صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

رسالتان إلى صالح وإبراهيم

10 مشاهدة

11 سبتمبر 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة

يُطِل النهار من شباك الغرفة. يتسلل بخفة من خلف الستارة، ويقف أمام المرآة. يعبث قليلًا بخيوط ضوئه، ويتثاءب بكسل، قبل أن يوقظنى بصمت.


هو يوم جديد، من أيام أيلول فى سنة صعبة وحزينة. كان شتاؤها مبلولًا بالمطر وبدمع الفراق، حين غيب الموت أخى صالح، الذى مات صغيرًا فى البعد وأورثنى حسرة لا تموت.. «تَوَخى حِمام الموت أوسط إخوتى، فلله كيف اختار واسطة العِقد.. طواه الردى عنى، فأضحى مزاره، بعيدًا على قُرب، قريبًا على بُعد».
صباح الخير يا صالح.. يا أولنا فى الرحيل ويا آخرنا فى الغياب.
فى الصبح الأيلولى تستيقظ الذاكرة قبل الجسد، فأراك تجلس معى فى الشرفة. نشرب القهوة ونحكى. تبتسم، ثم تختفى، وأظل على الشرفة وحيدًا، أحدق فى شجرة يحط عليها الحمام.
أعود إلى روتينى اليومى.. أكمل فنجان القهوة، وسيجارة الصباح، وأتناول دواء الضغط، وأنتظر ساعة أخرى قبل أن آخذ الدواء المميع للدم.
فى هذا الزمن لا بد أن يكون الدم مائعًا، لينسجم مع حياة مائعة تمامًا. ذهب زمن الصلابة وانتهت صلابة الجسد وصلابة الموقف، وصار كل شيء مائعًا ورخوًا، ومكسورًا.
اللغة انكسرت أيضًا واستبدلت ألفها بالياء، أما الضَمُ فقد صار زائفًا، حين فقد العناق روحه، وتحول الحضن إلى دلالة نفاق.
ستة أنواع من الدواء ألتقمها فى الصبح، لكى أطمئن إلى قدرتى على الخروج من البيت، والذهاب إلى الوظيفة. وها أنا التزم بأمر الطبيب، رغم أن الحياة والموت بأمر الله.
لست وحدى أسيرًا لهذا الروتين. المرضى جميعًا يخضعون لإرادة الطب، بل إن منهم من يصدق تحذير الحكومة على علبة السجائر بأن التدخين يضر الصحة وقد يؤدى إلى الموت.. يلتزمون بالتحذير الحكومى، ولا يسألون عن سبب عدم وجود تحذيرات من مضار الحكومات مثلًا!
على الأقل أنا لا أصدق التحذير الحكومى، وربما أصدقه لكننى أرفض الانصياع لرغبة الحكومة، فأشعل سيجارة أخرى.. وهكذا يفعل صديقى وزميلى فى الكتابة وفى المرض إبراهيم جابر الذى يخضع لروتين دوائى أكثر صعوبة، ويتناول خمسة عشرة نوعًا من الدواء يوميًا.
إبراهيم أيضًا صار دمه مائعًا بقرار طبى، لكن موقفه لا ينسجم مع روح العصر ويظل صلبًا وعنيدًا، وهو فى الستين، مثلما كان صلبًا فى العشرين حين كان لاجئاًً شابًا يجوب أزقة المخيم باحثًا عن حق العودة.
غادر إبراهيم المخيم، لكنه لم يعد إلى فلسطين. ظلت العودة ممنوعة، بل إن الحلم بها تبدد فى الغربة، بحكم لقمة العيش وحبة الدواء، والحاجة إلى الحياة.. أى حياة، حتى لو كانت بعيدة عن البيت الذى كان فى البلاد، والبيت الذى كان فى مخيم اللجوء، وحضن العائلة التى تشتت بين المَهاجِر.
صباح الخير يا إبراهيم.. يا صاحب اللغة المبهرة، ويا صانع النص المكتوب بحد السيف.
تسخن الشمس قليلًا، ويشيع الدفء فى المكان، وتبدأ طقوس الاستعداد للذهاب إلى الوظيفة. حلاقة الذقن أمام مرآة كاشفة لبياض الشعر وتجاعيد الوجه وكل دلالات الكهولة، ثم انتقاء الملابس المناسبة للعمل، والبحث عن مفاتيح البيت والسيارة والهاتف المحمول ونظارة القراءة وعلبة سجائر إضافية، قبل الخروج من البيت.
فى الخطوة الأولى أطمئن إلى أننى ما زلت قادرًا على الحياة، وينبهنى وجع الظهر والساقين إلى أن فى الجسد طاقة تكفى لقضاء نهار جديد، ولا يقلقنى الوخز الذى يبدأ مع الحركة ويسرى فى شرايينى مثل دبيب النمل.
تعودت على هذا الوجع مثلما تعودت على الحياة بعد الستين.
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

وبدأت الحرب

لقد بدأ الهجوم. انعقدت الاجتماعات ووُضعت الخطط وتحددت ساعة الصفر وصدرت الأوامر وتم توزيع الأدوار. انطلقت الطلقة الأولى. حرب لي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook