صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أنتظر تكريم الدولة للجبرتى

71 مشاهدة

17 يوليو 2019
كتب : منى صلاح الدين



 يجلس الأستاذ فتحى حافظ الحديدى فى شرفة منزله المطلة على باب الفتوح، متأملا شوارع حى الجمالية، ويتبادل الحديث مع زوجته الحاجة سلوى حسن على سليمان، عن أهل شارع الحسينية الذى يسكنون فيه، وكأنهما يكتبان عن تاريخ ومبانى المنطقة وأحوال من عاشوا فيها، على طريقة جدهما الكبير المؤرخ المرموق عبدالرحمن الجبرتى.
أكثر ما يلفت انتباهك إلى الحاجة سلوى، الشبه الكبير بينها وبين صورة الجبرتى كما رسمه فنانو القرن 19.

أما الثمانينى فتحى حافظ فقد سار على خطى جده، وحصل على ليسانس التاريخ من جامعة القاهرة عام 57 ودبلوم عالٍ من معهد البحوث والدراسات العربية، وهو باحث فى التاريخ، وله العديد من المؤلفات عن تاريخ وعمارة القاهرة فى القرنين 18 و19 وأهم شوارعها التاريخية ومن سكنوها من الفنانين والمشاهير، ومن أهم مؤلفاته والتى صدرت عن الدار المصرية اللبنانية، «التطور العمرانى لمدينة القاهرة» فى 5000 صفحة، وكتاب بعنوان «دراسات فى التطور العمرانى للقاهرة» عن الهيئة العامة للكتاب، وقريبا سيصدر له كتاب «قاهريات» عن دار المعارف.
ورغم مرور ما يقرب من 200 عام إلا ستة، على وفاة الجد الجبرتى،  فما زال لدى فتحى وسلوى أمل، أن ينال الجبرتى حقه من التكريم، وأن يهتم بمقبرته وبمنزله، وهو الذى ناله ما ناله كى يكتب تاريخ فترة محمد على والحملة الفرنسية بكل أمانة وموضوعية كما عاشها.
بالوصول لسن المعاش، ودع فتحى حافظ  عمله بإدارة العلاقات الخارجية بوزارة الثقافة، منذ ما يقرب من 23 عاما، وتفرغ للتأليف، فهو عضو اتحاد الكتاب، ولحبه لعلوم التاريخ والآثار والعمارة، تعج مكتبة منزله بعدد كبير من الكتب والمؤلفات، فى مقدمتها نسخة من كتابى الجبرتى «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» الذى يحتفظ به منذ أكثر من 50 عاما، وكتاب «مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس».
صلة القرابة بين فتحى وبين زوجته وبين جدهما الأكبر عبدالرحمن الجبرتى يرويها فتحى قائلا: جدى الجبرتى تزوج بأربعة، لا أعرف أسماءهن، وله ولدان، محفوظ الذى أنجب توحيدة، وابنه خليل الذى زوجه مبكرا ليفرح بذريته، فأنجب محمد، ثم أنجب محمد، خليل خيرى، والد جدتى، وهى نفوسة ابنة خليل خيرى بن محمد بن خليل بن عبدالرحمن الجبرتى،  وبحسب الوثائق فإن «خليل خيرى» والد جدتى نفوسة كان يعمل مستخدما فى السكة الحديد وأنجب أربعة أبناء، هم: زينب وعبدالرحيم  ووسيلة ونفوسة.
 وكثيرا ما كانت تحكى لنا جدتى لأبى «نفوسة» عن جدنا المؤرخ الكبير «عبدالرحمن حسن الجبرتى» المولود عام 1754 ميلادية بالصناديقية بالأزهر.
ويتابع: حكت لى جدتى نفوسة كيف أن جدى عبد الرحمن كان غنيا، ويمتلك العديد من البيوت والأبعديات والأراضى التى ورثها عن والده الشيخ حسن وأجداده، لكن محمد على باشا وأولاده من بعده صادروا هذه الممتلكات، ولهذا حكاية طويلة.
بداية الحكاية
تعود أصول الجبرتى إلى أريتريا، وتحديدا منطقة تسمى «جبرت»، وكانت قديما الجزء الإسلامى من الحبشة، وانتقل الجد الأكبر للجبرتى إلى مكة فالمدينة المنورة، ثم استقر بمصر وأصبح شيخ رواق الجبرتية فى الجامع الأزهرالشريف، ليستمر ذلك وراثيا فى العائلة، حتى أصبح والد عبدالرحمن الجبرتى،  «حسن» شيخا لرواق الجبرتية، وكان الشيخ حسن يعمل أيضا فى صناعة تقطير المياه واستخراج الزيوت والدهون وعلوم الفلك.
ترك الشيخ حسن لابنه عبدالرحمن الجبرتى، ثروة كبيرة، استطاع أن ينفق منها على شراء الكتب والتراجم ومؤلفات كبار المؤرخين، وأدوات الكتابة  والتدوين التى ساعدته فى تأريخ الأحداث ومقارنتها بسير السابقين، كما تولى عبدالرحمن الجبرتى إفتاء الحنفية فى عهد محمد على.
وترك له والده ثلاثة بيوت فى القاهرة، أولها التى ولد وعاش فيها فى الصناديقية بالأزهر، والثانى بمنطقة بولاق والثالث فى ساحل شبرا، وكان يطل على نهر النيل، فضلا عن أراضٍ زراعية فى منطقة أبيار بكفر الزيات.
يتابع الأستاذ فتحى: «لكن صادر محمد على وأبناؤه وأحفاده من بعده، ممتلكات المؤرخ الجبرتى،  بعدما اتخذ قراره بكتابة تاريخ مصر وما يحدث فيها من أحداث بأمانة وصدق، دون مجاملة لأحد أوكتابة شيء لا يرضى عنه ضميره، أرخ وكتب  بصدق وحيادية عن فترة تولى محمد على حكم مصر، ورأيه فى واحدة من أهم وأخطرمراحل تاريخ مصر، وهو مجىء الحملة الفرنسية وما قبلها، واختيار محمد على واليا على مصر، ودفع فى ذلك الغالى والنفيس».
- أتقصد فقده لابنه خليل؟
نعم، فبعد أن اختار كبار المشايخ والعلماء الوالى الجديد محمد على،  بدأ الجبرتى فى الوقوف- كمعارض- ضد هذا الحاكم الذى رآه أجنبيا ومستبدا، وعبثا حاول بعض المشايخ التقريب بين محمد على والجبرتى،  أو منعه من كتابة التاريخ، لكنه أصرعلى موقفه وعندها منع محمد على تداول كتب الجبرتى،  وظل كتابه «عجائب الآثار» حبيس المنع لمدة 50 عاما إلى أن أفرج عنه وطبع فى عصر الخديو توفيق.
وكانت المؤامرة التى دبرها محمد على لينتقم من الجبرتى، كما ثبت لدى بعض المؤرخين، أن استأجر مجموعة من الأشقياء ليهاجموا «خليل» ابن الجبرتى وهو عائد إلى بيته فى الفجر، ويضربوه ضربا مبرحا فى شارع شبرا، الذى كان قد افتتح حديثا، ليحمله الجيران إلى بيته، لكنه ما لبث أن توفى لجراحه الخطيرة عام 1822 ميلادية، ليحزن الجبرتى حزنا شديدا، ومن كثرة البكاء على مقتل ابنه خليل، فقد بصره وامتنع عن الكتابة، وتوفى بعد ذلك بثلاث سنوات عام 1825.
صندوق المؤلفات
يشير الأستاذ فتحى إلى صندوق مبطن بالزنك، كانت تحتفظ به جدته، قائلا: «هذا الصندوق كان يضع فيه الجبرتى كتبه، وانتقل إلينا بالوراثة، وقد أخذ المستشرقون والرحالة الذين جاءوا إلى مصر بعد وفاة الجبرتى  الكثير مما تركه من مخطوطات وكتب، لينتقل الكثير منها إلى جامعات أوروبا وأمريكا، والباقى موجود بدار الكتب».
يكمل: ألف جدى الجبرتى،  كتابين شهيرين فى تاريخ مصر، الأول «كتاب مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس»، تناول فيه فترة الاحتلال الفرنسى لمصر والأحداث التى جرت، كما لم يغفل اهتمام الفرنسيين بالعلوم والفنون والآثار.
 وكتابه الثانى «عجائب  الآثار فى التراجم والأخبار» وهو فى أربعة أجزاء، عن تاريخ مصر منذ أقدم العصور حتى يصل إلى العصر العثمانى،  وينتهى الجزء الأول عند مشيخة محمد بك أبو الدهب، والجزء الثانى عن مصر فى عصر إبراهيم بك ومراد بك، والثالث عن الحملة الفرنسية إلى تولى محمد على، والرابع عن محمد على وحتى قبل وفاة الجبرتى عام 1825 ميلادية.
ويعتبرالباحثون أن تاريخ الجبرتى صورة نابضة  بالحياة عن  مصر فى الحقب التى كتب تاريخها  فقد عاش انتقال مصر من العصور الوسطى إلى العصر الحديث، وشملت أواخر العصر العثمانى والحملة الفرنسية ونحو 20 عاما من حكم محمد على باشا، وكان شاهد عيان على الأحداث التى جرت فى مصر منذ 1757 ميلادية الى 1821  وهى الفترة التى يعتبرها المؤرخون الحد الفاصل بين عصر الركود وعصر النهضة والتجديد، وإلى جانب ذكره الوقائع التاريخية، كتب عن مشاكل المجتمع المصرى،  وترجم لشخصيات مصر فى ذلك العهد، لذا يعتبر أستاذ التاريخ الدكتور محمد أنيس، أن ما كتبه الجبرتى هو وثيقة تاريخية فى تاريخ مصر السياسى والاجتماعى،  تحمل تفاصيل عن حياة المصريين الاجتماعية، كما تحمل تقييما موضوعيا عن سياسة الفرنسيين فى مصر إيجابا وسلبا، رغم تعيينه عضوا فى الديوان العام الذى أنشأه الفرنسيون فى القاهرة، وبالمثل عارض سياسة محمد على فى جعله أدوات الإنتاج فى يده، وكان منصفا له فى الكثير من أعماله مثل إشادته فى فضل محمد على  فى تعمير الإسكندرية، كما أثنى على عدالته أحيانا، ويرى بعض الباحثين أنه ربما لوعاش الجبرتى،  حتى آخر حكم محمد على، ولمس جهوده فى تحديث مصر وعمارتها لتغير موقفه تجاهه، يقول الجبرتى عن مؤلفه «لم أقصد بجمعه خدمة ذى جاه كبير أوطاعة وزير وأمير، ولم أداهن فيه دولة بنفاق أومدح أو ذم مباين للأخلاق، لميل نفسانى أوغرض جسمانى».
محمد على والجبرتى
وأسأل حفيد الجبرتى: هل عارض الجبرتى محمد على،  لأن الأخير أنهى نظام الالتزام، بما يتعارض مع مصلحة الجبرتى الذى كان يعمل ملتزما؟
يجيب حفيد الجبرتى: «صحيح أن الجبرتى كان ملتزما، أى مندوبا عن الدولة فى تحصيل الضرائب من الفلاحين، بحيث يدفعها مقدما للدولة، ثم يأخذها من الفلاحين على أقساط، وبالفعل قد غضب من قرار إلغاء نظام الالتزام، ولكن ذلك لم يؤثرعلى كتابته للأحداث والتأريخ».
- بصفتك متخصص فى دراسة التاريخ وتقرأ الكثير مما كتب المؤرخون: ما الفرق بين طريقة المقريزى وطريقة الجبرتى؟
لكل طريقته فى كتابة التأريخ، لكن الجبرتى قد أرخ بطريقة اليوميات، وهى الطريقة التى سار عليها واستفاد منها كثيرا المؤرخ على باشا مبارك.
هل عاش هنا؟
لدى حفيد الجبرتى فتحى حافظ، حجة بيع البيت الذى عاش فيه الجبرتى بحارة الصناديقية بالأزهر، وقد باعه خليل خيرى حفيد ابنه خليل، فى 29-5-1882 ميلادية بحسب حجة البيع، لكن الحجة لا تذكر رقم البيت بالضبط فى الحارة، فتوجهت مع زميلى المصور إلى حارة الصناديقية بحثا عن البيت.
إذا أعطيت ظهرك للجامع الأزهر، ستستقبلك حارة الصناديقية التى ولد وعاش بها «عبدالرحمن الجبرتى»، كما تؤكد المصادر التاريخية التى تتناول حياة الجبرتى،  وكما أكد لنا أستاذ التاريخ بجامعة حلون، عاصم الدسوقى، وكما يؤكد أيضا حفيد الجبرتى «فتحى حافظ».
وعندما سألنا عن بيت الجبرتى فى الحارة، أجابنا أصحاب المحال التجارية من كبار السن أنه كان يسكن فى المنزل رقم 15، الذى ما زال موجودا حتى الآن، وهو المنزل الملاصق لوكالة الصناديقية الأثرية.
لكن بعض سكان الشارع يؤكدون أن الجبرتى سكن فى المنزل رقم 13، الذى تهدم وبنى مكانه مول تجارى، ما زال تحت التأسيس.
ورغم أن عم فتحى يمتلك حجة بيع بيت الجبرتى،  لأحد المشترين، لكن الحجة لا تحمل رقم المنزل، مما يحتاج إلى مجهود من العاملين بمشروع «عاش هنا» الذى يتبناه الجهاز القومى للتنسيق الحضارى، وهيئة الآثار، لمعرفة أى من المنزلين - أو غيرهما- عاش فيه المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى.
وإذا اقتربنا من المنزل رقم 15، نجد أنه يتفرد ببوابة يعلوها شمسية من الحديد الفورفورجيه المشغول، فوقها عقد نصف دائرين ذو زخارف على شكل أفرع نباتية، من الجبس، وبعد البوابة يأخذك مدخل منكسر إلى سلمين، تصعدان بك الى طابق علوى للسكن، تحته طابق أرضى به مجموعة من المحلات.
ويطل الطابق العلوى على حارة الصناديقية بمجموعة من النوافذ ذات طرازين، أحدهما الشيش العادى، والآخر الذى يسمى الراجعى،  مكون من مجموعة من السدائب الخشبية، وهو طراز ساد فى بيوت القرن التاسع عشر، بحسب أستاذ الآثار بجامعة حلوان عبدالمنصف سالم.
مدفن بستان العلماء
بعدما عدنا إلى حفيدى الجبرتى «فتحى وسلوى» تمنيا أن ينال الجبرتى تكريما يليق به من الدولة، «عندما أطلقت الدولة اسمه على أحد الشوارع بمنشية البكرى،  كان فى شارع صغير لا يتناسب مع قيمة الجبرتى» يقول فتحى ويكمل: «أتمنى أن تنظم وزارة الثقافة احتفالية ومؤتمرا علميا عن الجبرتى،  ومكانته بين المورخين، ولتكن المناسبة مرور195 عاما على وفاته».
وتقول الحاجة سلوى: جدى عبدالرحمن الجبرتى دفن فى مقبرة أسرته ، التى دفن فيها والده الشيخ حسن، وهى موجودة فى منطقة «بستان العلماء» بقرافة المجاورين، بمنطقة السيدة عائشة، والمقبرة مهملة الآن وأتمنى أن تنال اهتمام الدولة لتليق بمؤرخ كبير كالجبرتى،  فالكثيرون لا يعرفون مكانها.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook