صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عبدالناصر.. صورة من زمانى

67 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتب: ماجدة موريس

مضت رحلتى معه كالسيناريو السينمائى، صيحات من داخل البيت وخارجه تطالبنا بإغلاق مصابيح المنزل (طفّوا النور)؛ لأن هناك غارة جوية من الأعداء، فى إحدى المرّات كنتُ مع والدى فى مشوار وعلى وَشَك الوصول للمنزل، لكن صافرات الإنذار دوّت فلجأنا إلى جدار أقرب منزل، لنجد من يجذبنا إلى الداخل، البدروم ..، وعدد آخر من الناس سبقنا إليه ليحتمى من الغارة، وبعدها انصرفنا جميعًا وفى عيوننا، وعلى ألسنتنا كلمات الدهشة.

لقد رحلتْ بريطانيا بعد احتلال طويل لمصر فكيف ولماذا تعود الآن مع قوات فرنسا وإسرائيل بحُجة تأميم قناة السويس؟!
كانت هذه الغارات، والكلمات الحماسية التى عبر بها الرئيس الجديد، جمال عبدالناصر، عضو مجلس قيادة الثورة التى قامت، وأنهت الحُكم المَلكى لمصر برحيل الملك فاروق وإعلان الجمهورية، كانت أشبه ببيانات فصيحة عن ما يحدث، ولقد تقبلتها وأنا هذه الطفلة التى تذهب إلى مدرستها الابتدائية، فى حى محرم بك بمدينة الإسكندرية، ولكننى لم أدرك تمامًا ماذا تعنى كلمات عبدالناصر وقتها، وإن تفاعلت معها حماسيّا؛ خصوصًا حين بدأ يخاطبنا ويؤكد على أننا- المصريين- سنقاوم هذا العدوان الثلاثى الغادر. من يومها أعطيتُ مشاعرى للرئيس، الذى أصبح زعيمًا، وكلماته المستمرة عن الأحلام الضرورية لنا كبَشر، الحرية والاستقلال، والعيش بكرامة، والعدالة والمساواة، ورُغم تحفُّظ والدى العزيز على بعض أفكار الرئيس، فإنه كان منفتح العقل، لم يجعل تجربته الخاصة- كموظف أممت الشركة التى يعمل بها، وسافر أصحابها رؤساؤه إلى فرنسا مهاجرين، وجاء آخرون يديرونها لا يعرفون كفاءته- تؤثر فى تسامحه مع حبى للرئيس عبدالناصر، واستمر فى التعامل معى ومع إخوتى دون أن يُشعرنا بما حدث له من ضيق مادى.
كانت الحياة أكثر بساطة، والأحلام الصغيرة ممكنة، فى ظل رئيس حرص على أن يحقق التعليم العام أعلى مستويات الجودة، ورُغم وجود مدارس أجنبية محدودة، هى مدارس الراهبات وقتها، فإننى اكتشفتُ أن مدرسة الحكومة هى الأفضل بالنسبة لمَن لديه شغف بالقراءة والموسيقى والألعاب مِثلى. ومضت الأيام وأصبح جمال عبدالناصر النموذج الذى يدهشنا دائمًا بحرصه على الجميع، الطلبة والطالبات، والفلاحين، والعمال، أصبح أقرب للأب وتجاوز صفته الرسمية.
إحسان والفن وحرية المرأة
فى تلك الأيام، بدأت أقرأ لإحسان عبدالقدوس رواياته التى كانت تُنشَر على حلقات فى مجلة «روزاليوسف»، وتثير غضب البعض من أهل التزمت لدعوتها لحرية البنت، ورُغم كتاباته السياسية عن حرب    ١٩٤٨وصفقة الأسلحة الفاسدة؛ فإن إحسان الروائى ملأنى بالشغف ولفت نظرى إلى قضايا المرأة؛ خصوصًا بعد أن تحولت بعض رواياته المهمة إلى أفلام، وبعد أن أصبح المسرح أكثر انتشارًا. وعلا صوت عبدالحليم حافظ الصاعد مع صلاح جاهين وكمال الطويل والموجى فى أغنيات جديدة علينا حول مصر، وجمال، فى إطار غناء وموسيقى مختلفة عمّا يقدمه عبدالوهاب وأم كلثوم والسنباطى، وهذا الجيل من المبدعين الكبار الذى سبق عصر عبدالناصر، لكنه أحبه مثلما أحبه المستمعون مِثلى.  فى هذا الزمن، أصبح الفن كالماء والهواء، فسمعت عن (أكاديمية الفنون) التى تضم مجموعة معاهد للسينما والمسرح والباليه، ثم النقد الفنى، ولَم أكن أدرى وقتها أننى سوف أتوجه لاختبارات القبول فى معهد النقد الفنى، بعدما أنهيت دراستى بقسم الصحافة بجامعة القاهرة، ولَم أتصور جمال وبراح الدراسة بهذا المعهد إلّا بعد تخرجى فيه، وتأثيره على الأفلام التى واظبت على مشاهدتها فى (نادى سينما القاهرة)، وبعد ذلك على مسلسلات التليفزيون الذى كان قد انطلق بثه فى بداية الستينيات. كان ناصر، الأب والزعيم- مع كل مشاغله- محبًا للثقافة، شغوفًا بالفن، مؤمنًا بأهميته فى بناء وجدان الإنسان، ولهذا امتلأ زمنه بأوعية الثقافة مثل مشروع قصور الثقافة فى كل المحافظات، والمؤسسة العامة للسينما التى تنتج ما لا يقدر عليه (أو ما لا يريده) المنتجون الباحثون عن الربح أولًا، حتى التليفزيون كان عليه أن يقدم للناس كل أنواع الثقافة، ويدعوهم لحياة أرقى.
تمردنا على الأب وتألمنا لفراقه
ومع ذلك كله، فلم يغفر هذا للأب- الزعيم هزيمة يونيو ٦٧، وخرجنا نتظاهر من مبنى نقابة الصحفيين، وبعدها خرجنا من جديد للاحتجاج على أحكام قيادات الطيران التى رأيناها هزيلة عام ١٩٦٨، وتحملنا وقتها، حصار الأمن عند منطقة الإسعاف قرب النقابة، ولكننا لم نتحمل أن نسمع أن عبدالناصر رحل، هكذا انتشر الخبر سريعًا وأنا فى جريدتى الجمهورية. كان الوقت منتصف النهار، والعمل يسير بوتيرته المعتادة حين بدأ الخبر كإشاعة، ثم أصبح شبه حقيقة ذات يوم من أيام سبتمبر عام ١٩٧١، خرجت جريًا من عملى وكيانى يرتعش، غير مصدقة أن عبدالناصر رحل، أو أنه لن يكون موجودًا.
 حين وصلت إلى ميدان رمسيس، أدركت أنها الحقيقة، فقد تداخلت مع أفواج من البشر قادمين من كل مكان فى مصر، والكل حزين، ملتاع وكأنه فقدَ أباه وليس رئيسه، كأن أبانا قد رحل دون مقدمات، وترك لنا معنى اليُتم، الذى لم يرحل لفترة طويلة بعدها.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook