صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

ثقافة الجراد

45 مشاهدة

1 اغسطس 2019
كتب : ايهاب فتحي




تتبعنا فى الأسبوعين الماضيين ثقافة الجراد هذه الثقافة التدميرية للذات والمنجز العام والدخيلة على مجتمعنا فقد ثبت لنا أنها ثقافة طارئة وليست أصيلة على المصريين. كانت الأدلة واضحة على أنها طرأت على المجتمع من خلال تتبع كتابة الرحالة الذين زاروا مصر على فترات متوالية ولم يلاحظوا أو يدونوا فى كتاباتهم وجود هذه الثقافة التدميرية فى طبائع المصريين.

مع انتهاء زمن الرحالة والاستكشاف وظهور المستعربين فى القرن العشرين بدأت كتاباتهم عن المجتمع المصرى تحمل الملاحظات حول وجود هذه الثقافة فى المجتمع خاصة فى النصف الثانى من القرن العشرين.
أوضحت كتابات المستعرب اليابانى نوبواكى نوتوهارا بجلاء وجود هذه الثقافة التدميرية فى المجتمع وكان نوتوهارا بدأ زياراته إلى مصر والوطن العربى منذ العام 1974 ليدرس اللغة العربية وحمل كتابه الذى ألفه حول فترة تواجده فى مصر والوطن العربى مشاهداته والتى ركزت أغلبها حول هذه الثقافة التدميرية الطارئة التى انتشرت فى المجتمع.
لم يقدم نتوهارا تفسيرًا مقنعًا لوجود هذه الثقافة وهذا طبيعى لأنه بالتأكيد غير ملم بكل التداخلات على المجتمع المصرى وكانت النتيجة الواضحة من خلال البحث والمقارنة بين ما كتب عن مصر منذ قرون حتى عشرينيات القرن العشرين أن هذه الثقافة لم تكن موجودة وهذا ما رأيناه عندما قام الكاتب اليونانى الأشهر صاحب «زوربا» نيكوس كازانتزاكس بزيارة مصر فى العشرينيات ووضع كتابه «رحلة إلى مصر».
فى هذه الفترة من العشرينيات من القرن الماضى وضعت بذرة هذه الثقافة التدميرية فى المجتمع على يد المحتل البريطانى هذه البذرة هى الفاشية الدينية بشقيها الإخوانى والمتسلف وأعقب هذا الغرس توغل تلك الثقافة فى المجتمع من خلال آلياتها الخبيثة ليظهر أثرها مع سبيعينيات القرن العشرين وإلى الآن.
ما يهمنا هنا فى الجزء الثالث والأخير من تتبع هذه الثقافة الطارئة على مجتمعنا وتتضاد مع الثقافة الأصيلة المترسخة فى الوجدان المصرى المحبة للعمران والكارهة للتخريب تفكيك آليات عمل هذا الفيروس الفاشى الخطير الذى تسبب فى نشوء ثقافة الجراد ومن خلال فهم آليات عمله تبدأ المواجهة للقضاء عليه وعلى ما سببه من أضرار أصابت المجتمع.
تعمل الفاشية الدينية على هندسة المجتمع وفق رؤيتها التدميرية حتى يتحول هذا المجتمع إلى عدو تجاه نفسه رأس الحربة أو الآلية الرئيسة فى هذه الهندسة الشريرة تكن عملية تغييب عقل المجتمع.
إنها كمثال السائق والسيارة فإذا غاب السائق عن الوعى سيؤدى هذا الغياب إلى وقوع حادث وتحطم السيارة ووفاة كل من فيها أو إصابتهم بإصابات بالغة.
تقوم آلية تغييب العقل التى تتقنها الفاشية الدينية على نشر التفكير الخرافى فى المجتمع النقيض للتفكير العقلانى فيصبح المجتمع أسيرًا للغيبيات عند تفسير أى أمر يمر به ويصبح العقل الجمعى للمجتمع مجردًا من أى دفاعات منطقية تسمح له بتحليل ما يمر به من أحداث.
بعد تسلط الغيبة على العقل الجمعى تبدأ الفاشية الدينية فى قيادة هذا العقل إلى تحقيق أهدافها وبدايتها تدمير علاقة هذا العقل مع الآخر.
أدركت الفاشية الدينية ومن ورائها أن هذه العلاقة هى ركيزة أساسية فى مكون الشخصية المصرية فالشخصية المصرية طوال تاريخها الموغل فى القدم وقبل التاريخ ذاته وهى فى حالة تسامح مع الآخر حتى هذا الآخر عندما يأتى غازيًا معتديًا فالشخصية المصرية لها أسلوبها الفريد فى الانتصار عليه فهى تستطيع بمقوماتها الحضارية احتواء ثقافته بعد صد عدوانه.
زرعت الفاشية الدينية فى العقل المغيب عن طريق أفكارها المسمومة كرهًا دفينًا للآخر من ناحية الاكتفاء بما تطرحه من تفكير دينى سطحى وهولا يمت للسماحة الدينية بأى صلة بل فى مرحلة ثانية تطور هذا الشر إلى نزعة عنصرية استعلائية لمجرد امتلاك العقل المغيب هذا الطرح الغث من التفكير الدينى السطحى.
عندما تنتهى الفاشية الدينية من زرع الكره تجاه الآخر الخارجى تبدأ فى الاتجاه إلى الداخل فى عملية تقسيم ممنهجة قائمة على التصنيف فهى تقسم المجتمع إلى شرائح ليست قائمة فقط على اختلاف الدين بل بين الدين الواحد حتى يصل هذا التصنيف إلى ذروته فى الشكل والمظهر الخارجى ليصبح المجتمع شيعًا وفرقًا متناحرة هدفها فقط إثبات أن كلًا منها على الحق وفق مرجعية التفكير الدينى السطحى الذى نشرته الفاشية.
تؤدى هذه الهندسة الشريرة إلى إشاعة ثقافة الكره فى المجتمع واستدامة حالة الريبة والتربص بكل ما يدور حول الإنسان فى هذا المجتمع الذى تعرض عقله للتغييب.
تتجه الفاشية الدينية بعد ذلك بعد تأكدها من ذرع ثقافة الكره والتربص داخل المجتمع إلى إشاعة مفهوم الاغتراب فيصبح الفرد مغترباً عن مجتمعه فيرى فيه عدوًا لأنه لا يتماثل مع مفهوم الثقافة الدينية السطحية التى زرعتها الفاشية فى عقله المغيب بالإضافة إلى عدائه مع الآخر الخارجى والداخلى وفق التصنيفات المقيتة التى وضعتها الفاشية الدينية.
تغذى الفاشية الدينية هندستها الشريرة عن طريق آلة دعائية سوداء وساعدها مؤخرًا فى عملها التقدم التكنولوجى بظهور شبكة المعلومات ووسائط السوشيال ميديا.
فى تلك اللحظة عقب تثبيت ثقافة الكره والتربص ثم الاغتراب تنطلق ثقافة الجراد فالفرد هنا يتعامل مع منجز المجتمع رغم كونه مساهمًا فيه مثل العدو يريد تدميره ولا يدرى أنه يدمر نفسه.
تبدأ مواجهة ثقافة الجراد التى نشرتها الفاشية الدينية بإيقاظ هذا العقل المغيب واستعادة العقل النقدى القادر على تشخيص ما يعانى منه المجتمع ثم إزالة الثقافة الدينية السطحية المسيطرة عليه وهذا يلزم تصنيع مشروع ثقافى قائم على نخب واعية مستوعبة خطورة ما زرعته الفاشية الدينية فى العقود الماضية.
يجب ألا نكتفى ببناء المشروع الثقافى بل يجب التحرك على الأرض بنشر ثقافة العمل التطوعى فالملاحظ أن الفاشية الدينية خلال العقود الماضية كانت تحرص على احتكار هذا المجال لصالحها وتقاتل من أجل السيطرة عليه وتعمل على تصنيفه وفق معاييرها المقيتة وتستخدمه فى زيادة الفرقة فى المجتمع عكس طبيعة هذا العمل التطوعى الذى يوحد ولا يفرق ويعمل فى خدمة الإنسان بعيدًا عن انتمائه الدينى أو العرقى.
استشعر الوجدان المصرى عقب ثورة يونيو المجيدة أن أهم ركيزة فى التصدى للغيبة التى تعرض لها ولثقافة الجراد التى نشرتها الفاشية الدينية هى الانطلاق فى العمل التطوعى ويمكن بسهولة ملاحظة الآن كم المبادرات التى يقوم بها مواطنون عاديون خاصة الشباب فى مواجهة ظواهر سلبية نتجت عن ثقافة الجراد.
تقوم الدولة أيضًا برعاية هذا العمل التطوعى الآن لأن ثقافة الجراد التى نشرتها الفاشية الدينية كان غرضها الرئيس الدولة نفسها فهى عدوها الأول الذى تسعى إلى إزالته من أجل إشاعة الفوضى.
تتقابل مساهمات المواطنين مع رعاية الدولة من أجل مواجهة ثقافة الجراد لكن هل نكتفى بهذا؟ بالتأكيد هذا لا يكفى فيجب أن يكون هناك مشروع جامع للمساهمة والرعاية ويضع أمامه هدف لا حياد عنه وهو القضاء على ثقافة الجراد.
يقوم العمل التطوعى بالقضاء على هذا الاغتراب الدخيل وعلى الأنامالية ويخرج المواطن من فرديته إلى المجموع دون أى تصنيف ويعيد التعامل مع الآخر الخارجى والداخلى إلى طبيعته دون أى احتقان.
هناك نقطة أخرى سيؤديها المشروع الجامع للعمل التطوعى هو ترسيخ الثقة فى الدولة لأن المواطن سيرى نتاج حراكه المجتمعى برعاية الدولة مما يزيد ثقته فيها ثم يعمل على الحفاظ على المنجز العام لأنه والدولة شركاء فيه وعند تلك اللحظة تختفى ثقافة الجراد.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook