صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عقدة قتل الأب!

29 مشاهدة

24 يوليو 2019



كتب: عز الدين نجيب

 ما أكثر الخلافات بين الساسة والمحللين عند تقييم تجربة جمال عبدالناصر كنموذج للحُكم شَغل العالم كله حتى رحيله المفاجئ عام١٩٧٠.. بين كونه عند البعض زعيمًا وطنيّا وتاريخيّا قضى على الاستعمار والطبقات المستغلة للشعب، وحقق العدالة الاجتماعية، والكرامة الوطنية للمصريين، وأسّسَ مفهوم القومية العربية ومشروع الوحدة بين بِلدان العرب، وقاد نضال شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية للتحرُّر الوطنى من الاستعمار.

وبين مَن يراه ديكتاتورا عسكريّا قَتَل الحُرية والحياة الديمقراطية فى مصر وأدّى إلى انهيار الاقتصاد الوطنى باسم الاشتراكية، وانتهَى ببلاده إلى هزيمة عسكرية مذلة بسبب غطرسته وغروره وفشله السياسى والعسكرى، وإقصائه لكل المختلفين معه.
ومع ذلك قد لا يختلف اثنان على شخصيته الكاريزمية التى لعبت دورًا مُهمّا فى توحيد القلوب حوله، من شعبه أو من شعوب العالم الثالث على مدى ١٨ عامًا ،هى كل سنواته فى الحُكم، لقد احتل بهذه الشخصية مكانة فى وجدان الشعب ومظاليمه وكادحيه (مِلح الأرض) قبل غيرهم؛ لأسباب مفهومة تتعلق بانحيازه المطلق إليهم وتمكينهم من أرضهم ومُقَدراتهم، مُكللين بالكرامة والعزة والقدرة على مواجهة مَن أذَلوهم دهورًا.
وحتى المختلفين معه من بعض السياسيين لم يكونوا يخفون إعجابهم بشخصيته شديدة القوة والتأثير، حتى وهُمْ خلفَ أسوار سجونه، فى مقابل كُثُر آخرين بالطبع كانوا يحقدون عليه ويتمنون زواله من الوجود!
علماء النفس يرجعون هذه، الحالة «المغناطيسية» بإشعاع لا يُقاوَم، إلى أنها تعبير عن الانجذاب السلبى إلى شخصية الأب فى فترة الطفولة والمراهقة، وقد تستمر حتى مراحل تالية لدَى الشعوب ذات العقل الجمعى، وهى مرحلة عدم النضج العاطفى ونقص اكتمال شخصية الأبناء.
لكن هذه الحالة قد تخفى بداخلها فى الوقت ذاته كرهًا لاستبداد الأب ورغبة فى التحرُّر من خناقها إلى حد تمنّى الموت له، وهذا ما يُطلق عليه «عُقدة قتل الأب»!
لكن القياس هنا فيه ظلم كبير للطبقات الفقيرة والمتوسطة ولشعوب العالم الثالث عامة؛ لأنها آمنت به وصدّقته واتبعت خُطاه، ليس فقط كزعيم سياسى يُمثل البطولة ويدعو إلى العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، بل كذلك كأب روحى يبلور آمال أمّته وجميع الأمم المقهورة، ويمنحها الأمل فى الخلاص والانتصار، والحنان الذى تفتقده، والحضن الوسيع الذى يستوعب هموم شعبه، وكل الشعوب التى عوملت دهورًا بغير إنسانية، فضلًا عمّا يمثله من قوة الحزم ضد الفساد والفاسدين، وصرامة المبدأ فى قيادة قافلته المحاصَرَة بأعتى العواصف من الداخل والخارج، مع الحكمة فى اتخاذ القرار الذى يستلهمه من إرادة الشعب، وكان يردد دائمًا: الشعب هو القائد والمُعَلم.
لا ينطبق على الشعوب
إن نظرية قَتْل الأب قد تنطبق على الأفراد لكنها لا تنطبق على الشعوب والمجتمعات؛ لأن للشعوب إرثها الثقافى الممتد ورصيدها الحضارى والمَعرفى، وحكمتها الفطرية ابنة التجربة والخطأ، وهى تستهدى بقوانين الطبيعة ووعى الجماعة بمصالحها، وبقدرتها على صُنْع بطلها المُعبر عنها، وقد تعطى ثقتها وتأييدها لحاكم ليس من دمها كمحمد على باشا؛ لأنه استطاع بلورة آمالها فى التحرر من الحكام المماليك والأتراك الذين نهبوا الوطن وأذلوه ستة قرون متصلة.. ولا تعطى ثقتها وتأييدها لزعيم من أهلها ودمها مثل محمد سلطان باشا رئيس البرلمان، القريب من الخديو توفيق ومن الاستعمار الإنجليزى، والعضو البارز بين قيادات ثورة عرابى فى بدايتها، قبل أن ينقلب عليه ويسلمه للإنجليز، وكان يمكن- لو مكنوه من الحُكم- أن يخفف بعض معاناة الشعب ولو صوريّا، بإقناعه الإنجليز بذلك كثمَن لاستمرار استعمارهم لمصر، لكن الشعب بفطرته رفض الخائن وجرّده من شرفه ومكانته، حتى ابنته هدى (التى عرفت لاحقًا بهدى شعراوى) تبرّأت منه وتزوجت بشعراوى باشا أحد قادة ثورة ١٩١٩ وأحد أعضاء الوفد المصاحب لسعد زغلول فى أوروبا.. وبعد هزيمة ١٩٦٧ المدمرة، التى اعترف عبدالناصر بالمسئولية عنها وأعلن التنحى عن الحُكم بسببها، اتساقًا مع نفسه، كان من المنطقى أن يقبلها الشعب مضحيًا ببطله التاريخى على مذبح الهزيمة، لكن حكمة هذا الشعب سبقت شعوره بفداحة الجرح وقادته إلى رفض التنحى، وربما أدرك أن بطله تم الغدر به على يد أقرب أصدقائه الذى أولاه ثقته، فاستهان بالمسئولية هو وحاشيته.
وكذلك فإن الشعب أدرك أن الشخص الوحيد القادر على إنقاذ السفينة من الغرق هو عبدالناصر نفسه! وكان القائد بالفعل على مستوى هذه الثقة، إذ قاد بالفعل حرب الاستنزاف للعدو الصهيونى بعد أيام من سكوت المَدافع، واشتعلت حرب تحرير لا تقل ضراوة عن حرب ٧٣، إن لم تكن العامل الأساسى فى خوضها ثم الانتصار فيها، رُغم رحيل الزعيم قبل اشتعالها بثلاث سنوات، حيث كان قد أعد لها كل العتاد والتدريب والخطط العسكرية وحتى اختراق خط بارليف بخراطيم الماء.
حكمة الشعب ووفاؤه
للرجُل أخطاؤه بغير شك، وتتركز فى عدم تنفيذ المبدأ السادس من مبادئ ثورة يوليو١٩٥٢، وهو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وقد اعترف بهذا الخطأ عبر عملية نقد الذات خلال اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى، وأعلن عزمه تصحيح المسار والإعداد لبدء العملية الديمقراطية، رُغم شدة التحديات التى كانت تجابهه خلال حرب الاستنزاف وإعادة بناء الجبهة الداخلية، مع استمرار وجود التركيبة الانتهازية بداخل الاتحاد الاشتراكى (التنظيم السياسى الوحيد)، لكن الموت الغادر كان أسبق، ومع ذلك استعصت صفحته على الانطواء بعد رحيله، بل ظلت ساطعة أمام الأجيال الجديدة كلما ألَمَّ الخطر بالوطن.
 وقد رأينا كيف تصدرت صوره كل المظاهرات المليونية بشتّى ميادين مصر بالقاهرة والمحافظات خلال ثورتَى يناير٢٠١١ و٣٠يونيو ٢٠١٣، وأغلب حامليها لم يعيشوا عصر عبدالناصر، لكن صورته ظلت حيّة تتوارثها الأجيال وتعشش فى الوجدان القومى، محاطة بوفاء الشعب وحكمته.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook