صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أنا بنت عبدالناصر

29 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتبت: فريدة الشوباشى

عشتُ طفولتى فى مدينة حلوان، ورُغم فقدان أبى لعمله الذى كان يوفر له دخلًا وفيرًا، لدرجة أننى وأشقائى كنا ندرس فى مدارس فرنسية ومكلفة بمقياس الأربعينيات والخمسينيات، فقد أصَرّ أبى أن نظل فى حى عين حلوان؛ حيث الطبقة الأرستقراطية وكذلك الطبقة المتوسطة، الميسورة الحال، رُغم ضيق ذات اليد،، غير أن بقاءنا فى هذا الحى جعلنى أطرح على نفسى، رُغم صغر سِنّى، أسئلة احترتُ فى العثور على إجابات لها.

 من بين هذه الأسئلة، لماذا مثلًا، غير مسموح لى بالسير على رصيف مسكن الباشا الذى كان يقطن فى نفس شارعنا؟! ولم يستوعب عقل الطفلة التى كنت وقتها، أن يحرمنى البعض من السير بحُرية فى شارع عام.. وفى أعقاب ثورة يوليو، اتخذ مجلس قيادة الثورة قرارًا بإلغاء الألقاب، كان أول صدى لهذا القرار المهم زغرودة مدويّة من أمى، زغرد معها قلبى بقوة، وكان أول سؤال طرحته عليها هو: هل سيمكننى يا أمى، السير على الرصيف المقابل حيث مسكن الباشا؟
  الجواب كان بنعم وبفخر، وبأننا أصبحنا جميعًا مواطنين متساوين فى الحقوق والواجبات. كان إلغاء الألقاب بالنسبة إلىّ أول ما جذبنى لثورة يوليوـ وأخذت أتابعها رُغم صغر سِنّى إلى يوم تأميم قناة السويس، عام ١٩٥٦، وكنت فى الثامنة عشرة من العمر، ولن أنسى كيف حَلّق بى صوت جمال عبدالناصر إلى أعلى سماء وأنا أصفق بحماس بالغ بجوار الراديو، وأرى مظاهر الفرح والاعتزاز بالقائد ترتسم على ملامح أبى وأمى وأشقائى، رُغم أننى كنت أكبرهم سِنّا.
هربَ أخى الذى كان يصغرنى بعامين ونصف العام من المنزل وعصف القلق بأمى، التى طالبت أبى بالبحث عن « الولد» .. خرج أبى رُغم حالة الطوارئ إبان العدوان الثلاثى الذى شاركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. بعد نحو ساعة- حيث كان يمكن قطع الحى من شرقه إلى غربه فى نحو ساعة واحدة- عاد أبى وحيدًا.. سألته أمى بلهفة: إيه، ما لقتش الواد؟
رد أبى: لقيته.. واصلت أمى، طيب ما جاش معاك ليه؟!
رد أبى: أصله اتطوع فى المقاومة الشعبية، فى مدرسة حلوان الثانوية وادّعى أن عنده ١٨ سنة علشان يقبلوه.
دقت أمى بلوعة على صدرها وهى تصرخ: أحسن الواد يموت.. نهرها والدى بشدة وهو يقول بحسم: ما يموت، هو أحسن من اللى بيموتوا فى سينا؟!
أول درس
كان هذا أروع درس فى الوطنية أتلقاه فى حياتى.. بعدها ألقى عبدالناصر خطابه التاريخى فى الأزهر الشريف؛ حيث أقسم من فوق منبره، بأننا سنقاتل، ولن نستسلم، وقال بأعلى صوت: لقد وُجد من فرض علينا القتال، ولكن لن يوجد من يفرض علينا الاستسلام.
 وخرجت الجماهير؛ خصوصًا فى مدن القناة الباسلة، وبورسعيد بالذات، تواجه المعتدين بجميع الوسائل، وأكثرها بدائية، لكن سلاح الإيمان بالوطن وبالقائد البطل، كان حاسمًا وهزم الأعداء.
وهنا تجدر الإشارة إلى واقعة زلزلت ثقة الأعداء فى قوة وقدرة أسلحتهم، والملوك فى عروشهم، إذ خرجت الجماهير العربية الثائرة فور انتهاء عبدالناصر من خطابه، وفجرت أنابيب النفط من المحيط إلى الخليج.  شعبية عبدالناصر الطاغية أصابت جميع أعداء مصر بالهلع؛ لأن قوة الرجُل كانت تكمن فى إيمان الشعب المصرى والعربى بصدقه، كما أصبح عبدالناصر أيقونة لشعوب العالم الثالث، ولا ينسى جيلى ما قاله الثائر الأسطورى تشى جيفارا للزعيم الخالد، لدى لقائهما: كان انتصاركم فى بورسعيد أملنا ونحن نحارب فى الجبال.
أب فى الثلاثين
 رُغم أن زعامة عبدالناصر بدأت وهو فى الثلاثينيات من عمره، فقد سكن الشعب المصرى أساسًا، شعور شبه يقينى، بأنه «الأب»، وكانت كل خطوة من خطواته وكل إجراء يتخذه، يعمق الشعور العام بأبوته، فما بالك بمن كانوا فى سِن الشباب.. وقد لا أبالغ إذا قلت إننا كنا ننتظر فى كل يوم مكسبًا جديدًا لوطننا مع قائد لا يهاب الموت، ولا يحنى رأسه لقوى لاستعمار، الذى هاله وجود زعيم مصرى لا ينصاع لأوامر الأعداء، ولا يرضخ لمطالبهم، فى الداخل أو فى الخارج.
زعيم يلبى مطالب شعبه ويعمل جاهدًا على رفعة شأن الوطن، وكرامة المواطن.. وهو ما يفسر هول حجم مؤامرة عدوان ١٩٦٧، التى ظن الأعداء أنها ستسدل الستار على حقبة أقضت مضاجعهم، وطى صفحة عبدالناصر ويوليو إلى الأبد.. لكن الشعب المصرى أفسد كل الحسابات العدائية، وخرج بالملايين عقب خطاب التنحّى الذى ألقاه عبدالناصر مساء التاسع من يونيو، تطالبه بالبقاء وهى تردد هتافات من القلب: «مكتوب على قلوبنا.. عبدالناصر محبوبنا، مكتوب على سلاحنا..عبدالناصر كفاحنا، احنا الشعب أصحاب الحق، لأول مرة نقول لك لأ».
وأيضًا، لأنور السادات الذى كان رئيس مجلس الشعب: «أنور أنور يا سادات، احنا اخترنا جمال بالذات».. كان إذن انتخاب بالإجماع، والأهم أننا «هزمنا الهزيمة»؛ حيث كان مساء التاسع من يونيو أول خطوة فى طريق العبور، وأول يوم فى حرب الاستنزاف، التى وصفتها إسرائيل بأنها: أطول وأشرس وأوجع حرب خاضتها إسرائيل مع العرب.
 أعتقد أن شعور المصريين خاصة، والعرب عمومًا، بأن عبدالناصر أب للجميع حتى لمن هم فى مثل عمر أبيه، إنه فى يوم استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض، كان الشعور السائد أن مصر فقدت ابنها، لكنّ أباها لايزال موجودًا.
ولذا كانت الفجيعة الكبرى يوم رحيله.. فمن ينسى أنشودة، يا جمال يا حبيب الملايين، ثورتك ثورة كفاح عشتها طول السنين، والملايين تردد كالرعد: يا جمال..!!
 وقد قرأت دراسات عديدة أثناء عملى بالخارج عن شعبية عبدالناصر، وأن جنازته تُعد حتى الآن أكبر جنازة فى تاريخ البشرية، وفيها الرد على مَن يدّعون أن الاتحاد الاشتراكى هو مَن «أمرنا» بالنزول فى يونيو، وإذا ما كان الاتحاد الاشتراكى هو أيضًا من جعل الملايين يذرفون بدل الدموع دمًا يوم الرحيل.  ولاأزال فى هذه السِّنّ المتقدمة أعتبر نفسى، ابنة عبدالناصر، وأشعر بالفخر لذلك وأستشهد على أنه لايزال يؤرق أعداء الحرية والمساواة والعدل والكرامة، تلك الحملات المسعورة الضارية التى لم تتوقف ضد عبدالناصر ومشروعه الوطنى الأصيل، بعد نصف قرن من رحيله إلى الرفيق الأعلى، وقد نظم شعراء، تم اعتقالهم فى الحقبة الناصرية، أروع القصائد فى مآثر الزعيم الخالد، بعد عقود من رحيله، منهم أحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن الأبنودى وكما قال الشاعر العربى الكبير نزار قبانى: «تضيق قبور الميتين بمن بها.. وفى كل يوم أنت فى القبر تكبر».



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook