صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أبُوّة تتجاوز المكان والزمان

57 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتبت: لطيفة يوسف

 كانت تحكى وتحكى، حديثها الهادر عن زمن الحرب والمقاومة.. التهجير والحصار.. ذكريات طفلة شديدة الحساسية وتجربتها شديدة القسوة..  تملأ المشاعر حديثها، وكنت أبكى كلما تدفقت فى الحديث.. وأعتذر وأبكى مجددًا.. إلى أن ذكرت لى مشهدًا زارت به صديقها جورج حبش «الحكيم» فوجدت لديه صورة معلقة على الحائط لناصر.. جمال عبدالناصر.. دمعت عيناها لأنها تحتفظ كذلك بصورة له ببيتها فدمعت عيناه لدموعها.. ثم قال: «أين نحن وذاك الزمان؟!..».

كان الحديث يلمس روحى لما يخص ناصر، ويمس قلبى لما يمس فلسطين والعروبة، الوطن ، كرامة الإنسان وقضايا الحرية..
لطيفة يوسف هى.. فنانة تشكيلية فلسطينية، من مواليد بلدة أسدود، عاشت بمخيم خان يونس بقطاع غزة.. درست التربية الفنية وعملت بالتدريس ببداية حياتها العملية بدول خليجية ثم انضمت للعمل بمنظمة التحرير الفلسطينية بتونس.. ومنذ عام ٢٠٠٢ تعمل كمندوبة دائمة لدولتها لدى جامعة الدول العربية بالقاهرة كمسئولة عن ملف الأسرة والطفل، لها مشاركات عديدة بمعارض فردية وجماعية وأسلوبها الفنى الخاص منحها جوائز عدة..
«مصر، وحياتى بها تجاوزت عشرين عامًا.. كان حلمًا.. لن أتحدث عن  تاريخها فكلنا نعلم.. مصر بالنسبة لى المكون الإنسانى.. قيمة الإنسان وقيمة الحُرية..
عشت بالمخيم، عشت به مثل كل طفل فلسطينى هناك.. ولكن مشاعرى لم تكن كأىّ من الأطفال.. كنت أنظر لأبى وأصدقائه من الفلسطينيين والمصريين.. رجال كبار وأنا صغيرة بأعوامى الأولى أصحبهم على الدوام.. أستمع أحاديثهم وأسأل عن الكثير.. كانت وكالة الإغاثة الدولية «الأونروا»  ترعى اللاجئين بجوانب التعليم والثقافة والرعاية الفنية.. وجاءوا لنا بأفلام سينمائية مصرية وأجنبية.. كنت أرى عالمًا بالسينما مغايرًا لما يحيط بنا، بيوت كبيرة وأسرة وأشياء وأشياء، أسأل لِمَ لسنا كأولئك الناس؟!، يجيبوننى بأننا فى حرب وحصار وتهجير.. لاجئون.. نحن لاجئون!
كنت أكبر إخوتى ولكنى صغيرة، كلمات كتلك جعلتنى أنتبه،  أكبر وأهتم، علمت من أحاديث أبى ورفاقه الكثير.. واستمعت معهم للأخبار علمت أننا بنكبة وهجرة، إلى أن جاءنى ذاك الصوت، صوته الذى يصنع عالمًا كاملًا، صوته جعلنى أحلم، أحيا بنا الأشياء التى كانت ستموت بطفولتنا، كنت أعلن موقفى أو رأيى بذاك الوقت لم يكن موقفًا بعد، دائمًا كنت أعلن ارتباطى وانتمائى به.
فى ٥٦ وخطاب التأميم لقناة السويس، كنت بعمرٍ بين الثامنة والتاسعة، تلك لحظات لا توصف، شعرت بالنضج، كنت أستمع وأبى وأصدقاؤه، كم كبرت فى تلك اللحظات لا أعلم كان شعورًا مفاجئًا، غمرتنى النشوة، شعور غريب رُغم بكاء غالبيتنا، شعرنا بالزهو بالانتصار.. أخيرًا إنسان وطنى، رجُل مخلوق من الحرية والكبرياء، زعيم بهذه الصورة عزيز على الجميع.. حتى الزمن!
مغامرة وسط الحرب
لم تلبث الحرب أن اشتعلت بعد ساعات عدوان ثلاثى على مصر القناة ونحن أيضًا.. حدثت مجازر.. كان الجنود يقتلون الرجال والشباب.. الأشد قسوة  الفرنسيون والإسرائيليون كانوا يفعلون ذلك بكل عنف أمام الأطفال والنساء.. أمّا الإنجليز فكانوا يوقفونهم صفوفًا بالخارج ويقتلونهم.. القتلى فى كل مكان.. والضرب عشوائى وبكل وقت.. وأبى مفتش صحة فكان يساعد لإنقاذ ما يمكن.. جاء صديق له ضابط مصرى اسمه إبراهيم، ارتدى من ملابس أبى وصحبناه أمى وإخوتى وأنا لنوصله للبحر ليتمكن من الإبحار إلى مصر بسفن الصيد الصغيرة لموانئ دمياط وبورسعيد.. خفنا عليه وكنا نجرى معه يحمل إخوتى ونجرى.. سقط حذائى ولم أشعر.. وشوك نباتات الصحراء البرية تلك كان يجرح قدمَى ولكن الخوف كان أكبر.. أشعر بالألم إلى الآن.. تلك الأشواك لم تخرج من قدمَى طفولتى أبدًا.. إلى أن وصلنا للبحر رأينا الكثير.. الكثير..!
كانت أيامًا صعبة.. حظر تجوّل ويأتى صوت الجنود بالميكروفونات لخروج الرجال والشباب يقتلون منهم مَن شاءوا ويتركون مَن شاءوا.. يتكرر هذا المشهد كل يوم أو يومين.. وحين انتهى الضرب العشوائى بدأنا نبحث عن موتانا لندفنهم.. فى الوقت نفسه كان العيد.. دائمًا كان هناك عيد يأتى!
أول الأشياء كنا نذهب للمقابر نبحث عمن نعرف من جيران وأصدقاء ثم المراجيح.. التى تقع دائمًا أمام المقابر!
لا أعرف لماذا كل تلك المفارقات.. لم أكن من أولئك الأطفال السعداء باللعب.. كنت أجلس غارقة بالتأمل وتذكر وجوه وأسماء الذين زرناهم بمقابرهم توًّا كم كانت وجوههم جميلة!
أتأمل وأتأمل بأشياء كثيرة بعيدة وقريبة.. وإلى الآن أبحث عن طفولتى الضائعة.. ألعابى وضحكاتى التى لم أعشها.. صورة قاتمة لولا نافذة الأمل تلك الآتية من صوته.. ولما كانت تأتينا جريدة الجمهورية كنت أتأمل صوره.. لا مطابقة لنبرات صوت ورنينه  وما يحمل من ضمير وشموخ ومبادئ إلا كتلك التى وهبها له الله.. كنت أراه نسرًا..
أستمع لخطاباته، فهمت منه الكثير.. كنت أفهمه، كان  يكلمنى ويعرفنى أنا.. يشعر بإحساسى يعرف ألمى، يعرف كيف أنام وأبكى.. بصوته أشعَرنى أن هناك أملًا.. وبإمكانه أن يتحقق.. كنت أكبر وأشعر أننى أهم بنت بجيلى، وكنت فخورة بحبى له.. أكتب كل ما يقول.. أجلس بجوار الراديو وأكتب كلماته لأحتفظ بها وأحفظها.. كان معلمى ومنقذى.. والذى منحنى الحلم..
كبرت وأدركت أنه من دون حلم يموت الإنسان وتنتهى الحياة.. وعرفت أنه منحنى حياة كاملة ليس فقط أملًا بالحياة.. من دون حلم التحرير وإيمانى بقدرته على تحقيق ذلك الحلم كيف كنت لأشعر بالإنسانية.. بالكرامة.. من دون وطن لا يمكن لإنسان أن يكون كريمًا.. الوطن هو كرامتنا..
عشت طفولتى ومراهقتى وكل من يرانى يعرف كم أحبه وأنتمى إليه.. أحب أن أخبر الجميع.. أتحدث عنه كمن يعرفه شخصيّا.. بالنسبة لى كان هو من تمنيت وجوده وقد وجدته!
لطالما تأملت صباحًا ومساءً شجرات الياسمين والليمون والبرتقال.. الشجرات التى احتفظ كل بيت بالمخيم بزراعتها أمام بيته.. أتأملها وأسأل نفسى كيف الأشجار لو كانت لدينا بيوتنا.. كم كانت ستكون وكيف!؟ 
وكيف كان ذلك الصوت أو حتى تذكره.. يأتى بنسمات الياسمين ليلًا ..ازدهر و تزدهر الحياة من حولى ويتبدد الظلام.  وأشم روائح مبهجة لروحى.. أقول لنفسى إن هناك شيئًا جديدًا.. أحلم وأصدق الحلم..!
قد أبدو مبالغة أو شاعرية للغاية.. ورُغم ذلك لا أجد ما أعبر به عمّا أشعر حقًا.. أظلم نفسى لو تصورت أنى أقدر على وصف تلك الأيام..!
الاستنزاف ..انتصار دون إعلان
بخطبته من جامع الأزهر أثناء حرب ٥٦.. كان أبى يبكى وأنا خجلة من البكاء.. بكيت لدموع أبى وأدركت كم أن الوضع صعب.. فرحنا بالوحدة بين مصر وسوريا، بكينا من شدة الفرح.. ومن شدة الحماس بصوته.. فرحنا بالقومية والعروبة التى تُوحدنا معًا والتى جاءت مع جمال عبدالناصر ورحلت معه.
أثناء حرب الاستنزاف كنت أعمل حينها بالبحرين.. بدأت أنضج وانضممت للجبهة الشعبية للتحرير.. ومنها كبر فخرى بعبدالناصر.. فالاستنزاف هى الحرب التى انتصرت بها  مصر دون  الإعلان بأنها حرب.. ولولا دعم أمريكا اللا معقول لإسرائيل كانت سقطت من زمان!  كل ضربة من الجيش المصرى كانت رسالة وعلامة انتصار كبيرة وقامت عليها أكتوبر..
صورة الضباط الأحرار التى كانت بمنزلنا وصور عبدالناصر التى انتشرت بغالبية بيوتنا وبيوت العرب.. لاتزال لدى صورته فى بيتى إلى الآن.. هو الحلم.. نقطة خلاص.. عاش صوته  يجدد بى الحلم.. ومَهما كانت حالتى يمنحنى حلمًا وينعش وجودى.. إلى الآن..
أحببت أصدقاء أبى المصريين؛ لأنهم من مصر مثله.. ونظرت لأبى وأصدقائه نظرة احترام كبير وسمو كونهم رجالًا مثله.. دموع أبى أثناء استماعنا له كانت عزيزة على قلبى.. كنا نجتمع للاستماع لأم كلثوم كذلك.. لا شك أنه خَلق حالة من العزة رُغم كل ما عانيناه وانعكست شخصيته الآسرة على كل الرجال.. فكان زمنًا آخر له رجاله..!
يوم الوفاة كدت أرى قلبى يخرج من صدرى ألمًا.. لم أصدق.. ثم اختفى الصوت شيئًا فشيئًا..!
الآن وبعد كل تلك الأعوام أعيد مشاهدة الخطابات المصورة وأضم الصورة للصوت.. يا لها من سعادة!
أحِسُّ  بالسعادة والفخر والإعجاب لاندفاعى العاطفى الكبير لإنسان له كل هذا القدر من الصدق والكبرياء.. الحرية والسعة..».
إذا لم يجد الإنسان إلّا الحرية فقد عثر على كل شىء.. بالحرية وجد نفسه ووجد الله.. ووجد طريقه للخلاص دائمًا..
إلى جمال الجميل حقّا.. بل الجميل جدّا.. الذى سكن قلبى منذ سمعتُ صرخته حين أطلق عليه الرصاص بحادث الإسكندرية الشهير.. صوته الجريح الذى ظل يصرخ «أيها الرجال فليبقَى كلٌّ فى مكانه..  أيها الرجال.. أيها الرجال»..



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook