صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

 عن جدى «المرابع» وأجداده المقاتلين

18 مشاهدة

11 سبتمبر 2019



كتب: د.صلاح السروى


 ما كان من الممكن لمصر، التى كتبت الجزء الأهم من تاريخ الحضارة الإنسانية، أن تبقى على مدى هذه الدهور، لولا رسوخ وأصالة إنسانها الفلاح الزارع، صانع الحضارة والمجد، ومهما تتالت العصور على مصر فإن حضارتها ستبقى حضارة زراعية، لأن واضع لبناتها الأولى ومشكل ملامحها وسماتها الروحية والفكرية والأخلاقية التالدة هو الفلاح المصرى، بجلده وصبره ووداعته ومعاناته الممتدة ومثله العليا وعمق تجربته التاريخية، التى شكلت جميعها شخصية وروح مصر.


 فعندما جاء جدى (رحمة الله عليه) إلى الدنيا وجد نفسه «مرابعًا»، أى لا يمتلك من وسائل العيش إلا جسده وقوته البدنية، فاضطر، شأنه شأن الملايين من فلاحى مصر فى عصورها الإقطاعية، إلى العمل عند ملاك الأراضى بلقمته وسترته وقليل من مكاييل القمح والذرة، التى يتحصل عليها فى كل موسم حصاد. ولكنه تمكن -بعد حين- من امتلاك حمارة، أخذ يؤجرها ويؤجر بدنه معها للعمل فى الحقول، فكانت هى مصدر الخير والرزق له ولأسرته، والأساس المادى الذى انطلق منه، إلى أن أصبح يملك بعض الأفدنة مع مرور السنين، وقد حقق ذلك بعصامية وروح كفاحية تستحق أن تدرس.
ولأنه عانى الويلات من فقره وتدنى وضعه الاجتماعى فى ظل مجتمع طبقى قاس، لا يعرف قدر أفراده إلا بحسب ما يحوزون من ملكية للمساحات الزراعية، فقد عقد العزم على أن يشق طريقًا آخر يختلف عن كل أقرانه من طبقة «المرابعين»، أهون قليلا من تكاليف ملكية الأرض التى لم يكن يحلم بأن يحققها، ألا وهو أن يقدم على تعليم أحد أبنائه، عسى أن يتمكن من رفع رأسه بين أهل البلد ويكون ذلك سبيلا للجدارة بالاحترام والصدارة الاجتماعية.
 وقد كان، فأقدم على مخاطرة كبرى لا تتناسب مع قدراته المادية البالغة التواضع، قام بارسال أبى إلى مدينة الزقازيق ليكمل تعليمه فى مدرسة المعلمين، خارقا كل أعراف البلدة التى درجت على أن أمثاله ليس بمقدورهم -وبالتالى ليس من حقهم- تعليم أبنائهم.
 ذلك التعليم الذى كان مقصورًا على أبناء الأعيان والسراة من القوم، وقد لامه على هذه الخطوة المغامرة كثيرون، فمنهم إما مستكثر عليه مثل هذا الصنيع الذى لا يقدم عليه إلا الأعيان والسادة، وإما مشفق من التبعات التى قد لا يقدر على الاستمرار فيها.
الجاموسة الطيبة
وتحكى جدتى، رحمها الله، أنها فى سبيل إنجاز هذه المهمة الجليلة، قد اشترت (جاموسة) صغيرة الحجم، من ناتج بيع بعض «الكيلات» (جمع «كيلة») التى أصبحت مع التوفير والتقتير «أرادب» (جمع «أردب») وهى مكاييل من القمح والذرة، وبقيت هذه الجاموسة طوال فترة تعليم أبى فى مدرسة المعلمين تدر اللبن الذى يتحول إلى جبن وزبد، ومن عائد بيعه كان يدفع أبى رسوم تعليمه وينفق على سكنه فى المدينة وطعامه وشرابه وملابسه.
 وحسب رواية جدتى فإن الجاموسة بقيت طوال أعوام ست، فى حالة من العطاء الذى لا ينقطع، حتى جاء يوم تخرج أبى وتسلمه العمل بعد ذلك بأيام، (فقد كان التعيين يتم فور التخرج، حسب ظروف ذلك الزمن) حتى مرضت الجاموسة و«طلبت الذبح»، فقالت جدتى معاتبة جاموستها المعطاءة الوفية: «أديت مهمتك يا حبيبتى فطلبت الرحيل؟؟».
 وعندما شب أبى، وكان من القلائل الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة فى قريتنا «العلوية» التابعة لمركز الزقازيق، الذين يحملون «شهادات» فى ذلك الوقت من النصف الثانى من خمسينيات القرن الماضى، آلى على نفسه إلا أن يبذل فى سبيل تعليم أبنائه (وقد أنجب تسعًا من الأولاد والبنات) كل غال ونفيس، فباع أرضًا فى القرية وانتقل بنا إلى المدينة حتى نكون بجوار المدارس وقريبين من الجامعات، وحيث مراكز الثقافة وحياة الحضارة.
وقد أثمرت جهوده المضنية تلك ثلاثا من الأبناء الحاصلين على درجة الدكتوراه، ومن هؤلاء من أصبح وكيلا لكليته بعد أن كان رئيسًا لأحد أقسامها، ومنهم من أصبح فنانًا تشكيليًا كبيرًا، فضلا عن كونه أستاذًا جامعيًا مرموقًا ومستشارًا ثقافيًا لسفارة بلاده بموسكو وحصل على وسام «بوشكين» من الرئيس فلاديمير بوتين شخصيًا، والباقون حاصلون على شهادات عليا، فمنهم المرشد السياحى والمعلمة وسيدة الأعمال.. إلخ.
 أحفاد الفلاح يتعلمون مجانًا
 وإذا كان أبى قد تعلم فى الفترة الممتدة من ما قبل ثورة يوليو وحتى منتصف الخمسينيات، (قضى أبى ست سنوات، هى مجموع سنوات الدراسة فى مدرسة المعلمين)، حيث لم تكن قد اتضحت بعد، بقدر كاف، الوجهة الاجتماعية لثورة يوليو، فإن تعليمنا، نحن أبناءه، قد تم فى ظل هذه الثورة وما تلاها، فاستفدنا من المجانية الكاملة فى كل مراحل التعليم، بل كنا نتسلم الكتب والكراسات ووجبة غذائية مشبعة، بعد سداد رسوم زهيدة للغاية لا تتعدى القروش. وقد تسلمت، أنا، إلى جانب كل ما سبق، ملابس عسكرية مجانًا، عندما التحقت بالمدرسة الثانوية العسكرية بالزقازيق.
 ومن هنا يحق لى القول: بأنه إذا كان تعليم أبى يحسب لجسارة وقوة إرادة جدى وتفانى أبى وقوة احتماله وصبره على الفقر وشظف العيش، فإن تعليمنا نحن الأحفاد إنما يحسب لتصميم أبى وتوجيهه، من ناحية، وأيضًا، للفرصة التى أتاحها لنا نظام ثورة يوليو ولملايين الفقراء من أبناء الفلاحين المصريين فى الحق فى التعليم، من ناحية أخرى.
 فما كان أبى بقادر على تعليم كل هذا العدد من الأولاد، وهو الموظف الصغير، لولا ما كان متاحًا لنا من قبل الدولة المصرية بعد ثورة يوليو.
 تلك الثورة التى لم تنصف أحدًا بقدر ما أنصفت الفلاح والعامل المصرى، اللذين رفعا رأسيهما لأول مرة فى التاريخ، فارتفع رأس مصر الحقيقية وعادت للغالبية من أبناء الأمة بعض كرامتهم وحقوقهم، بعد معاناة امتدت إلى أعماق التاريخ، دفع فيها هذا الشعب، وبخاصة فلاحيه، وهم السواد الأعظم من أبنائه، أثمانًا باهظة للغاية من أجل الحفاظ على هذه الأرض وهذا الوطن قديمًا وحديثًا.
 الفلاح المصرى ينتصر على الغزاة
 لقد قاوم هذا الفلاح وهزم كل الغزاة والطغاة والغاشمين، وبقى هو سيد المشهد التاريخى دون منازع، فهزم الفرنسيين وأجبرهم على الجلاء بعد معارك شعبية امتدت من شبراخيت وكفر الدوار وبنى سويف وثورتى القاهرة، بعد أن انسحبت منكفئة جيوش العثمانيين والمماليك الذين طالما استقووا عليه واستنزفوا عرقه وخيراته، ليبقى، وهو الأعزل البسيط، وحده، فى مواجهة أقوى جيوش العصر وأكثرها تطورًا، وانتصر عليها.
 وهو أيضًا الذى واجه جيوش حملة فريزر الإنجليزية فى رشيد، وأوقع بها هزيمة منكرة أجبرتها على الانسحاب مهزومة منكسرة.
 وهو كذلك الذى شكل قوام جيش محمد على بعد أن فشل مشروعه فى تجنيد السودانيين، واستعاض عنهم بالفلاحين المصريين، ليفتح بهم والشام والحجاز وكريت واليونان ويكاد يصل بهم إلى الآستانة نفسها.
 وذلك الفلاح هو الذى مات فى حفر قناة السويس. وهو الذى وقف خلف عرابى فى ثورته التى قام بها على من كانوا يعدوننا «عبيدًا لإحساناتهم»، وهو الذى آوى عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، فى رحلة هروبه داخل شرايين القرى وبين حنايا الشعب الفلاح.  وهو الذى تفانى فى بناء السد العالى، وهو الذى قاوم وحارب واستشهد بأبنائه فى كل حروب مصر المعاصرة من 48 إلى 56 إلى 67 إلى 73، وهو الذى لايزال يبنى المدن ويشق الطرق، وفى الوقت نفسه، يدفع بأبنائه للاستشهاد فى مواجهة الإرهاب فى سيناء وكل ربوع مصر.
كنوز الفلاح المصري
 لقد تركت لنا أجيال هذا الفلاح الصابر الوديع المكافح كنوزًا صاغها من  رحيق حكمته وأصيل خبرته من السير والحكايات والأغانى والأمثال الشعبية المفعمة بحب الحياة وعشق العمل والإيمان بالحق والخير والجمال، فكان عصيًا على الفناء والتدجين والتحول والاختراق الثقافى إلا فى أقل القليل من أبنائه.  ومن هذه الكنوز تعلمنا  أنه: «ما يضعش حق وراه مطالب»، وإن «كل ليل وله آخر»، و«اعمل الخير وارميه فى البحر»،  وأن «الشاطرة بتغزل برجل حمار»، وأن «الايد البطالة نجسة».  فتعلمنا الإصرار والصبر وحب الخير وحب العمل، وكانت هذه الثقافة زادنا ونبراس حياتنا فى حلنا وترحالنا.
لذا فإننى أقولها بكل الفخر: إحنا أولاد الفلاحين.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

يا ولدى هذا جيشك العظيم

ولدى العزيز..
 أكتب إليك وإلى كل أبناء جيلك ممن يتعرضون الآن لأشرس وأخطر حرب تمر بها الأجيال وتمر بها البلاد. حرب ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook