صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

ثقافة الجراد

23 مشاهدة

24 يوليو 2019
كتب : ايهاب فتحي



أثبتت رحلتنا السريعة مع العقل الجمعى المصرى أن حالة العمل الطبيعية هى الأساس، إذ عندما تطرأ عليه ثقافة الجراد تلك فهى عارض على طبيعته السليمة وهى الثقافة التدميرية للذات والمنجز العام.
يأتى رافد آخر ليؤكد على حقيقة الطبيعة السليمة لعمل العقل المصرى ونفوره من فعل الخراب وعشقه للعمران، هذا الرافد لم يدونه المصريون بل قام بتدوينه الكثير من الرحالة الذين زاروا مصر وكتبوا عن طبائع أهلها منذ هيرودت أبو التاريخ الذى عاش فى القرن الخامس قبل الميلاد إلى يونانى آخر هو الكاتب نيكوس كازانتزاكيس صاحب الأيقونة الروائية «زوربا» الذى زار مصر فى منتصف العشرينات من القرن العشرين وكتب «رحلة إلى مصر».
من اليونانى الأول إلى كازانتزاكس يأتى المئات من الرحالة والأدباء الذين رصدوا طبيعة الحياة المصرية، لا يتوقف الأمر على الرحالة بل من قدموا يحملون صفة الرحالة وهم فى الحقيقة عيون للقوى الاستعمارية حضروا إلى مصر لأجل تمهيد الطريق لاعتدائها بالمعلومات المفصلة عن كل ما يدور على أرض مصر وسمات الشعب الذى يعيش على هذه الأرض وستواجهه القوى القادمة.
أوضح مثال على هذه العيون هما كلود سافارى وقسطنطين فولنى اللذين سبق قدومهما إلى مصر قدوم الحملة الفرنسية فكلا الرجلين ذهبا إلى مصر بغرض الاستكشاف وكتبا عن مصر، فالأول سافارى تعلم العربية وترجم القرآن الكريم وألف كتابًا بعنوان «رسائل من مصر» والثانى فولنى ألف كتاب « رحلة إلى مصر وسوريا».
هيأ الكتابان فى عقل نابليون صورة مصر التى يريد أن يبنى من خلال غزوها مجده وبالتأكيد وضع الكتابان المبرر الفكرى والمعنوى للأهداف الاستراتيجية والعسكرية للحملة الفرنسية وقائدها ووزع نابليون الكتابين على رجاله من أجل معرفة ما هم مقدمون عليه.
لم تكتف الحملة بالمقدمات المعرفية بل قام 175 عالمًا فى شتى المجالات صاحبوا نابليون فى حملته بوضع أضخم مصنف معرفى كتبته أمة عن أمة أخرى وهو كتاب «وصف مصر».
على الجانب الإنجليزى سنجد مثالين هما إدوارد وليام لين أو «منصور أفندى» أحيانًا وكتابه «المصريون المحدثون»، وأمياليا إدواردز الكاتبة والصحفية الإنجليزية والتى قامت برحلة امتدت من الإسكندرية حتى جنوب مصر عبر النيل من (1873ـ 1874) ثم أصدرت ما رأته ودونته فى كتاب بعنوان «ألف ميل فوق النيل» وعملت بعدها جاهدة على تأسيس مؤسسة باسم «صندوق استكشاف مصر» فى لندن وأصبح له فرع بالقاهرة فى السفارة البريطانية تزامنت هذه الكتابات أيضًا قبل الهجمة الاستعمارية على مصر واحتلالها من قبل بريطانيا فى 1882.
عندما نطل على هذه الكتابات حتى نصل إلى ما كتبه نيكوس كازانتزاكيس فى منتصف العشرينات من القرن العشرين وبين الفرنسى والإنجليزى واليونانى هناك العشرات من الرحالة يحملون جنسيات أخرى كتبوا عن مصر وأهلها.
هذه الكتابات لا تحمل فى مجملها إيجابيات عن مصر وشعبها ولكنها لا ترصد وجود هذه الثقافة التدميرية أو ثقافة الجراد عند المصريين.
مع بداية النصف الثانى من القرن العشرين وحتى الآن لم يعد هناك رحالة أو مستكشفون بل أغلب من أتى إلى مصر هم دارسون لتعلم اللغة العربية لينضموا إلى قافلة المستشرقين الأوائل وبعضهم دوّن ما شاهده وعاشه فى مصر فى كتابات تدخل فى نطاق أدب الرحلات هذا الفرع من الأدب الذى أصبح مستقلًا بذاته.
ترصد هذه الكتابات ظهور هذه الثقافة التدميرية ومثال عليها ما كتبه المستعرب اليابانى نوبواكى نوتوهارا والذى أتى إلى مصر فى منحة لاستكمال دراسة اللغة العربية فى العام 1974 وقضى فى مصر عشر سنوات على فترات وزار العديد من البلاد العربية وترجم عددًا من الأعمال الأدبية إلى اللغة اليابانية ولخص نوتوهارا تجربته فى مصر والعالم العربى فى كتابه  «العرب..وجهة نظر يابانية» الصادر عن دار الجمل فى العام 2003.
يرصد نوتوهارا فى كتابه هذه الثقافة التدميرية بوضوح على صفحات كتابه ومشاهداته والحكايات التى يرويها عن مصر والبلاد العربية فإن المحور الأساسى فى الكتاب هو دهشته من هذه الثقافة وتعامل المواطن مع كل ماهو عام بعنف.
يرجع نوتوهارا هذه الثقافة التدميرية إلى غياب العدالة الاجتماعية والخوف ثم العداء مع السلطة هذا هو تفسير المستعرب اليابانى نوتوهارا لوجود هذه الثقافة التدميرية، ويبدو تفسير المستعرب نوتوهارا سطحيًا ويدخل فى نطاق الأكليشيهات المحفوظة مسبقًا والسهلة من أجل تفسير ظاهرة فى مجتمع ما ولكن هو فى النهاية مستعرب وليس مطالبًا بتحليل نشوء الظاهرة وكشف أسبابها.
لماذا يبدو تفسير نوتوهارا سطحيًا؟ لأن أغلب الكتابات التى سبقته لم ترصد هذه الثقافة وحتى منتصف العشرينات على الأقل وبالتأكيد لم تكن مصر فى هذه الفترات ترفل فى نعيم العدالة الاجتماعية أو كانت السلطة حانية على المصريين فى هذه الأوقات فعشقوها بل على العكس كانت مصر فى فترات طويلة من هذه الأوقات واقعة تحت الاحتلال.
ذكرنا فى الأسبوع الماضى أنه رغم هذا الاحتلال لم يتوقف العقل المصرى عن إنتاج قيم الحداثة وتطور الأمر ليصبح هناك مشروعًا مصريًا واضحًا منفتحًا على العالم وحتى الانتكاسة التى تعرض لها فى العام 1967 لم تمنع الأمة من تصنيع عقل أكتوبر الذى استطاع استيعاب علوم العصر وتحقيق الانتصار.
عندما نستخدم أسلوب التحقيق فإن ثقافة الجراد التدميرية بالتأكيد لم تظهر فجأة وحتى عشرينات القرن الماضى لم تكن مرصودة ولكن المستعرب نوتوهارا رصدها بوضوح فى سبيعينيات القرن الماضى وما تلاها من سنوات وأصبحت جلية للدرجة التى جعلت صديقنا المستعرب يخصص لها جزءًا كبيرًا من كتابه وتثير دهشته.
نعود مرة أخرى لفكرة الأصيل والطارئ فى ثقافة المجتمع التى أوضحناها فى الأسبوع الماضى، فالأصيل فى المجتمع المصرى حسب الرصد الذى قام به الرحالة والكُتّاب الأجانب حتى منتصف القرن الماضى على الأقل هو سلامة عمل العقل الجمعى المصرى وعدم ميله لثقافة الجراد أما الطارئ فتلك الثقافة التى رصد ظهورها نوتوهارا مع بداية السبعينات.
ما الطارئ الذى طرأ على المجتمع وأصاب العقل الجمعى المصرى بهذه الثقافة التدميرية ؟ عندما تطرح هذا السؤال ستجد أن الطارئ الوحيد الذى لوث أصالة المجتمع هو ظهور فيروس جماعات الفاشية الدينية سواء بشقيها الإخوانى أو المتسلف.
فمع نهاية العقد الأول من القرن العشرين بدأت ظهور أفكار المتسلفة وجمعياتهم وفى الوقت الذى كان يقوم فيه نيكوس كازانتزاكيس برحلته إلى مصر كان الفيروس الأخطر يبدأ فى الظهور والتشكل ممثلًا فى جماعة الإخوان الفاشية.
هذا الفيروس الفاشى هو الطارئ الذى طرأ على المجتمع ولوث الأصيل فيه وقد تم رصد تأثيرات هذه الفاشية الدينية على مستويات عدة منها السياسى وبعض النواحى الاجتماعية ولكن التأثير والسؤال الأخطر هو كيف استطاعت بشرها نقل عدوى التدمير للذات والمنجز إلى عقل المجتمع؟ فى محاولة أن تجعل هذا التدمير هو الأصيل والعمران والبناء هو الطارئ، تستلزم الإجابة عن السؤال تفكيك آليات عمل هذا الفيروس الفاشى الخطير الذى تسبب فى نشوء ثقافة الجراد ومن خلال فهم آليات عمله تبدأ المواجهة للقضاء عليه وعلى ما سببه من أضرار أصابت المجتمع.

 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook