صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أصحاب الأيادى المتشققة يستحقون الفرح

20 مشاهدة

11 سبتمبر 2019



كتب: حسن بدوى

لم يكن أبى يمتهن الفلاحة، ولكن ارتباطى بالفلاحين فى قريتى لم ينقطع يوماً، بل تزايد مع الأيام والسنين ليتحول إلى ارتباط بكل فلاحى مصر الذين ما زال الملايين منهم ضاربين جذورهم فى الأرض، التى لا يتوانون فى حمايتها والدفاع عنها، وحرثها وزرعها وريها ورعاية ما تنبته من خيرات لهم ولأسرهم، ولسد الجزء الأكبر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً من احتياجات بقية طبقات الشعب من غذاء ومحاصيل ضرورية لتدوير مصانعها، لتنتج احتياجات الكساء، لا يبخلون فى ذلك بجهد أو عرق مهما تشققت كفوفهم الخشنة، أو أصابتهم الأمراض المختلفة نتيجة ظروف عملهم القاسية.


هؤلاء الذين وصفهم الشاعر الراحل فؤاد قاعود فى قصيدته «العزيق»:
الصبر فين يا سنين طوال وليالى
عينى على الجمل الأصيل العالى
لمّا ينخ بحمل من أحمالى
لكن فى كل صباح ..
بانسى الجراح ..
وانقش بفاسى ع الغيطان موالى
يا ليل يا عين
يا ليل يا عين يا أرض يا معزوقة
يا كاشفة من شوقك خطوط مشقوقة
لما حضنتك والبذور مرشوقة
غنيت وفى المغنى فرضي
للسمرا أرضي ..
هيَّ اللى باقيه ع الزمن معشوقة
والعشق زين
ومن أقل واجباتنا تجاههم أن نقول لهم فى عيدهم:
كل سنة وأنتم طيبون وزراعاً للخير وحماة للأرض.
ليس لما سبق فقط ولكن لما غرسوه فى أجيال وراء أجيال من قيم احترام الكبير، والتواصل الصبور مع الصغير، وتقديس العمل والصبر والتحمل والجلد والارتباط بالأرض وعدم التمييز بين الناس على أساس الدين أو الجنس، رغم كل ما حدث من تغيرات فى الاتجاه المضاد لكل تلك القيم عبر العقود الأربعة الماضية.
نشأت وجيلى فى قريتى، وكل قرى مصر، على اعتبار كل كبار القرية آباءً لصغارها، فلا نخاطبهم بأسمائهم إلا مسبوقة بـ«آبا»، واعتبار كل كبيرات القرية خالات لصغارها فنخاطبهن بـ«خالة» سابقة لأسمائهن.
نشأنا نشاهد الرجال والنساء، الأولاد والبنات، يتشاركون العمل فى حقول البرسيم والذرة، وفى حصاد القمح ونقاوة الدودة وجنى القطن، وفى الترحيلات المتوجهة فوق الجرارات وسيارات النقل لاستصلاح الأراضى فى مديرية التحرير.
كنت عندما أذهب فى الإجازة الدراسية لقضاء الصيف فى قريتى أذهب مع ولاد أبويا محفوظ إلى حقلهم المجاور لحقل المقدس صليب، وفى وقت القيّالة يجلس أبناء العائلتين تحت الجميزة الكبيرة على رأس الغيط، يفرشون المناديل المحلاوى الكبيرة، يتشاركون الغذاء، عيش فلاحى وجبنة قديمة وفحلين بصل وبعض ثمار الخيار والطماطم.
وكنت عندما أذهب مع أبويا محمد (زوج خالتى) إلى حقله فى شهر مايو بعد حصاد القمح، أشاهد جذور القمح ما زالت مغروزة فى الأرض التى صارت صلبة متشققة كما لو أنها أصبحت عاقراً، فأسأله:
- ليه الأرض ناشفة وما فيش فيها زرع ولا خضرة يا آبا محمد؟
فيجيب مبتسماً:
- إنت لما جيت فى إجازة نص السنة مش كانت الأرض مليانة برسيم وفول حراتى وخضروات، بعد البرسيم زرعنا الأرض غلة «قمحاً» وحصدناه، ولازم الأرض تاخد كام يوم راحة زى ما أنت بتاخد إجازة بعد مجهود المذاكرة والامتحانات، وما تستعجلش وشوفها بعد أسبوعين تلاتة.
بعد أيام أذهب معه إلى الحقل فأجده يربط المحراث بواسطة حبل فى رقبة الجاموسة، ورغم أنه كان نحيلاً إلا أنه كان يضع قدميه على خشبة المحراث أعلى سنها الحديدى غارزاً إياه فى الأرض ويصيح «عاااه»، فتجر الجاموسة المحراث لتصنع خطاً بطول الحقل ثم يعود إلى الجهة الأخرى صانعاً خطاً مضاداً.. وهكذا.
أسأله عن ضرورة هذه الخطوط فيجيب: «لازم الأرض تنضف من جذور القمح وتربتها تتهوى وتتعرض للشمس.
ويلى ذلك غمر الأرض بالمياه من الترعة عبر الساقية لتصبح التربة طينية لينة ثم يبدأ هو وخالتى وابنتهما نعيمة وضع بذور جديدة فيها.
وبعد أسبوعين تلاتة تظهر نبتات خضراء يتم ريها على دورات منتظمة فتكبر ويتوجها لوزات خضراء ما تلبث أن تتفتح عن قطن شاهق البياض، ثم تبدأ عمليات رش الكيماوي، وتأتى بعدها مجموعات من الأولاد والبنات لتنقية الدودة من القطن والتخلص منها، رعاية متواصلة وعمل جماعى منتظم ليأتى موسم الفرح بعد جمع القطن وتسويقه، فتتزوج البنات وينكسى العيال، كما كان موسم الفرح السابق فى حصاد القمح، ودرسه بالنورج لفصل الحبوب عن التبن والقش، وبعد تسويق جزء من المحصول للجمعيات التعاونية، تحمل النساء الجزء الباقى من حبوب الغلة فى قفف ويتوجهن للطاحونة ويعدن بها ملأى بطحين أبيض، لسد احتياجات العائلات من الخبز، الذى يصنعونه فى أفرانهن الموجودة فى كل الدور.
مولات الأراضى الزراعية
عايشت وجيلى الفلاح القائد محمد أبو سويلم، والمقاتل عبد الهادى، وأيضًا أبو العلا الغلبان، ودياب الذى يعشق طين الأرض، وجميعهم كانوا عاشقين للأرض والفلاحة، ورغم تغير الأوضاع ليظهر فلاح الألفية الثالثة، الموظف والمدرس الذى أصبح يستعين بآلات الحرث والرى والحصاد الحديثة، وظهور شريحة من أبناء الفلاحين العائدين من الخليج فيما بعد الحقبة النفطية واتساع مساحات الأراضى التى يتم غرس الحديد والخراسانة المسلحة فى رحمها، واستخدام آخرين مدخراتهم من بلاد النفط وغيرها فى إنشاء الكافيهات وصالات الأفراح ومتاجر الإلكترونيات، بل واقتطاع مساحات ضخمة من قبل أثرياء المدن والريف لإقامة المولات الضخمة والقرى السياحية، ما زال هناك الملايين ممن يعشقون الأرض ويبذرون ويخضرون جفاف الربوع.
هؤلاء هم من يستحقون الفرح فى عيدهم
وهؤلاء الجديرون بتقبيل كفوفهم المتشققة الخشنة وتهنئتهم.
فلا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا يعرف الأرض إلا من يفلحها.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

يا ولدى هذا جيشك العظيم

ولدى العزيز..
 أكتب إليك وإلى كل أبناء جيلك ممن يتعرضون الآن لأشرس وأخطر حرب تمر بها الأجيال وتمر بها البلاد. حرب ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook