صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

"حلم" محمد علي و "شوكة" المستعمر

98 مشاهدة

19 يونيو 2019
كتب : عبير صلاح الدين



ظلت فكرة إنشاء بنك وطنى يمول المشروعات الصناعية، موجودة لسنوات قبل أن ينادى بها ويدعو إليها «الزعيم» طلعت حرب، حتى هيأت لها الظروف العالمية والمشاعر الوطنية، أن ترى النور.
اختار الزعيم اسم مصر، عنوانًا لمشروعه الحضارى، الذى لم يكن تجاريا صناعيا فحسب، بل كان تنمويا تنويريا بامتياز.
على اسم مصر وضع الأطفال مدخرات حصالاتهم فى البنك، وعلى اسمها دارت ماكينات الغزل والنسيج وقويت سواعد عمال المصانع والفلاحين الذين يزرعون القطن، وانطلقت طائرات الشركة الوطنية محلقة باسم مصر إلى كل الدنيا ما يقرب من 100 عام.
الآن يستقبل البنك مئويته الثانية.. ولايزال قادرًا باسم مصر على أن يجعل التاريخ «يقدر أن يقول ما شاء».

إذا أردنا أن نعرف أهمية إنشاء بنك مصر فى عام 1920 بجهود طلعت حرب فى تحقيق قوة مصر الاقتصادية، علينا أن نتعرف أولًا على طبيعة الاقتصاد فى مصر عشية إنشاء البنك. وحقيقة الأمر أن محمد على باشا والى مصر «1805-1848» كان قد نجح فى بناء اقتصاد مصرى قوى،  من واقع خبرته التجارية وحياته فى ألبانيا «إحدى ولايات الدولة العثمانية فى بلاد البلقان» قبل أن يأتى إلى مصر فى يوليو 1801 على رأس فرقة عسكرية من الألبان لإخراج الفرنسيين من مصر الذين كانوا قد احتلوها فى يوليو 1799.


ومن واقع خبرة محمد على التجارية نجح فى تطوير الزراعة المصرية واستحداث غلات لم تكن تعرفها التربة المصرية، ونهض بالرى عن طريق إقامة القناطر الخيرية لتوفير مياه للرى طول السنة. وأقام الورش الصناعية وجمع أولاد الحارات ليعملوا فيها، وأنشأ المدرسة «الحديثة» فى التعليم بالمجان لكى يوفر الكفاءات الفنية والإدارية التى تتطلبها إدارة المشروعات.
ولقد نجحت سياسة محمد على الاقتصادية، حتى إنه كان يصدر المنتجات المصرية ولا يستورد إلا بعض مستلزمات الإنتاج إلى أن يوفرها محليًا. ويذكر خبراء المالية أن ميزان المدفوعات فى أيام محمد على كان فى صالح مصر لأول وآخر مرة فى تاريخ البلاد بسبب التصدير وعدم الاستيراد.
الحصار الاقتصادى
على أن هذه السياسة أزعجت بلاد أوروبا الصناعية وبخاصة إنجلترا التى كانت تعتمد فى دورة رأسمالها على تصدير فائض الإنتاج عن حاجة السوق المحلية إلى بلاد العالم الثالث وفى مقدمتها مصر. فلما منع محمد على والى مصر إدخال البضائع الإنجليزية، بدأت إنجلترا تشعر بالاختناق وتواجه مشكلة ضيق السوق النسبى. وهنا أقدمت على عقد اتفاقية تجارية مع السلطان العثمانى باعتباره صاحب الولاية على مصر تعرف بمعاهدة «بالطا ليمان» نسبة للمكان الذى عُقدت فيه فى أغسطس 1838، وتقضى بأن يفتح محمد على السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية. غير أن محمد على رفض تطبيق الإتفاقية وقال: لو أنى فتحت السوق المصرية للبضاعة الإنجليزية فكأنى أقوم بفك الغزل الذى أغزله.. كناية عن تفكيك مشروعه الاقتصادى وانهياره وعودة مصر تابعة للسوق الإنجليزية.
 وأمام موقف محمد على هذا المتشدد أعطاه السلطان بإيحاء من إنجلترا فرصة سنة لفتح السوق المصرية، فلما انتهى العام «1839» أصر محمد على على موقفه، فتقرر فرض سياسة الحصار الاقتصادى عليه وتمثلت فى منعه من تداول العملة العثمانية فما كان منه إلا أن ضرب عرض الحائط بهذا القرار وأقام دار سك النقود بالقلعة لتوفير عملة للتداول.
فلما فشلت إنجلترا فى فتح السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية قررت التخلص من محمد على بالقوة، وكانت الحجة المعلنة ضرورة خروجه من بلاد الشام التى كان قد ضمها فى 1831 لولايته فى مصر، وذلك بالتنسيق مع السلطان العثمانى بدعوى حماية السلطان من «طغيان» محمد على.
وبالفعل حركت إنجلترا قطعًا حربية أمام سواحل الشام وهددت محمد على بالضرب إن لم ينسحب فى هدوء. وأمام ضربات الأسطول الإنجليزى تراجع محمد على تحت إغراء بقاء ولاية عكا تحت حكمه مدة حياته. وانسحب محمد على وتم عقد معاهدة لندن فى 1840 لتسوية الموقف وتأكيد تبعية مصر للسلطان العثمانى على أن تكون مصر ولاية وراثية فى أسرة محمد على،  وألا يزيد الجيش المصرى على 18 ألف عسكرى،  وألا يبنى محمد على مراكب حربية إلا بموافقة السلطان، وأن يلتزم محمد على بتنفيذ المعاهدات التى يعقدها السلطان العثمانى مع أى دولة وكانت تلك إشارة غير مباشرة لاتفاقية بالطا ليمان لفتح السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية، فكانت بداية النهاية.
تبعية مصر لإنجلترا
وعلى أساس تلك القيود الجديدة بدأ الاقتصاد المصرى الذى أقامه محمد على يأخذ طريق الانهيار بالتدريج حيث بدأت البضائع الإنجليزية تغمر السوق المصرية بأسعار منافسة وجودة أكثر، حتى إذا خضعت مصر لاحتلال بريطانيا فى سبتمبر 1882 أصبحت تبعية مصر لإنجلترا واضحة، حيث عملت إنجلترا على بقاء مصر مصدرًا للمادة الخام اللازمة للصناعة الإنجليزية وفى مقدمتها القطن، وسوقًا لتصريف المنتجات الإنجليزية فى نفس الوقت. وبدأ رأس المال الإنجليزى والأوروبى بشكل عام يتدفق على مصر لإنشاء مختلف المصانع والشركات فى إطار استثمار مختلف المواد الخام فى أرض مصر. وأكثر من هذا أن إنجلترا أنشأت البنك الأهلى المصرى فى 1898 برأسمال غالبيته إنجليزى وتكفل بإصدار البنكنوت المصرى.
 بنك الأمة بأموال مصرية ولغة عربية
 وفى ضوء هذا التحول من القوة والاستقلال زمن محمد على إلى التبعية لإنجلترا، ظهر فى أفق حياة مصر الاقتصادية شخصية طلعت حرب الذى تمكن من الوقوف أمام هيمنة رأس المال الغربى على اقتصاديات مصر ونقله إلى أيدى المصريين. وطلعت حرب من أسرة بالشرقية «ناحية ميت أبو على» وولد بالقاهرة «1867» فى حى الجمالية «قصر الشوق». وقد تخرج فى مدرسة الإدارة والألسن، وعمل مترجمًا بقلم قضايا الدائرة السنية «الدائرة السنية هى دائرة أملاك الخديو إسماعيل»، وتدرج فى الوظيفة حتى أصبح مديرًا لأقلام القضايا، ثم عمل مديرًا لشركة كوم أمبو للسكر، وتولى مسئولية إدارة الشركة العقارية المصرية. وقد استعان به بعض أصدقائه من كبار ملاك الأراضى الزراعية فى تنظيم إدارة أراضيهم الواسعة، ومارس لحسابه بعض الأعمال التجارية. وكان طلعت حرب يدرك حقيقة الواقع الاقتصادى لمصر، وكيف أن الأجانب يسيطرون على سوق المال والإنتاج وخاصة بعد إنشاء البنك الأهلى المصرى. ومن ثم آمن الرجل بضرورة أن يكون هناك بنك برأسمال مصرى خالص. وعلى هذا، وفى 1907 وضع كتابه «إنشاء بنك وطنى بأموال المصريين، وبأيديهم، وتستخدم فيه اللغة العربية».
ولكن لم يقتنع بدعوته إلا قليل من المصريين لأن معظم الناس كانوا يعتقدون أن هذا المجال خاص بالأجانب. لكن طلعت حرب لم يتوقف عن الدعوة لفكرته فى الصحف وفى المنتديات. فنجده فى نوفمبر عام 1911 يضع كتابا آخرًا بعنوان «علاج مصر الاقتصادى ومشروع بنك المصريين أو بنك الأمة». ثم قامت الحرب العالمية الأولى وتوقفت الأمور.
ولما قامت ثورة 1919 ضد الإنجليز شعر طلعت حرب أن الفرصة قد حانت لتحقيق بعض الاستقلال الاقتصادى، ومن ثم بدأت الدعوة للاكتتاب لإنشاء بنك مصر برأسمال مصرى. وهكذا وفى الثالث من أبريل عام 1920 صدر مرسوم سلطانى «السلطان حسين كامل» بالموافقة على تأسيس شركة باسم «بنك مصر» بمقتضى عقد ابتدائى موقع فى الثامن من مارس 1920 بين ثمانية من ذوى الأملاك المصريين وهم: أحمد مدحت يكن، ويوسف أصلان قطاوى،  ومحمد طلعت حرب، وعبد العظيم المصرى،  وعبد الحميد السيوفى،  والدكتور فؤاد سلطان، واسكندر مسيحة، وعباس بسيونى الخطيب.
ومن أهم الأسس إلى وضعها طلعت حرب لإنشاء البنك: أن تكون أسهمه للمصريين فقط، وأن تكون اللغة العربية لغة التعامل فيه، وأن يعمل به موظفون مصريون، وأن يقوم البنك مع التجار بتنظيم الحالة التجارية وتنمية روح الاقتصاد والتجارة بين الشباب، وأن يعمل على إنشاء شركات مالية وتجارية وصناعية وزراعية وشركات للنقل برًا وبحرًا. وفى 7 مايو 1920 تم الاحتفال بدار الأوبرا بافتتاح البنك.
وبتشجيع من طلعت حرب اقتحم البنك مجالات الاستثمار الصناعى والتجارى والمالى، بهدف أن يكون النشاط الاقتصادى فى مصر بأيدى المصريين. وفى هذا الخصوص عمل على أن يكون البنك استثماريًا بادئًا بالدخول فى عملية تجارة القطن لحساب عملائه، وفى الصناعة قام بتأسيس شركات مساهمة، وعين له مراسلون فى إنجلترا وفرنسا وبلجيكا وسويسرا وإيطاليا وألمانيا والنمسا والمجر والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا.
ولما نجح بنك مصر فى القاهرة قرر طلعت حرب أن يمد نشاطه خارج العاصمة فافتتح فرعًا للبنك بالإسكندرية «1921» وفى عام 1922 افتتح فروعًا فى أهم أحياء القاهرة التجارية: «الموسكى وروض الفرج ومصر القديمة» وتوالت الفروع فى الأعوام التالية فى المنصورة ومغاغة بالمنيا، بل وفى فرنسا «1926» وفى بلدان أوروبا «1929».
التضييق على بنك مصر
خلال الفترة من 1922 إلى 1933 أنشأ البنك الشركات الآتية فى مختلف فروع النشاط الاقتصادى: مطبعة مصر، مصر لحلج الأقطان، مصر لتصدير الأقطان، مصر للملاحة البحرية، مصر للغزل والنسيج، مصر للتأمين، مصر للنقل والملاحة، مصر للكتان، مصر لنسج الحرير، مصر للطيران، مصر للتمثيل والسينما، مصر لمصايد الأسماك، بيع المصنوعات المصرية، مصر للغزل والنسيج الرفيع بكفر الدوار، مصر للمناجم، مصر للسياحة، مصر للحرير الصناعى. وهكذا استعادت الصناعة المصرية روحها التى كانت قد تدهورت وأقبل المصريون على شراء منتجات مصانع بنك مصر وشركاته، وخاصة مع علو مد الحركة الوطنية المطالبة بجلاء الإنجليز. على أن هذا التطور فى الصناعة المصرية بفعل نشاط بنك مصر جعل الإنجليز والأجانب بشكل عام يضيقون به ويشعرون أن بساط رأس المال ينسحب من تحت أقدامهم وأخذوا يفكرون فى كيفية التضييق على نشاط بنك مصر.
وجاءت الفرصة عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية «أغسطس 1939» وقام عملاء البنك بسحب مدخراتهم من البنك خشية المستقبل، ولم تعد هناك سيولة فى حسابات البنك. وهنا طلب طلعت حرب من البنك الأهلى المصرى «البنك المركزى» سلفة مالية لتلبية احتياجات عملاء البنك، فرفض البنك المركزى واعتقد طلعت حرب أن سبب الرفض يعود لشخصه هو وأن الإنجليز يريدون التخلص منه بسبب المنافسة، فقدم استقالته من إدارة البنك لعل البنك المركزى يوافق فرفض البنك المركزى وهنا أصيب طلعت حرب بنوبة قلبية أودت بحياته  فى أغسطس 1941.
ومات طلعت حرب بعد أن ترك صرحًا يناوئ رأس المال الأجنبى المسيطر على اقتصاديات البلاد برعاية إنجليزية.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

جرائــم الإخوان 3


وقف الشيخ الأسمر الجليل يحلف اليمين الدستورية أمام الرئيس السادات كوزير للأوقاف بعد عودته من السعودية حيث كان يعمل رئي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook