صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

«الطيب» الفارس النبيل

98 مشاهدة

26 يونيو 2019
كتب : مى الوزير



 يذكرنى دائمًا عاطف الطيب بالشاعر محمود درويش، وأشعر برابط غريب بينهما ليس لتشابه النهاية لأنهما رحلا بعد معاناة مع مرض القلب بل لأن كلا منهما بشهادة من عاصروهما، حمل قلبًا نقيًا لا تشوبه شائبة وكأنهما لم يتحملا قسوة هذا العالم فتركاه زاهدين.. كلاهما حمل هموماًفف وقضايا سياسية واجتماعية وحاولا التعبير عنها فى مشواريهما فأنجز كلاهما خطوات واسعة فى وقت قصير نسبيًا، فيبدوا أنهما استشعرا قرب النهاية فتعجل كل منهما فى خطواته ليترك هذا الإرث. الطيب ودرويش كلاهما لم يمهلهما القدرالوقت الطويل ولكن تميزا بتأثير شديد فى المجتمع وقضاياه، كل منهما بلغته التى حباهما بها الله. وفى ذكرى مرور 24 عامًا على رحيل عاطف الطيب «الفارس النبيل» نرصد فى السطور التالية، شهادة حق من أصدقائه تحية لروح غادرتنا بسلام ولم تترك لنا سوى كل الجمال والإبداع.

«الطيب»
عاطف الطيب لا يمكن ذكر اسمه دون ربطه بتيار «الواقعية»  فى السينما المصرية والذى كان امتدادًا للمخرج الكبير صلاح أبوسيف، ورغم الشكل التجارى الذى اتسمت به أفلام الثمانينيات وانتشار أفلام المقاولات، إلا أن عاطف الطيب قدم مجموعة كبيرة من الأفلام التى تعد تأريخًا واقعا لهذه الفترة، انعكاسات هذه المرحلة على الحياة الاجتماعية والسياسية وأهم القضايا التى عانى منها الشعب المصرى، ولعل هذه الواقعية التى جسدها عاطف الطيب فى عمره الفنى القصير نسبيا كانت أحد أهم الأسباب فى استمرارية أعماله حتى الآن واعتبارها من أهم المدارس الفنية، ولعل ما يذهب بنا عند مشاهدة أحد أفلام الطيب الآن، القول إنه كان يتنبأ من خلال اختياراته الفنية ويستشرف الواقع الذى نعيشه الآن من قضايا إهمال وفساد وبطالة، وهو ما يرجع إلى اختيارات «الطيب» لقضاياها، واعتماده على فريق عمل استثنائى من كتّاب وفنانين.
ولد عاطف الطيب فى 26 ديسمبر 1947 فى الصعيد ثم انتقل مع والده إلى حى بولاق وكان لنشأته فى هذه المنطقة أثر كبير على  تكوين فكره ورؤيته.
التحق بالمعهد العالى للسينما قسم إخراج، وتخرج منه عام 1970، ثم التحق بالجيش وتم تعيينه فى الشئون المعنوية فى القوات المسلحة بعد التخرج أثناء حرب 73، ولعل هذه المرحلة أثرت أيضا فى مرجعيته الفنية وحاول أن يعكسها فى معظم أعماله، عمل بعدها كمساعد مخرج مع صلاح أبو سيف، شادى عبدالسلام  ويوسف شاهين والمخرجين العالمىيين «لويس جلبرت» و«مايكل بنويل»، وأخرج بعض الأفلام القصيرة، وشهدت المرحلة السياسية والاجتماعية التى عاشها المجتمع المصرى من انفتاح اقتصادى وتحول استهلاكى الذى شهده المواطن المصرى وأصابه بزلزال أثر فى بنائه الطبقى، وكان لهذا الجانب نصيب الأسد فى أعمال عاطف الطيب خاصة تأثيرها السلبى على الأسرة المصرية، وإحباطات عاشها جيل كامل عانى من الانهيار بسبب هذا التحول الاقتصادى.
«سواق الأتوبيس»
قدم الطيب عام 1981 أول عمل روائى طويل باسم «الغيرة القاتلة» وهى معالجة لرواية «عطيل» بطولة نور الشريف، يحيى الفخرانى ونورا، بعدها فى عام 1982، قدم رائعته «سواق الأتوبيس» الذى كان نقلة كبيرة فى تاريخ السينما المصرية وشكل اسم عاطف الطيب ووضعه فى منطقة مميزة، حيث أصبح الفيلم واحدًا من أهم مجموعة أفلام فى تاريخ السينما المصرية، عكست الواقع الاجتماعى بعد الانفتاح..  توالى تألق عاطف الطيب وبزوغ نجمه ومع عام 1984 قدم مع النجم أحمد زكى فيلم التخشيبة، وكونا ثنائيًا فنيًا فى مشوار قدما فيه مجموعة من روائع السينما المصرية «البرئ، الهروب، الحب فوق هضبة الهرم، ضد الحكومة».
وكان يحسب لعاطف الطيب تقديمه للنجوم فى صورة مغايرة عما اعتادها الجمهور مثل اختياره للفنانة لبلية، عندما قدمها فى دور المحامية فى فيلم «ضد الحكومة» وكانت مراهنة منه على نجاحها فى أداء هذه الشخصية بعد أن اعتادها الجمهور فى الأدوار الكوميدية وأيضا فيلم «ليلة ساخنة».
ومن النجوم الذين كون معهم الطيب فريق عمل ناجح الفنان «نور الشريف»، ناجى العلى، كتيبة الإعدام، ليلة ساخنة، دماء على الأسفلت وجبر الخواطر».
أما الكاتب الكبير «بشير الديك» فكانت كتاباته أحد العناصر التى ساهمت فى نجاح معادلة عاطف الطيب، فوجد الطيب فى كتابات بشير الديك متنفسًا عن الفرد المقهور ذلك النموذج الذى استهوى عاطف الطيب ودفعه للتعبير عن تمرده، كما نجح عاطف الطيب فى تقديمه لروايات أدبية للكاتب الكبير «نجيب محفوظ» مثل «الحب فوق هضبة الهرم» عام 1984بسيناريو وحوار مصطفى محرم ورواية «قلب الليل» عام 1990 سيناريو وحوار محسن زايد، وتقديمه لمعالجة درامية للرواية حيث قدم الطيب إعادة صياغة رواية «اللص والكلاب» ومعالجتها بشكل معاصر من خلال فيلم «الهروب» بسيناريو وحوار للكاتب مصطفى محرم.
 عودة إلى بشير الديك من منا لا يتذكر هذه المرافعة لأحمد زكى فى فيلم «ضد الحكومة» أحد روائع الراحل عاطف الطيب والتى كتبها بشير الديك وهى تكاد تكون كأنها كتبت لنا اليوم لتعكس واقعًا من الفساد واللامبالاة مازلنا نعانيه حتى الآن، وتلك هى سمة أساسية فى معظم أعمال عاطف الطيب، التى كانت صرخة إنسانية ومجتمعية. يقول بشير الديك: عاطف ينتمى للجيل التالى ليوسف شاهين وصلاح أبو سيف، اعتمد عاطف مدرسة الواقعية الشعرية أو السحرية وهى التى تعمل على الهامش الشعرى للواقع، فهو جيل يسلم لبعضه فإسهاماته تمتد لنقل السينما المصرية من واقعية صلاح أبو سيف المباشرة إلى واقعية أكثر شاعرية. الفكرة من وراء تنبُئه لما نعيشه الآن أو استشرافه لتلك الأحداث يكمن فى أن الواقع المصرى هو نفسه منذ سنوات طويلة أو منذ ما نسميها «مرحلة الانهيار العظيم» منذ الحرب وأثناء التفاوض مع إسرائيل وبانتهاج سياسة مختلفة والانفتاح الذى أطلق عليه الكاتب أحمد بهاء الدين «الانفتاح السبهللى» حيث تحول إلى انفتاح استهلاكى،  فالنظرة العميقة للواقعين السياسى والاقتصادى هى وراء ما نسميه بالتنبؤ، عاطف الطيب كان مخرجًا لديه القدرة على الرؤية وموهبة الانتقاء، حاول أن يرى الواقع بشكل عميق وبفكر أنتج تيارًا سينمائيًاعنده قدرة على شهادة حق من أصدقائه للاستمرارية.
 لبلبة
الفنانة لبلبة التى كانت على ميعاد لإعادة اكتشاف موهبتها مع المخرج الكبير الذى قدمها فى واحد من أهم الأدوار التى قدمتها ببراعة فى فيلم ضد الحكومة . لم يكن لى حظ بالعمل مع عاطف الطيب مبكرًا، فأول فيلم لى معه كان «ضد الحكومة»، هذا الرجل كان يشعر بنبض الشارع وأفلامه سابقة لعصرها وتناقش مواضيع سنرى أنها كتبت لليوم، مثل فيلم «ضد الحكومة» والسيناريو عندما قرأته وقتها شعرت بجرأته خاصة أن الرقابة وقتها كانت متشددة وكان لى حوار طويل فى الفيلم صمم أن أحفظه كله وأقدمه دون اختصار، ولكن الرقابة حذفت منه بعد ذلك، ولكنه قال لى «متزعليش هانعوضها فى فيلم تانى»  وفعلا قدمنا فيلم «ليلة ساخنة» وكان دورًا مختلفًا علىّ تمامًا، وأنا بداية عملى مع عاطف فى ضد الحكومة كانت مختلفة ومغامرة محسوبة منه وكانت مرحلة مختلفة تمامًا فى حياتى، نسميها مرحلة «تغيير الجلد» بعد الأدوار الخفيفة وانتهاء مرحلة عمرية معينة، وكان آخر عمل قدمته وقتها هو «الشيطانة التى أحبتني» وكان يجب أن تتغير اختياراتى، وساعدنى هو بذلك عندما رشحنى لدور المحامية فى فيلم ضد الحكومة فاكتشف هو موهبتى فى تلك المرحلة الانتقالية، وبعدها أتاح لى العمل فى فيلم ليلة ساخنة، كان لديه إحساس عالً جدا بالناس وبعمله، وكان يجتهد ويعطى الفنان الذى يعمل معه الفرصة ليبدع ويجهزه ويهيئه، ووفاة عاطف الطيب هزت الوسط الفنى كله وما زلنا نفتقده كشخص ونفتقد حسه الفنى الذى أمتعنا به، ونفتقد كاميرا عاطف الطيب الكاميرا الواقعية الصادقة ونفتقد إنسانًا طيبًا اسمه «الطيب».
مدير التصوير السينمائى سعيد الشيمى،  صديق ورفيق مشوار عاطف الطيب وهو بصدد إطلاق الطبعة الثانية من كتابه عن حياة المخرج عاطف الطيب فى ذكراه والكتاب صدر منذ عشرين عاما بعنوان «أفلامى مع عاطف الطيب» وكان بعد وفاته بأربع سنوات. يقول الشيمى: «برحيل عاطف الطيب فقدنا مخرجًا شابًا لم يكمل عامه الخمسين بعد، توفى فى السابعة والأربعون تقريبًا، فقدنا مخرجًا واعيًا جدًا بمجتمعه ووعيه بمجتمعه أُثقل من الجزء الشعبى نتيجة إقامته لفترة طويلة فى منطقة بولاق الدكرور بعد قدومه مع والده من الصعيد من سوهاج ولمس تمامًا المشاكل المختلفة الموجودة فى المجتمع المصرى والتى زادت بعد وفاة جمال عبدالناصر، فبعد الثورة وفد الكثيرون من أهل الريف إلى القاهرة ليعملوا بالمصانع ولكن للأسف بعد كل هذه الإنجازات بعد موت عبد الناصر بدأ كل نشء يرجع للخلف مرة أخرى، فهذا التراجع لمسه جيلنا الذى عاش هاتين الفترتين سواء فترة حكم ناصر وما بعد عبد الناصر وبعد حرب أكتوبر مباشرة وبعد سياسة الانفتاح، وما حدث من تراجع للخط الثورى والبنائى الذى حدث لمصر.
فى مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب ذكرت واقعة لم أكن أعى خطورتها حينها وكم كان هو واعيًا بها مبكرًا جدًا.. أثناء تصويرنا فيلم «ملف فى الآداب» فى المحكمة طلب من المساعد تحضير 7 أو 8 أفراد ملتحين يرتدون ملابس بيضاء، فأنا سمعته وأخبرته أن اللون الأبيض قد يسبب لى مشكلة فى التصوير، فقال لى: «هفهمك ليه.. أنا عايش فى منطقة عشوائية وهؤلاء -إشارة منه إلى التيار الإسلامى المتشدد- الذين يقدمون خدمات لنا يبثون فيها سمومًا، مثل فكرة «مجاميع» للطلبة يلوثون فيها أفكارهم والدولة مش موجودة فى هذه المناطق، فهناك عبقرية ودقة الملاحظة منه فى وقت مبكر جدًا فى أوائل الثمانينيات قبل أن تصبح الظاهرة واضحة للعيان، لم أنتبه لقوة هذه الملاحظة حينها ولكن أدركت قوتها وأهميتها وتذكرتها بعد 2011 عندما لمست خطورة هذا التيار بالفعل وكيف كان يرى عاطف المجتمع بنظرة مختلفة تمامًا عنا لأنه عاش بداخله وهو يحمل روح الفنان الناقد المُلاحظ الذى يترك بصمات معينة فى أفلامه والذى تميز دائمًا بمحاربة الفساد وقدم 21 فيلمًا فى خمسة عشر عامًا وهو عدد مهول من الأفلام فى وقت قصير جدًا وكأنه كان يدرك اقتراب موته.
 «الصديق»
أضاف: «عاطف إنسان طيب جدًا وعادل، إنسان جدًا، واجهتنى ظروف بوفاة زوجتى الأولى فجأة، فكان عاطف أكثر شخص بين أصدقائى حرصًا على زيارتى والوقوف بجانبى والجلوس مع ابنى لفترات طويلة وهو كإنسان شعر بالأزمة التى كنت فيها حينها، هو إنسان فعلاً... لعل قلبه كان مريضًا بيولوجيًا ولكنه كان يحمل قلبًا حنونًا عطوفًا.
وأشار إلى تجربة الانتقال مع والده من الصعيد إلى القاهرة فى بولاق الدكرور وكذلك أزمات والده فى عمله شكلت جانبا إنسانيا كبيرا فى تكوينه، فعلى سبيل المثال لم يخجل أبدا أن يخبرنى عن مساعدته لوالده فى محل الألبان الخاص به فى الدقى وبالصدفة كنا نمر بجوار المحل فأشار لى وأخبرنى أنه كان لوالده، هذا بجانب مخزون ثقافى يحرص على إثرائه طوال الوقت وكان لديه وعى سياسى واجتماعى.
عاطف كان لديه سيارة بيجو أراد تغييرها بأخرى فولكس فاجن أصغر حجمًا وقال لى «عشان تبقى عربية صغيرة قدام الناس ماتبقاش الناس راكبة أتوبيس وبتتشعبط وأنا راكب عربية كبيرة» إحساسه الإنسانى كان يوجهه دائمًا ولعل أول أفلام عاطف «الغيرة القاتلة» لا يمثله، وقد أخبرته برأيى هذا ولكن من خلال هذا العمل اكتشفت أنه مخرج جيد جدًا رغم تحفظى على موضوع الفيلم إلا أنه مخرج لديه تكنيك سينمائى رفيع ويعرف كيف يوجه الممثل وكيف يسيطر على «اللوكيشن» فهو لديه شخصيتان مختلفتان تظهر إحداهما فى اللوكيشن بحزم وجدية وصرامة، ولكن فى الحياة شخص مختلف بسيط وضحوك وقليل الكلام.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

جرائــم الإخوان 3


وقف الشيخ الأسمر الجليل يحلف اليمين الدستورية أمام الرئيس السادات كوزير للأوقاف بعد عودته من السعودية حيث كان يعمل رئي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook