صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أبيع كتابى لأشترى رغيفا

12 مشاهدة

7 اغسطس 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة

 

فى بلادنا يموت الودعاء كمدًا من الظلم، ويأكل القهر والفقر والحصار والجوع أعمار المبدعين المستسلمين لأقدارهم فى زمن الجهل والظلام وحروب الردة.
وفى أوطان حولتها الحروب الجاهلة والثورات الغبية إلى مقابر جماعية، يواجه المثقف العربى الموت جوعًا حين يحيد عنه رصاص أشاوس الطوائف وحملة المباخر الملغومة. ولأن الجوع كافر، يتقدم الرغيف على الكتاب، ويصير الكاتب نادلًا فى مقهى، والروائى نجارًا، والشاعر حفار قبور.

يحدث هذا فى اليمن وفى ليبيا وسوريا وبلاد أخرى اجتاحها القمع وعم فيها الظلام، وقد قرأت عن عشرات المبدعين العرب الذين تحولوا فى زمن الحرب وفى أزمان القمع السابقة إلى متسولين وماسحى أحذية وبائعين جائلين.
لكن ما يوجعنى حد البكاء، هو لجوء مثقفين يمنيين وليبيين إلى عرض مكتباتهم للبيع لكى يستطيعوا إعالة أسرهم وإطعام أطفالهم. ويبدو المشهد موجعًا أكثر حين تقدر أثمان الكتب، ليس بمحتواها، ولكن بوزنها، لأنها تباع غالبًا إلى مصانع إعادة تدوير الورق للتحول إلى أطباق ورقية للبيض والوجبات الجاهزة.
قرأت قبل فترة عرض الكاتب والصحفى اليمنى حسن عبدالوارث بيع مكتبته الشخصية، لكى يستطيع شراء الخبز. وقد نشر العرض على منصات التواصل الإلكتروني، وتم تداوله على نطاق واسع رغم ضعف الإنترنت فى بلاد العقيق والعسل.. وبدايات التاريخ.
أزعُم بأننى أعرف قسوة الموقف ومرارته على النفس، فقد رأيت بعينى أدباء ومبدعين عراقيين يعرضون كتبهم للبيع فى شارع المتنبى فى بغداد فى زمن الحصار الدولى الذى فرضه الأمريكيون على العراق.
كان منهم من يبيع مكتبته، وكان بينهم من يبيع نسخًا وحيدة من مؤلفاته، ورأيت شاعرا يبكى فى الشارع وهو يودع آخر نسخة من ديوانه الشعرى الأول الذى باعه مقابل ثمن وجبة رخيصة فى مطعم شعبى.
شعرت يومها بالفجيعة، وتساءلت عن رد فعل المتنبى لو بُعث حيًا ليرى ما يحدث فى شارعه فى عاصمة الرشيد.
لكننى ما لبثت أن تيقنت أننا كلنا فى الهم شرق، فقد عشت التجربة، عندما اضطررت إلى بيع مكتبتى لأشترى خبزى.
كنت بلا عمل، ليس بسبب كسلى وترفعى عن العمل، ولكن لأن المؤسسات الصحفية لم تقتنع بقدرتى على التغريد فى السرب أو المشاركة فى النهيق الجماعي، لذا أغلقت أبواب الوظيفة فى وجهي، ووجدتنى مضطرًا للبحث عن الرغيف بامتهان أعمال هامشية كمراجعة وتصحيح مسودات كتب معدة للطبع فى النهار، وترجمة دوبلاج أفلام الكرتون فى الليل.
لم يكن ذلك كافيًا، فهناك التزامات أخرى كأجرة البيت وفواتير الكهرباء والماء، وملابس المدارس، وأشياء أخرى كمالية كالدواء مثلا.
لم يكن أمامى إلا مواجهة الاستحقاقات الطارئة ببييع كتب عزيزة على النفس فى مكتبتى الصغيرة.
كنت أعرف بائع كتب على الرصيف فى قاع المدينة، وكنت أذهب إليه كلما ضاق بى الحال لأعطيه بعض كتبى مقابل دنانير قليلة، تكفى بالكاد لشراء البن والسجائر التى تبقينى على قيد العمل.
وكنت أعتز باقتنائى مجموعات كاملة من أعداد الدوريات الأدبية المهمة كمجلة أدب ونقد ومجلة إبداع، وقد كانتا من أهم الدوريات الأدبية فى مصر، كما كنت أقتنى أعداد مجلة أقلام العراقية ومجلة العربى الكويتية.. وقد بعتها كلها لأشترى خبزًا وتبغًا لا تستمر الحياة بدونهما.
كان ذلك قبل حرب العراق وقبل الحصار الظالم للبلاد التى كان إبداع أهلها يفيض على ضفاف النهرين الحزينين فى زمن التحالف والطوائف.. والردة على عروبة التراب.
تغيَّر الحال، لكنى لم أنس، ولا أظننى قادرًا على نسيان حصارى الشخصي، وأنا أتابع ما تنتجه الحصارات المتتالية للمبدعين العرب فى البلاد التى تعيش ربيعها الدامي، وتغرق فى ظلمة الحرب والقهر والفقر.
يا صديقى حسن عبدالوارث، بع مكتبتك ولا تحزن، فما أنتجه وعينا الجمعى فى زمن الربيع والعصبيات الطائفية لم تحمله الكتب، ولا تحقق بالقراءة. إنه تصريح بالواقع الموجع يدحض كل ما كتبناه وما قرأناه عن أمجاد ماضينا وزهو حاضرنا.
بع كتابك واشتر رغيفًا، لأن بقاءك حيا إنجاز كبير وانتصار.. انتصار عليهم جميعًا.
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook