقعدتها فوق الكنبة المواجهة لباب الشقة، كتمثال من الطين، راح ينشف ويتشقق يوما بعد يوم، لا شىء غير عينين صغيرتين إحداهما تحولت إلى اللون الأبيض، ترتعشان على حافة الرؤية، استراحت من الدنيا، ومن مناكفة الأيام، لابد أنها تغتسل الآن فى الضوء كما رأت فى الحلم، وراحت تعبر المدى دون ألم.. ودون أن تسقط فوق مربعات البلاط، الآن.. تجاورت بقايا العظام.. رفرفت الأرواح كالفراشات الملونة فوق حدود الأيام المرة، مضت مع ابنتها.. استراح القلب الموجوع، جفت بحيرة الدمع الذى لم يتوقف عبر السنوات البعيدة، ربما صارت الجدة الآن فراشة صغيرة.. سوف تحط على يده ذات نهار.. أو نجمة عالية تسكب الضوء فى عينيه حين تحط العتمة، أو حتى لون واحد فى قوس قزح، يرسمه العيال فى كراريس المدرسة.

 

ماتت الجدة نجية دون أن يراها، كما ماتت أمه دون أن يراها أيضا، وكما ماتت كل أيامه القديمة دون أن يودعها، كأنه يحمل لعنته وحده، ويمضى عبر تقاويم الوقت، دون لحظة وداع عابرة، هو الضائع فى الأزمنة، الميت فى الأمكنة، المحاصر ما بين البحر والبحر.

 

عندما حرك رأسه فجأة ناحية الدولاب المعدنى الصغير، خيل إليه أن الغرفة اللعينة، التى ليس لها نافذة حتى ولو ربع متر بدأت تضيق، وأن أطراف أصابعه تكاد تلامس السقف الذى  بدأ طلاؤه الجيرى الكالح يتساقط، فتح باب الغرفة بسرعة، قفز إلى السطح، قبل أن تسرق تلك الغرفة الملعونة روحه، قابلته البنت شطة عند باب السلم الخشبى، بابتسامتها العذبة، سألته وهى تلف الإيشارب الأحمر حول رأسها، إن كان يريد شيئًا من السوق، شكرها بنصف ابتسامة كاذبة، بدأت تهبط السلم بخفة، كأنها تطفو على سطح الماء، تقدم ناحية السور الحجرى الواطئ، استند على المرتبة القطنية القديمة، التى وضعتها شطة على حافة السور، حتى تشم الشمس كما تقول دائمًا، أشعل سيجارة، وراح يتأمل أسطح البيوت، التى تحولت إلى غابة من الأعمدة المعدنية، ذات الأذرع الرفيعة القصيرة، وبعض السجاجيد القديمة التى فرت الألوان والنقوش الكبيرة من فوق الخيوط الممزقة، والملابس المنشورة فوق الحبال، كالرايات الورقية الملونة، التى كان العيال يعلقونها فى مدخل العطفة ليلة  الرؤية، وكانت السماء تغسل ثوبها الرمادى، فتتساقط قطرات الماء فوق جلده الناشف، دون أن يغنى للمطر، كما كان يفعل فى الوسعاية زمان، لا فرق الآن بين المطر والدموع.. بين الضحكة الكاذبة والنواح المجروح، لقد بدأ هذا النهار الكئيب بموت الجدة نجية، التى كانت تقول.. إن يوم الجمعة فيه ساعة نحس، فهل حلت تلك الساعة، عندما أعطته شطة تلك الرسالة، ومضت بنحسها تنتظر جمعة قادمة، أم أنها لم تأت بعد.. مازالت تتحنجل على مشارف النهار.. هو دائمًا يكره يوم الجمعة.. اليوم الذى يغافله، ويسقط مغشيًا عليه، بين صهيل الأيام، التى لا تتوقف عن الركض، اليوم الضائع بين تفاصيل الوقت، يحبسه دائمًا داخل تلك الغرفة اللعينة، أو فى ذلك المقهى الصغير فى الشارع الخلفى، والذى كان مجرد غرفة ضيقة تطل على الشارع، وتم هدم جدارها، حيث يجلس غريبًا بين عمال النظافة وعمال الكهرباء وبعض الباعة الذين تعبوا من دفع عرباتهم الخشبية فى الشوارع، يشرب قهوة رديئة فى كوب متسخ، وعندما يصبح الضياع بين تلك الوجوه الصامتة المهاجرة إلى اللامكان عبثًا وانتحارًا بطيئًا، يبحث عن مقهى آخر.. يشرب فيه قهوة أكثر رداءة، فى فنجان مشروخ، ثم يعود إلى تلك الغرفة المنفى، أحيانًا.. يجلس مع البنت شطة، يشربان الشاى، وتحكى له دائمًا نفس الحكاية، عن هروبها من أقاصى الصعيد، لتتزوج الولد الذى أحبته، حبًا.. كان من الارتعاشة الأولى موتها وضياعها، ثم تحول بعد القبلة الأولى إلى غربة لا تنتهى، ومطاردة لا تتوقف حتى تجف بحيرة الدم، ثم.. تهاجر عيناها نحو السماء الواسعة، وتموت الحكاية على شفتيها.. دائمًا.. تتوقف عند تلك النقطة.. ودائمًا تبكى، لم تكمل حكايتها أبدًا، ولم تتوقف عن البكاء فى المنتصف أبدا.. تنهض.. تدخل غرفتها.. تغلق الباب خلفها بهدوء، ولا تظهر إلا فى مساء اليوم التالى حين تعود من عملها بنفس الابتسامة العذبة.

 

عندما بدأت السماء تنشر جلبابها المغسول على حافة الشمس، فكر فى الذهاب إلى فريد، الذى تزوج منذ عدة أشهر، ويقيم فى شقة صغيرة بمدينة العمال بإمبابة، لكنه سرعان ما تراجع، عندما تذكر أن عبدالحميد المحلاوى وزوجته فكرية، يقيمان عنده، كما أن تلك المنطقة احتلتها الجماعات الإسلامية، انتشرت عبر شوارعها الضيقة المزدحمة، الجلابيب والبنادق والسيوف، حتى صارت البيوت أضرحة من الطوب والحجارة، والأرصفة تفر من شوارعها، تحت وطأة الصرخة الموت، لكنه لا يستطيع أن يظل جملة ضائعة، بين الفضاء الرمادى، والغرفة الزنزانة، دخل الغرفة.. ارتدى ملابسه، أغلق الباب بالقفل الحديدى الصغير، هبط الدرجات بسرعة وخرج إلى الشارع، اشترى علبة سجائر من الدكان الوحيد، ثم مضى فى شارع الهرم.. إلى أين.. لا يدرى.. ولا يهم.. سوف يظل يدب فوق ذلك الرصيف الصاعد الهابط، الذى يبدو بلا نهاية، حتى تهزمه قدماه، فيجلس فى أحد المقاهى، يشرب قهوة رديئة مرة.. مرارة ذلك اليوم.

يرسمها: سامى أمين

 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

خطط الإخوان.. هدم الأمة

خونة ومرتزقة وقتلة ولصوص وتجار دين وجهلاء. هذا هو تصنيفهم وتوصيفهم. سرطان زرع فى قلب الأرض المقدسة. لم يطرح سوى الدم والدموع و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook