صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أبيض وأسود

20 مشاهدة

7 اغسطس 2019



كانت تجلس على الفراش الكبير مائلة فى الحجرة شبه المعتمة بجسدها الممتلئ وشعرها الأبيض المنكوش، عندما ارتفع صوت جرس التليفون فى الفيلم المعروض بالتليفزيون فى الصالة. وهى سمعت هذا الجرس وقالت:
حد يرد على التليفون يا ولاد
ومالت على جانبها الأيمن، ولم تقم بعد ذلك أبدًا.
وفى الصالة، كان هو يجلس بجسده الضئيل فى جلبابه النظيف يتفرج على الفيلم الأبيض والأسود المعروض فى التليفزيون، وعندما ضرب جرس التليفون وسمعها تقول: «حد يرد على التليفون يا ولاد».
حينئذ رأى عباس فارس يقوم كمن يلبى نداءها، ويضبط الطربوش على دماغه ويرد على التليفون الموجود على المكتب البعيد، وحينئذ ضحك واتجه إلى الحجرة لكى يخبرها أن عباس فارس سمع كلامها ورد على التليفون، ولما وقف فى فتحة الباب وجدها فى العتمة الخفيفة وهى هكذا، وراح يجرى على سلالم البيت بلحيته النابتة البيضاء وينادى على الجيران. وظل فى الخارج يطلع السلالم وينزل السلالم، ويراهم وهم يدخلون الشقة ويراهم وهم يخرجون من الشقة والأولاد فى أعقابهم، وعندما نزلوا بها ملفوفة فى القماش النظيف شم رائحة الكولونيا والصابون، وراقبهم من بير السلم وهم يضعونها فى الصندوق ثم يغطونه، ولما تحركوا إلى الخارج نزل وراءهم ووقف فى مدخل البيت وتابعهم وهم يحملونها ويبتعدون، والأولاد الصغار يثيرون العفار فى صمت، وجاءت سعاد التومرجية البيضاء ووقفت أمامه مباشرة بقامتها الكبيرة ونظرت فى عينيه بعينها القريبة المفتوحة عن آخرها، وحاجبها الرفيع المقوس، ثم رفعت إصبعها الأبيض وأشارت جانبًا إلى الجنازة التى تبتعد، وهو أجهش فجأة وانطلق يجرى لاهثًا بالشبشب والجلباب حتى لحقهم ومشى بين الناس. أما فى المساء، فقد وقف فى مدخل السرادق وإلى جواره ابنه الكبير وأزواج بناته، وهم لم يلبثوا أن طلبوا منه أن يجلس على الكرسى لأنه تعب من الوقفة طيلة النهار، وعندما جلس حكى لمن يجاوره أنها كانت تطلب منه أن يرد على التليفون، ومع مرور الوقت راحت ذاكرته تعمل وتضيف للحكاية بعض التفاصيل الحقيقية حول ما حدث ويرويها لكل من يجلس إلى جواره أو يربت على كتفه معزيًا، وعندما جاء أهل البلد وملأوا الشقة جلس فى صدر الصالة ولمّ ساقيه وقال: «أنا كنت قاعد فى الصالة زى ما أنا قاعد كده، والفيلم القديم كان شغال فى التليفزيون، وبعدين جرس التليفون اللى فى الفيلم ضرب، هى افتكرت إن التليفون إللى على الكرسى ده هو اللى ضرب.
 قامت قالت وهى قاعدة فى الأقوضة: حد يرد على التليفون يا أولاد، فى اللحظة دى،عباس فارس قام لبس الطربوش وراح رد على التليفون، كأنه سمعها وهى بتنادى.
أنا بقى قمت من مكانى ودخلت أقول لها، إن عباس فارس سمعها ورد على التليفون، من باب الهزار يعنى، لقيت السر الإلهى طلع».
ومسح وجهه بكفه وقال: مفيش، زى ما بكلمك كده، يمكن دقيقة واحدة، وجايز تكون أقل. وهو بعد ما ينتهى من الحكاية، كان يتجه بوجهه إلى أقرب الجالسين، يتطلع إليه بعينيه الدامعتين، ويبتسم 
آخر النهار
إزيك يابابا، كل سنة وأنت طيب
هكذا قالت زوجة ابنه وهى تضع علبة الكعك على منضدة السفرة، واتجهت إلى الحجرة الداخلية لكى تسلم على الحاجة، بينما كان الابن قد أغلق باب الشقة، ثم استدار إلى أبيه وقال مبتسماً:
إزيك يا عم أبوسليمان
وابتسم أبوسليمان وقال: أهلا يا سليمان
كل سنة وأنت طيب
وأنت طيب،
ولاحظ أن سليمان ازداد طولا وهو واقف أمامه بعدما كان يماثله فى الطول حتى الأيام القريبة، والآن كان يرفع وجهه إلى وجه الولد لكى يراه جيدًا، وتراجع على نحو غير ملموس ونظر إلى قدميه ورأى أنه يلبس حذاءً عاديًا وليس له كعب عالٍ، والحاجة خرجت من الحجرة وهى تضبط طرحتها وقعدت فى الصالة والزوجة الشابة فتحت العلبة ووضعت الكعك فى الطبق وعملت الشاى وجلسوا يتكلمون ويتذكرون ويضحكون، وسليمان وزوجته انصرفا وعادت الحاجة إلى حجرتها، أبوسليمان ذهب وراءها وقال: هو الواد سليمان طول؟.
رفعت وجهها وهى قاعدة على السرير وقالت: سليمان مين؟.
سليمان أبنك
ماله؟
هو طول؟
طول أزاى يعنى؟
يعنى بقى أطول من الأول.
الأول أمتى؟ وهو صغير؟.
لأ.. طول عن الشهر اللى فات مثلاً.
ليه. هو فى حد بيطول وعنده تلاتين سنة.
أبوسليمان تأمل هذه الفكرة ووجدها معقولة جداً، ثم سألها:
أمال أنا اللى قصرت وإلا إيه؟.
وهى قاسته بعينيها من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، وقالت: أنا عارفه.
مش عارفه إذا كنت أنا اللى قصرت وإلا هو اللى طول؟.
طيب وأنا حاعرف إزاى.
يعنى، من وجهة نظرك كده واستقام فى وقفته أنا زى ما أنا، ولا قصرت عن الأول؟.
يمكن..
تغيرت نبرة صوته وهو يقول: يمكن؟.
الله، مش أنت اللى بتقول.
استدار وغادر مدخل الحجرة، وهى قالت وراءه:
أبقى هات لى متر، علشان كل شويه أقيسك وأقيسه.
كان وصل الصالة وهو يشعر بمنتهى الاستغراب من هذه الطريقة فى الكلام، وقعد أمام التليفزيون دون أن يلعب فى الريموت، بعد فترة قام واتجه إلى الحجرة وتجاهل وجودها على السرير، نظر سريعاً إلى الدولاب وفوجئ بالعجوز ضئيل الحجم الذى يتطلع إليه من عمق المرآة المعتمة المصقولة، وعندما مد يده يفتح ضلفة الدولاب رآه يسرع بالانصراف، ظل واقفاً يتطلع إلى الهدوم المرصوصة كأنه يبحث عن شىء ما، وبينما كان يغلق الدولاب لمح العجوز وهو يأتى مرة أخرى مع حركة المرآة وينظر إليه غاضباً، حينئذ غادر المكان وعبر الصالة إلى المطبخ، فتح الثلاجة وأغلقها، ورفع غطاء الحلة الموجودة على البوتاجاز ووضعه، ثم ترك المطبخ ودخل الشرفة الصغيرة واستند بجسده إلى سورها الحجرى القصير، ورأى أسطح البيوت الخالية، وهناك، كانت الشمس تغيب، مع ارتجافة أخيرة من ضوء النهار فى الأفق البعيد.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook