صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عندما تَغير وجه سوريا

30 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتبت: ميساء شيخ حسين


أذكر أن وفاة جمال عبدالناصر كانت حدثًا جللًا فى مدينتى دمشق، وكانت بداية معرفتى بالرجُل الذى غيّر حياة الكثير ممن حولى،على مائدة السحور فى ليلة خريفية باردة من عام 1970، رن الهاتف فى بيتنا، ردت أمى،  وجم وجهها ، قالت: عبدلناصر مات..

أكملت الأسرة سحورها بصمت، كنت طفلة فى ذاك الوقت عندما تسللتُ لأشارك الكبار سحورهم، أنظر إليهم دون أن أفهم مَن هو عبدالناصر هذا ولماذا أطبق الصمت على الأسرة؟.  فى اليوم التالى انطلق الناس فى الشوارع يشيعون عبدالناصر غيابيّا، يحملون صورًا بالأبيض والأسود، ولوحات مرسومة على قماش تحمل وجهه وهو ينظر إلى البعيد، كنت فى السادسة تقريبًا، ومازالت صورة المسيرات الشعبية والجموع الغفيرة التى اجتاحت الشوارع يومها، واضحة جلية فى ذاكرتى.
من يومها بدأت أميز وجهه فى صور متعددة، وجدنها معلقة فى بيتنا بالأبيض والأسود لمجموعة من الرجال بينهم أبى،  صور له فى زيارة المصنع، وصور له يُلقى خطابًا فى مجموعة من الطالبات بينهم أمى.
عرفت فيما بعد أن شقيقتَى أمى الصغيرتين كانتا قد درستا  سنة فى معهد التربية  الرياضية فى القاهرة، والدتى كانت من أسرة دمشقية محافظة نوعًا ما، ولكن هذه الأسرة أرسلت بناتها للدراسة فى بلد آخر، خارج أسوار مدينتهم، وذلك بسبب الثقة الكبيرة التى منحها السوريون لبلد فيها زعيم مثل عبدالناصر يمجد العلم والعمل.
ذهبت خالتاى الاثنتان إلى القاهرة وعادتا لتنخرط إحداهما فى سلك التعليم كمُدرسة تربية رياضية، والثانية لتتزوج وتبقى تزدرد الحلم الجميل الذى عاشته عامًا كاملا فى القاهرة؛ حيث الفن والرياضة والثقافة والانفتاح. وجمعتنى مقاعد الدراسة مع الكثير ممن كانوا أبناء وبنات لسيدات سوريات وضباط مصريين  والعكس، كانت  فترة  الوحدة مجالا  لتبادل الخبرات العسكرية بين الإقليمين..  ورُغم انتهاء هذه الوحدة دراماتيكيّا، وحدوث الانفصال قبل ولادتى، فإن هذه الوحدة ومفاهيمها  بقيت حية فى القلوب والعقول، وشكلت مفاهيمى الأولى عن السياسة والقومية العربية وحتى فى الاشتراكية. ولم يكن غريبًا على السوريين الذين جاءوا إلى مصر هربًا من الحرب الأهلية 2011، أن تجد العجائز منهم يطلبون زيارة قبر عبدالناصر لقراءة الفاتحة، وذلك لأنه ترك أثرًا عزيزًا فى قلوبهم لم تمحه عشرات السنين.
من دمشق.. هنا القاهرة ..
صدحت إذاعة دمشق بصوت إذاعة القاهرة بعد ضربها أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 56، فى تعبير استثنائى عن التلاحم بين السوريين ومصر والذى كان ممتدًا اجتماعيّا لفترات طويلة فى الزمن، رُغم عدم وجود حدود مشتركة بين البلدين.  ربما كان  الموقع الجغرافى سببًا فى تعاقب التحالفات بين بر الشام وديار المحروسة، ولكن النسيج الاجتماعى والترابط الصناعى والتجارى لم تنقطع أواصره على اختلاف السياسات التى حكمت المنطقتين. ولايزال المؤمنون بالقومية العربية، على قلتهم فى هذه الأيام ، يدينون لجمال عبدالناصر بتحقيق مفهوم  القومية وغرسه فى قلوب الملايين من العرب  بشكل عام والسوريين بشكل خاص. ولكن العلامة الأبرز فى تاريخ العلاقة  الحديث كانت «الوحدة» التى جمعت بين البلدين عام 58 بقيادة جمال عبدالناصر وشكرى القوتلى فتحولا إلى إقليم شمالى وإقليم جنوبى.
قبل الوحدة، كانت سورية جمهورية ديموقراطية  تنتخب رئيسها المرشح عبر كتل برلمانية وتباينات أحزاب متنوعة،  ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار تحركها مصلحة الوطن، وكان شكرى القوتلى رئيسًا منتخبًا توافقت عليه تلك القوى السياسية، التى كانت تمثل الشعب فى البرلمان، ورُغم الانقلابات  الكثيرة التى عقبت الانفصال فى سورية، فإن صورة عبدالناصر صمدت على جدران البيوت الدمشقية، والمحافظات الأخرى كرمز للعزة والكرامة،  حتى الأسر التى تضررت من سياساته سواء التأميم أو السطوة الأمنية الضاغطة التى مورست عليهم أيام حكومة الوحدة والاعتقالات.
 أفكار عبدالناصر حررت الثقافة
خطابه المؤثر والكاريزما القوية أحدثت تغييرًا فى المجتمع السورى المغلق سياسيّا بشكل عام، وطفت على السطح كل النخب المتحررة فنيّا وثقافيّا، وأتاح التبادل الثقافى والفنى ظهور أعمال فنية مشتركة، وحصلت زيجات فنية شهيرة، وبدأت الروايات والأفلام والأغانى تكرس فكرًا جديدًا ينتشر مع انتشار التليفزيون والإذاعة مع  الموجة الفكرية التى رافقت فكر ثورة 23يوليو، والتى كسرت تابوهات التراتبية الاجتماعية وخلطت بين الطبقات وظهرت طبقة جديدة من الضباط ذوى المنبت القروى الذين اقتحموا الأسوار الاجتماعية كضباط  يمتلكون سُلطة ومستقبلا واعدًا،  وفتحت لهم أبواب البيوت العريقة فتمت الزيجات المختلطة  بين الطبقات المختلفة.
إن الثورة  التى قام بها ضباط عسكريون مصريون  لتغيير نظام مَلكى وللتحرر من الهيمنة البريطانية، ربما كانت السابقة التى استندت إليها كل الثورات العسكرية التى حدثت فيما بعد، والتى غيرت وجه سورية الوطنى المغلق على البورجوازية الوطنية، لينفتح أمام أبناء العمال والفلاحين ويقدم لهم نموذجًا سياسيّا، لأبناء فلاحين وعسكريين قاموا بتغيير وجه الحُكم فى بلادهم ومهد لقيام ثورة آذار فيما بعد، واستلام الجيش دفة الحُكم من قبل الحزب الواحد، حزب البعث.
عبدالناصر كان عَلمًا فى تاريخ السوريبن سواء اتفقنا معه أم لا، وفتح  صفحة جديدة فى أنظمة الحُكم التى استمرت حتى الآن.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook