صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

فى محبة القاهرة أم المدن

56 مشاهدة

28 اغسطس 2019
كتب : د. عزة بدر



نحتفل بمرور ألف وخمسين عامًا على إنشاء القاهرة فنحتفل بأنفسنا بالتاريخ الذى نحمله فى قلوبنا، والحضارة التى حملنا نورها، والتى أضاءت ما حولها فى كل العصور.
عشقها أبناؤها، والرحالة الذين زاروها قديمًا وحديثًا فكانت القاهرة للجميع زينة المدائن، وأم البلاد.

أجمل مدينة


وصفها ياقوت الحموى فى معجمه فقال: «القاهرة أجمل مدينة رأيتها»، ووصفها ابن بطوطة بأنها مدينة مصر أم البلاد، «تموج موج البحر بسكانها، شبابها يجد على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد». ووصفها المستشرق أوجين فرومنتان فقال: «بغبطة أدخل هذه المدينة الفريدة».
وكتب عنها المستشرق الفرنسى جاستون فييت «لعلها المدينة الإسلامية التى حيرت المؤرخين أكثر من غيرها، فهناك كتب كثيرة فى جميع اللغات تتناول تاريخ المدينة وآثارها وسكانها لكن ليس للقاهرة من ذيوع الشهرة ما لمراكز الحضارة فى مصر الفرعونية، ومع ذلك فهذه المدينة تحتل مركزًا مرموقًا فى تاريخ الفن، وذلك بفضل الأعمال العمرانية التى ازدهرت فى ربوعها ازدهارًا باهرًا».


«بل لا تزال الأحجار تردد ألحانًا من المجد السالف، فعلى طول الطريق من الأسوار الشمالية للمدينة الفاطمية إلى حدود المدينة الجنوبية يصاحبنا نغم متناسق يصاحبنا بخاتمة مهيبة، حيث نسمع لحنًا لنشيد رفيع فخم».


ولو كان معنا جاستون فييت إلى اليوم لتغنى بالقاهرة التى تتسع وتتطور وتمتد كحاضرة ومدينة وتاريخ يجعلها من أعرق وأجمل مدن العالم. تغنى بحبها الشعراء القدماء والمعاصرون وإذا ما ذُكرت القاهرة تغنينا مع صالح جودت «أحبه وأعشقه/ أزهو به للأبد/ وخير ما أشدو به أنى أحب بلدي/ حبيبتى قاهرتي/ يا جنتى يا كوثري/ يا هبة النيل الثري/ يا بهجة نائمة على بساط أخضر/ يا شعلة دائمة على طريق الأعصر».


واليوم وبعد ألف وخمسين عامًا على إنشاء القاهرة نحتفل بها، ونحتفل بأنفسنا، بما يخفق فى قلوبنا لها من محبة، نحبها بالفطرة بالوراثة كما يقول يحيى حقى.
فهى عطر الأحباب، ومنزل السعد، وأم البلاد.


احتفالية القاهرة


وتحتشد الأوساط الثقافية فى مصر للاحتفال بمرور ألف وخمسين عامًا على إنشاء القاهرة فى احتفالية مهمة تمتد إلى نهاية العام برعاية نادى اليونسكو- الفرع المصرى بالتعاون مع وزارة الثقافة ممثلة فى قطاع الفنون التشكيلية ووكالة الغورى، وهيئة قصور الثقافة، ووزارة الآثار من خلال  إدارة الوعى الأثرى كما يقول محمد ياسين مدير نادى اليونسكو- الفرع المصرى، والذى أضاف أن الفعاليات ستتضمن أيضًا مشاركة أكاديمية الفنون، والعديد من المؤسسات الثقافية، وستكون هناك عدة معارض للحرف التراثية كصناعة الخيامية والجلود، وتكفيت النحاس، ومعرض للبردى، وكذلك ستقام ورش لتعليم الحرف التراثية للأطفال والكبار، كما ستقدم فرق الفنون الشعبية عروضها كما تتضمن الاحتفالية تنظيم رحلات لزيارة معالم القاهرة الفاطمية، وشارع المعز بما يحفل به من آثار مهمة، وزيارات لمجمع الأديان من خلال برنامج نشاط بعض الجمعيات الأهلية الثقافية مثل جمعية «مصر الإرادة» التى قام بتأسيسها محمد ياسين عام 2012، كما تقوم الجمعية بعمل ورش لتعليم الحرف التراثية، وكذلك تشارك فى الاحتفالية «جمعية أصالة» وهى جمعية أهلية ثقافية أسسها الفنان عز الدين نجيب عام 1954 مع مجموعة من الفنانين.


هنا القاهرة


أسس جوهر الصقلى مدينة القاهرة بعد فتح مصر، وكان يقصد من إنشاء القاهرة أن تكون معقلاً حصينًا لرد القرامطة عن مدينة مصر الفسطاط، وبنى جوهر قصر الخليفة الفاطمى المعز لدين الله، وأقام حوله السور وسمى المدينة فى أول الأمر «المنصورية» حتى قدم المُعز إلى مصر فأطلق عليها القاهرة، وذلك بعد مرور أربع سنوات على تأسيسها كما يذكر عبدالرحمن زكى فى دراسته «عواصم مصر الإسلامية» فى كتاب «فى مصر الإسلامية» 2016، الهيئة المصرية العامة للكتاب.


القاهرة هى العاصمة الرابعة لمصر الإسلامية، وبإنشائها استطاع جوهر الصقلى حماية المدينة الثلاثية الفسطاط والعسكر والقطائع من غارات القرامطة، وكانت «القاهرة» مدينة ملوكية لم يكن للعامة أن يدخلوها، وكانت قاعدة دار الخلافة وسكنًا للخليفة، وحرمه وجنده وخواصه ومعقل قتال يتحصن به ويلجأ إليه. كما يقول عبدالرحمن زكى فى كتابه.


أزهى عصور مصر


وتقول د.زبيدة عطا أستاذ وعميدة كلية الآداب الأسبق: «إن أزهى عصور مصر الحضارية كانت فى العصرين الفاطمى والمملوكى، فقد أنشأ الفاطميون الكثير من المنشآت فى القاهرة المعزية، وكانت لهم العديد من الطقوس فى الاحتفالات، منها الاحتفال ببداية الشهور العربية، خاصة الاحتفالات بشهر رمضان وقد سجل «المقريزى» العديد من التفاصيل حول هذه الاحتفالات، ومن المنشآت الحضارية المهمة التى أنشأها الحاكم بأمر الله دار الحكمة التى احتوت على ثروة من الكتب القيمة.


ولأن «القاهرة» كمدينة كانت عاصمة أرستقراطية يسكنها الخليفة والحاشية فقد ظلت «الفسطاط» هى الأساس فى الحياة الاقتصادية المصرية، وفى العصر الأيوبى اتسعت القاهرة وامتد عمرانها فى عهد صلاح الدين الأيوبى، وهو أول من سمح للعامة بدخول القاهرة بعد أن كانت فى أيام الفاطميين «ملوكية» وأنشأ صلاح الدين قلعة الجبل لتكون مقرًا للحكم لكنه لم يسكنها فقد ذهب إلى الشام لمحاربة الصليبيين واستشهد هناك.


وقد بدأ العمران فى العصر المملوكى، وارتبطت الفسطاط بالقاهرة، وأصبحت القاهرة فى عصر المماليك مركز النشاط التجارى والاجتماعى فانتشرت الأسواق، وأصبح لكل حرفة سوق، مثل سوق الشمع، وسوق العطارين، وغيرهما.


وفى القاهرة المملوكية كانت هناك منشآت حضارية مثل المدارس ومنها مدرسة السلطان حسن وكانت تدرس فيها المذاهب الأربعة، وفى عصر العثمانيين زاد حجم القاهرة، لكنها أصبحت ولاية عثمانية بعد أن كانت عاصمة دولة، وقد شهدت القاهرة نهضة حديثة على يد محمد على الذى أرسل البعثات إلى فرنسا، وشهدت القاهرة فى عهده تطورات مهمة، وفى عهد الخديوى إسماعيل بدأ تخطيط القاهرة من جديد، وفى عهده اتسعت ضواحى القاهرة، وبنى الأوبرا، وغيرها من منشآت حضارية، أى أن شكل «القاهرة» والعمران فيها كان يتغير من فترة لأخرى وعلى سبيل المثال كان الحى التجارى الأشهر فى العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى- يتمثل فى الموسكى والغورية ثم انتقل بعد ذلك إلى شارع فؤاد.
فالقاهرة عاصمة تاريخية تكونت عبر القرون وأخذت طابعًا مميزًا وخاصًا.


شارع المعز


أما الأثرى شريف فوزى منسق عام شارع المعز بوزارة الآثار فقد أشار إلى الثروة الأثرية التى يمثلها شارع المعز فيقول: «إنه متحف مفتوح للآثار الإسلامية، وأحد أقدم شوارع مصر بل العالم، حيث يحتوى على العديد من الآثار الفاطمية فقد أنشأوا الجامع الأزهر الشريف، والقصرين الشرقى والغربى وهما فى شارع المعز، وأحاطوا القاهرة بأسوار بها ثمانى بوابات رئيسية أشهرها بابى «الفتوح» و«النصر» بالسور الشمالى، وباب «زويلة» فى السور الجنوبى.
وكان هناك ميدان واسع بين القصر الشرقى والغربى يتسع لآلاف الجنود دلالة على اتساع ميدان «بين القصرين».


والثلاث بوابات من أروع الأبواب الحربية الباقية ليس فى مصر فقط بل فى العالم الإسلامى ككل وفى تاريخ العصور الوسطى بصفة عامة. ومن الآثار الفاطمية المهمة فى شارع المعز الجوامع الأثرية مثل جامع الحاكم بأمر الله ويتميز بمئذنتيه اللتين تم تجديدهما فى العصر المملوكى، البحرى عام 703هـ.
ولا تقتصر الآثار فى شارع المعز على ما أنشأه الفاطميون وإنما هناك منشآت من العصر الأيوبى والمملوكى فهناك قبة ومدرسة الصالح نجم الدين الأيوبى وقد بُنيت على أجزاء من القصر الغربى، وكذلك بقايا مدرسة الظاهرية نسبة إلى الظاهر بيبرس، وهناك مجموعة السلطان قلاوون وهى من أروع المجموعات المعمارية بالقاهرة مع مجموعة السلطان الغورى وتشمل مجموعة قلاوون مدرسة لتدريس العلوم الفقهية والمذهبية، وقبة ضريحية مدفون فيها السلطان قلاوون، وابنه الناصر محمد، وأحد أبناء الناصر محمد. وهناك أيضًا بيمارستان أو مستشفى قلاوون الذى كان بمثابة مستشفى جامعى بالمعنى الحديث، وكان يتم تدريس علوم الطب والصيدلة وتصنيع الدواء فيه- وقد جاء وصفه فى كتاب «وصف مصر» للحملة الفرنسية. ووثيقة وقف قلاوون تدل على مدى الاهتمام بالمرضى وصحة الناس، وكان الوقف يحتوى على مستشفى ومدرسة، وقبة ضريحية، وحوض لسقاية الدواب.


 وفى شارع المعز أيضًا مدرسة وخانقاه السلطان برقوق من العصر المملوكى الجركسى، ومدرسة السلطان برسباى ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون «من العصر المملوكى البحرى»، وسبيل وكُتاب خسرو باشا أقدم سبيل عثمانى باقٍ فى القاهرة، وأيضًا يوجد سبيل محمد على من القرن التاسع عشر.


جوامع القاهرة الفاطمية


وهناك عدة مساجد بناها الفاطميون هى الجامع الأزهر، وجامع الحاكم بأمر الله والجامع الأقمر، وجامع المقس، والجامع الظافرى، وجامع الصالح طلائع أما القصور فقد اندثرت.


ويُعد الأزهر أول عمل فنى معمارى أقامه الفاطميون فى مصر، وقد زاد كثير من الولاة الفاطميين فى بنائه، وأعيد تجديد أجزاء كثيرة منه خلال القرون الماضية كما أضيفت إليه زيادات عدة، وقد بناه جوهر الصقلى عام 359هـ، وفُتح للصلاة فى رمضان 361هـ (يونيو- يوليو 972م).
(عبدالرحمن زكي: «عواصم مصر الإسلامية»، مرجع سابق).


وكانت مكتبة الأزهر تحتوى فى زمن الفاطميين على درر الكتب النادرة ومائة ألف مجلد فى علوم الطب والتوحيد والرياضة والمنطق والبيان والنحو والبلاغة والفلك وتقويم البلدان وغيرها.


وفى عهد السلطان الظاهر بيبرس «العصر المملوكى» أصبح الأزهر منارة العلم يأتى إليه الطلاب من كل أرجاء العالم الإسلامى خلال قرون عدة، خاصة أن غزوات المغول فى الشرق وما ترتب عليها من دمار قد أثر على معاهد العلم خارج مصر، ومن هنا كان للأزهر دور مهم فى الحياة الفكرية.


القمة والأكفاء


ويذكر د.زكى محمد حسن فى مقدمته لكتاب «فى مصر الإسلامية»: «أن مصر كان لها فى عصر المماليك مقام ممتاز يمتد نفوذها إلى الأقطار البعيدة، وتخطب ودها بيزنطة وغيرها من الدول الأوروبية، ويفسر ذلك بقوله لأن نظام دولة المماليك نفسه قد أذهب سُنة الوراثة فى الحكم وكان ذلك كفيلاً ببقاء الأصلح وصعود الأكفاء إلى القمة وظهور حكام مثل بيبرس، وقلاوون، والناصر، وبرقوق، وقايتباى».


عطاء القاهرة الفكرى


وقد تواصل عطاء القاهرة فى الحياة الفكرية العربية، فعلى سبيل المثال فإن فقيه الإسلام الكبير الإمام الشافعى قضى الأعوام الأخيرة من حياته فى مصر، والدور الذى قام به فى تنمية التشريع الإسلامى بالغ الأهمية، فهو واضع أسس التنظيم العلمى فى حقل التشريع الدينى فقد أوجد مذهبًا متكاملاً بطريقة علمية، وكان هناك اتجاهاه فى ذلك الوقت: اتجاه أهل الحديث «أصحاب المدرسة التاريخية» يبنون القانون الأخلاقى على الحديث دون تحريم للقياس والرأى الشخصى تحريمًا مطلقًا عند الحاجة، واتجاه أهل الرأى «أصحاب المذهب العقلى»- فى شىء من الاحتراس- وهم يبدأون موقفهم باحترام كبير للحديث لكنهم فتحوا الباب للاجتهاد الشخصى، وقد عمل الشافعى للتوفيق بين الاتجاهين فقام بالتعريف والتطبيق الدقيق لمصادر التشريع الأربعة.


جاستون فييت: «القاهرة مدينة الفن والتجارة» 2015، ترجمة: مصطفى العبادى، الهيئة المصرية العامة للكتاب.


لقد أصبحت القاهرة عاصمة مصر الحضارية بحق كما أصبحت منافسًا سياسيًا لبغداد وقرطبة حينذاك، ومركزًا حضاريًا عالميًا، ويذكر جاستون فييت قدوم الحسن بن الهيثم إلى مصر لحل مشكلة علمية تتعلق باستخدام مياه النيل لأغراض الرى دون التأثر بمنسوب الماء وكان من إنجازات ابن الهيثم كتابات فى الموازين، وتكوين العالم، وألف فى الموسيقى، ووضع رسالة «فى البصريات»، وكان لرسالته تلك تأثيرً حاسمً على علماء الطبيعة الأوروبيين، وذكر أيضًا «عمار بن على» أكثر أطباء العيون أصالة بين العرب وقد استقر فى مصر بعد أن تنقل طويلاً فى الشرق وقد أهدى إلى الحاكم كتابه «فى أمراض العيون»، كما ترك ابن رضوان طبيب الخليفة الحاكم- كتابًا مهمًاعن علم المناخ.


عاصمة ثقافية


ومنذ أن صارت القاهرة عاصمة لحكم الفاطميين ظلت القاهرة عاصمة لكل الحكام من بعدهم فكانت عاصمة الأيوبيين، والمماليك والعثمانيين، وفى العصر الحديث ظلت القاهرة هى العاصمة حتى يومنا هذا، وظلت القاهرة متحفًا ثريًا هائلاً فيه آثار كل العصور التى مرت على مصر، ولم تكن «القاهرة» عاصمة سياسية فقط لكنها كانت عاصمة ثقافية أيضًا كما يقول د.محمد يونس أستاذ الأدب العربى بكلية الآداب- جامعة عين شمس «إن مصر اشتهرت بكثرة من فيها من الأدباء سواء كانوا شعراء أو كتاباً حتى من قبل إنشاء القاهرة، وحتى المعز لدين الله الذى تأسست القاهرة فى عهده كان شاعرًا وأديبًا، وكذلك ابنه تميم له ديوان شعرى كبير اهتم به الدارسون، وتوفروا على نقده وتحليله، وكذلك العزيز بالله نزار بن المعز كان شاعرًا، وكان قد أسس مكتبة مهمة فى القاهرة اسمها مكتبة «العزيز بالله». وكانت من عجائب الدنيا من حيث عدد كتبها، وعدد النساخ الذين كانوا يقومون بنسخ الكتب، ومن الحكام الذين كانت لهم عناية بالأدب الحاكم بأمر الله، والخليفة المستنصر واستمرت هذه العناية بالأدب والأدباء فى الدولة الأيوبية، وفى دولة المماليك التى استمرت ثلاثة قرون، وكتب عنها كل من اهتم بتاريخ الأدب فى العصور الإسلامية المتعاقبة مثل عبداللطيف حمزة، ومحمد كامل حسين، وأحمد بدوى. ومن أهم الكتب التى تحدثت عن القاهرة كتاب ابن تغرى بردى الذى عاش فى القرن التاسع الهجرى، وعنوان كتابه: «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة». فالقاهرة عبرت عن مصر كلها، بل ويقول المسافر إلى القاهرة «أنا ذاهب إلى مصر».


فقد اختصرت المدن، وهناك كتاب جلال الدين السيوطى «حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة» وهناك كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».والذى ألفه المقريزى وتحدث فيه بالتفصيل عن آثار القاهرة وأحيائها ومساجدها ومدارسها وخزائن كتبها، وللمقريزى أيضًا كتاب «المقفى» فيه تراجم لأعلام المصريين: وهناك كتاب بن إياس وفيه تاريخ مفصل عن القاهرة وهو بعنوان «بدائع الزهور فى وقائع الدهور».


وفى كل هذه الكتب الحديث عن القاهرة كأنه حديث عن مصر كلها، فكل الخصائص والسمات التى تميزت بها مصر تجمعت فى مدينة القاهرة هذه المدينة التى ضمت مختلف الأطياف والأجناس، واستوعبت كل المشارب والنزعات، وقد حملت مصر لواء الثقافة العربية فى القرون الوسطى، وذكرها كارل بروكلمان من حيث كونها فى الصدارة الثقافية ورصد الاهتمام والعناية بالأدب شعره ونثره وكذلك بالعلوم المختلفة كالتفسير والحديث والقراءات والرياضيات، بدءًا من عصر الأيوبيين والمماليك، ويكفى أن نقول أنه فى عهد الحاكم بأمر الله جاء إلى مصر أكبر علماء الرياضة والطبيعة الحسن بن الهيثم، واستقبله الحاكم بأمر الله.


واتخذ ابن الهيثم القاهرة سكنًا له ومقامًا لأكثر من ثلاثين عامًا، ومعظم أصحاب الموسوعات عاشوا فى مصر خاصة فى القاهرة مثل القلقشندى صاحب موسوعة «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا»، ومثل النويرى الذى كتب «نهاية الأرب»، لقد كانت القاهرة دائمًا مركز إشعاع ثقافى.


أكبر دار للعلم


ويرى د.عوض الغبارى رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب- جامعة القاهرة أن «القاهرة» كانت دائمًا دار العلم، فقد ضمت أكبر مكتبة تحتوى على ذخائر علمية لم يكن لها نظير فى العالم، وقد أنشأها الحاكم بأمر الله وكانت مقصدًا للعلماء وكانت كالمكتبات العامة فى عصرنا، وكثرت المؤلفات فى كل مجال وانتزعت مصر زعامة العالم الإسلامى فى الحياة العلمية ابتداءً من قيام القاهرة إلى نهاية العصر العثمانى فاشتهر من المؤرخين ابن زولاق فى العصر الفاطمى وكتب سيرة كافور والمعز وجوهر الصقلى، ولابن زولاق كتاب «التاريخ الكبير»، عن حضارة مصر، وثقافتها وعلومها وفنونها. ومن أهم الرسائل الأدبية فى وصف القاهرة «الرسالة المصرية» لأمية ابن الصلت خاصة فى تصويره للحياة الأدبية فيصف النيل بقوله: «كأنما النيل والشموع به - أفق سماء تألقت شهبًا»  وكان ابن الصيرفى من أكبر كتاب مصر فى العصر الفاطمى، ومن أهم كتاب العصر العثمانى ابن قادوس الذى وصف وفاء النيل بأنه نعمة تبدو بركتها على الناطق والصامت والجماد.


ومن بواكير الفن القصصى كتاب «المكافأة» لابن الداية.


ومن أهم شعراء العصر الفاطمى ظافر الحداد.


ومن أشعار الغزل الرقيق التى تأثرت بالنيل قول الشاعر: «أيا ساكنى مصر غدًا النيل جاركم /فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشعر» وقد تميز التصوف فى مصر وقد أسسه ذو النون المصرى، وتَّوَجه ابن الفارض شاعر الحب الإلهى، وسلطان العاشقين الذى عاش فى القاهرة. كما تميز أدب الفكاهة فى مصر ومن أهمها كتاب «نزهة النفوس ومضحك العبوس» لابن سودون.


وفى شعر الحرب أنتجت مصر ديوان «الُقدسيات» وهو شعر ونثر عن الحروب الصليبية، وفيه تجسد الشعور بالقومية.


وقد سجل كتاب «الروضتين فى أخبار الدولتين» لأبى شامة بطولات صلاح الدين فى حطين، وكان ابن سناء الملك أكبر شاعر مصرى فى العصر الأيوبى من الذين خلدوا الانتصارات ضد الصليبيين فى قصيدة مشهورة من ديوان «القُدسيات» وفى الشعر الدينى تألقت بُردة البوصيرى فى المدح النبوى.
وفى فن الزجل أسس الشيخ خلف الغبارى فن الزجل الذى ارتبط بأحداث مصر التاريخية والحياة المصرية فى عصره، واشتهر بالحكمة ومن قوله: «فى الناس رأينا الخير معادن-  والدُر يوجد فى كنز مثله/ وإن رمت جوهر الشخص مكنون - فجوهر الشخص حسن فعله» وكان تفسير عذوبة الأدب المصرى كما يقول الصفدى فى كتابه «فض الختام» أن أدباء مصر شربوا ماء النيل وهو أحد أنهار الجنة، وترشفوا منه حلاوة، ومن عذبت قطرات مياههم لطف كلام شفاههم.


القاهرة والتطور العمرانى


ويقول د. أيمن فؤاد سيد أستاذ التاريخ ورئيس الجمعية المصرية التاريخية: «لقد عُرف فن كتابة خطط المدن فى العديد من البلاد الإسلامية، وظل مرتبطًا بمصر حيث يمكننا تتبع التطور الطبوغرافى لعاصمة مصر بالتفصيل بفضل مؤرخين ومؤلفين عظام مثل بن الحكم، والكندى، وابن زولاق، والقضاعى، والشريف الجوانى، وابن عبدالظاهر، ابن دقماق والمقريزى والجبرتى، وعلى مبارك وسواهم، وبلغ هذا الفن ذورته فى «خطط المقريزى» وهذا الكتاب هو الأساس لجميع الدراسات التى تناولت تاريخ مدينة القاهرة. فقد تم تدوينه عند نهاية القرن الثامن عشر الميلادى وكتاب «وصف مصر» الذى سجله العلماء المصاحبون للحملة الفرنسية على مصر «1798 - 1801 م» وهو بحق أهم كتاب فى تاريخ مصر الحديث وأهم إنجازات المجمع العلمى المصرى، ولأول مرة تنُشر فى كتاب واحد من عدة مجلدات العديد من الدراسات المزودة بالخرائط والرسوم التوضيحية تغطى جميع أرض مصر وكل ما يتصل بتاريخ المجتمع، وتاريخ العلوم والفنون ويعد كتاب «الخطط التوفيقية» لعلى مبارك باشا من أهم الكتب التى تتبعت الخطط والمعالم والآثار خلال القرون الأربعة لكن منذ الاحتفال بمرور ألف سنة على إنشاء القاهرة عام 1969 كان لا بد من العناية بهذا الفن، فن كتابة خطط المدن، والتخطيط العمرانى، ولقد تم الاحتفال بمرور ألف سنة على إنشاء القاهرة فى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وافتتحه الرئيس جمال عبدالناصر، وتمت الندوات فى قصر عمر الخيام «ماريوت» الآن، وكانت هناك دراسات مهمة كان من المفروض أن يحدث بعدها اهتمام متزايد بالقاهرة التاريخية ووضعها على الخريطة السياحية لمصر، ولكن لم يحدث هذا بالصورة التى كانت ترجُى لها، فمصر أهم مدينة إسلامية فى العالم الإسلامى، وإلى جانب الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة الفرعونية لا بد من الاهتمام بالآثار الإسلامية، وكذلك لابد من توظيف وتأهيل المكان، ونشر الوعى الأثرى فى مناطق وجود الآثار، وأن يكون هناك حرم للأثر التاريخى، وتتم التوعية به.


ويضيف أيمن فؤاد سيد: «إنه على الرغم من المجلدات العديدة حول تاريخ عاصمة مصر التى تناولت عصورها التاريخية المختلفة فلم يكن هناك عناية.
باستعراض التطور العمرانى بالمدينة (القاهرة) وامتدادها وتوسعها وتوزيع خططها على امتداد أربعة عشر قرنًا اعتمادًا على المصادر الأصلية والوثائق الرسمية وحجج الأوقاف وسجلات المحاكم الشرعية وأوصاف الرحالة ولذا فكرت فى كتابة تاريخ عمرانى معمق لمدينة القاهرة متعدد الجوانب، فكانت تجربتى فى إنجاز كتاب يتناول «القاهرة - خططها وتطورها العمرانى» منذ تأسيس الفسطاط حتى القرن العشرين مزودة بحوالى 750 صورة تمثل الوصف المرئى للمدينة وقد طبع فى الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو يرصد تاريخ المدينة وتطورها العمرانى، وهذا العلم «تاريخ العمران» يمكنه أن يقدم إعادة قراءة للتاريخ، وقد كانت الرسالة التى حصل بها د. أيمن فؤاد على الدكتوراه من جامعة باريس عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين دراسة فى إعادة تخطيطها».


الحرف التراثية


وقد أسهمت الإدارة المركزية لمراكز الإنتاج الفنى - قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة فى احتفالية شارع المعز بمرور ألف وخمسين سنة على إنشاء القاهرة بمركز الربع الثقافى بشارع المعز بالتعاون مع نادى يونسكو مصر للثقافة والفنون والتراث، وتقول د. سلوى الشربينى مدير إدارة مراكز الإنتاج الفنى أنه تمت المشاركة فى الاحتفالية بمنتجات الحرف التراثية مثل الخشب المُطعم، والخيامية ومنتجات الجلود، والأزياء واللوحات النسجية، والمصاغ الشعبى ولوحات منفذة بالألوان، ورسم على السيراميك، والرسم على الحرير، وتشير د. سلوى الشربينى إلى أهمية الحفاظ على الفنون التراثية، والحفاظ على الحرف التقليدية وموروثاتها ولذا هناك إدارة للتدريب تابعة للإدارة المركزية، وإدارة للبحوث تهتم بتطوير الحفاظ على الحرف والفنون التراثية وترى الشربينى أن الاحتفال بالحرف التقليدية يتم كل عام وهو عيد للهوية المصرية، يمثل التواصل مع الآباء والأجداد، ويمثل أثرًا ينبئ بطريقة تفاعل المواطن المصرى مع بيئته والإفادة منها، وطريقة تفاعله مع الحياة اليومية، ويحتفى بفنه وذوقه ومهارته وقدراته الخاصة من خلال هذا النتاج الفنى الغنى والذى يظهر تنوعه عبر العصور».


 موسوعة الحرف التقليدية


ومن الجمعيات الأهلية الثقافية التى تسهم فى الاحتفالية جمعية «أصالة» ويقول الفنان التشكيلى طه عشماوى رئيس الجمعية  ومدير عام المراسم وبيوت الإبداع بوكالة الغورى، إن الجمعية تشارك بعدد من ورش الحرف التقليدية ورشة صدف، ونحاس، وحُلىّ والجمعية تهتم بالفنون التراثية، وأنتجت موسوعة للحرف التقليدية فى مصر من خلال أكاديميين ومتخصصين وتتكون الموسوعة من سبعة أجزاء، وهى خطوة مهمة فى توثيق التراث الذى يعبر عن مكنون الهوية الثقافية، وهى مازالت معين الإبداع».
هنا «القاهرة» العامرة، الساحرة، البهية، الظافرة، هنا «القاهرة» عاصمة مصر، و«أم البلاد تاريخًا وحضارة».



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

يا ولدى هذا جيشك العظيم

ولدى العزيز..
 أكتب إليك وإلى كل أبناء جيلك ممن يتعرضون الآن لأشرس وأخطر حرب تمر بها الأجيال وتمر بها البلاد. حرب ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook