صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

يوم فى حياة ستينى..

15 مشاهدة

4 سبتمبر 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة

كعادته دائما، ينهض من السرير فى السابعة تماما. يبدأ يومه بنوبة سعال حاد تنهيها الرشفة الأولى من قهوة الصباح. يشعل سيجارة، ويبدأ باستعادة توازنه.. هذه شقتى الصغيرة، وأنا ما زلت هنا، فى الحى الصغير الهاديء فى مدينة أكتوبر حيث لا زحمة ولا ضجيج، ولا شيء يكسر السكون غير اتصالى الهاتفى مع عائلتى فى عَمان.
صباح مُنَدى بالحنين إلى البلاد، وهواء عابق برائحة المدينة التى ودعتها على عجل، وأنا أغادرها وأسافر للالتحاق بالوظيفة.
يجتاحنى الحنين إلى عَمان، وإلى صباحاتها المبلولة بالندى، وفنجان القهوة فى حضن العائلة، ورائحة الزعتر على المناقيش الساخنة، وبداية النهار فى مكتبى فى الجريدة. أحن إلى المشى فى وسط البلد، والغداء فى مطعم القدس، وتناول الكنافة فى الزقاق الضيق أمام «حلويات حبيبة»، وزيارة كشك الثقافة العربية، والمزاح مع حسن أبو علي، ولعب الورق فى مقهى السنترال الشعبى المطل على السوق.
فى سنوات قليلة تغيرت عَمان كثيرا، لكن صورتها ظلت أصيلة فى ذاكرتي. حملتها معى إلى موسكو ولندن، وها أنا أعيش بها فى القاهرة، هذه المدينة المبهرة بكل ما فيها من حياة.. وبكل ما فيها من حب للحياة.
كنت أستغرق فى الحنين إلى عمان وأنا أمشى قرب نهر موسكو، وحين أمر على جسر فوق نهر التيمز فى لندن، وها أنا استذكرها وأنا أسير على كورنيش النيل. وأسأل نفسى عن سر حضورها الدائم فى الذاكرة قرب الأنهار، رغم أنها مدينة جبلية لا نهر فيها.
إنه سر الولادة. ويبدو أن الداية لم تقطع حبلى السرى عندما ولدتنى أمى فى بيت فى الجبل المطل على السوق فى عَمان القديمة. وربما أعرف الآن سر سطوة مسقط الرأس على حياة المثقفين الرُحَل، الذين يجوبون الأرض ثم يختمون أعمارهم بلقاء ترابهم، ليكون مسقط الرأس مسقطا للروح أيضا.
أعرف الآن لماذا يصر صديقى المبدع يوسف غيشان على العيش فى «مادبا»، رغم عناء السفر اليومى إلى العاصمة. وأعرف لماذا يتشبث صديقى المبدع أحمد حسن الزعبى بالوصل مع «الرمثا»، رغم حضوره الطاغى فى المشهد العَماني.
لكل منا مدينته، لا يخرج منها ولا تخرج منه، وتظل قريبة رغم البعد وطول المسافة.
ما زلت هنا، فى القاهرة، المدينة التى تبدد الإحساس بالغربة، وتستقبل من يجيء إليها بالحب. وما زالت عَمانى حاضرة فى التفاصيل.. الحى الهاديء فى مدينة أكتوبر يذكرنى بغرب عمان، وشارع طلعت حرب فى وسط البلد مثل شارع الملك حسين فى عمان، وباب اللوق شبيه بشارع «سقف السيل». سوق الملابس فى بولاق لا يختلف عن سوق «الوحدات»، وموقف حافلات النقل العام فى التحرير لا يختلف كثيرا عن موقف «العبدلي» القديم.
المدن تتشابه، والروتين واحد.. صحو مبكر، وفنجان قهوة، وسيجارة، قبل الخروج إلى الوظيفة. لكن للعمر شروطه، وما كان ممكنا قبل سنين صار صعبا أو مستحيلا بعد الستين.
لم أعد قادرا على المشى لساعات، ولا أستطيع احتمال الجوع لانشغالى فى العمل، وليس فى مقدورى الانهماك فى مناكفات مع الزملاء المتحاسدين، ولا الخوض فى صراعات صغيرة مدفوعة بالاحساس بالغبن فى الموقع الوظيفى أو مقدار الراتب.
بعد الستين يتخلق روتين حياتى جديد، هاديء ومسالم وبطيء. فلا شيء يستحق العجلة، ولا شيء يدفع للصراع، ولا جدوى من منافسة أحد.. ولا طموح يعذب صاحبه، فما كان ممكنا تحقيقه قد تحقق، ولم يعد فى العمر متسع للأحلام الكبيرة.
أنا ستينى منضبط، ألتزم بتعليمات الطبيب ولا أنقطع عن الدواء الموصوف لتسليك الشرايين، لكننى أيضا أحب التبغ والقهوة ولا أتخيل نفسى محروما منهما. وأنا ابن بيئتي، وربما لأننى عَماني، لا أسهر كثيرا وأنام مبكرا فى مدينة لا تنام.
وأنا ستينى نموذجي، أستقبل نهارى بدفء الذاكرة، وبالأمل فى القدرة على الصحو غدا.. لكى أعيش وأتذكر.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

وبدأت الحرب

لقد بدأ الهجوم. انعقدت الاجتماعات ووُضعت الخطط وتحددت ساعة الصفر وصدرت الأوامر وتم توزيع الأدوار. انطلقت الطلقة الأولى. حرب لي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook