صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

محسنة توفيق..  مصر ياما يا بهية

19 مشاهدة

15 مايو 2019
كتب : محمود قاسم



 فى تجاربنا الحياتية مع الآخرين تعلمت عن حق أن أغلب الذين يمتهنون الأيدولوجيات أيا كان شكلها تربطهم مصالح قوية بهذه الأفكار، ويتعاملون معها بكل نفعية، سواء السياسى منها أو العقائدى،  ونستمع إلى عباراتهم الساحرة المنمقة التى تشد القلوب، والعقول، وكثيرا ما نصدم فى السلوك الشخصى لمثل هؤلاء الأشخاص وبين ما يتصرفون فى حيواتهم.

فالأغنياء منهم على سبيل المثال ليسوا أبدا مثل تولستوى يتبرعون بممتلكاتهم  إلى المعوزين، ولا أقول الفقراء، ولهذا يمكن أن نفسر السبب الذى من أجله أن أسماء العديد من الفنانين كانوا، رغم مواهبهم الخارقة، يعملون فى السينما بشكل خاص فى أفلام محدودة للغاية، وكأن هناك تقاربًا ملحوظًا بين الشخصية المثالية التى نراهم عليها وبين سيرة كل منهم الحياتية.
وفى السينما المصرية هناك أسماء عديدة تدخل فى إطار هذه القوائم سواء قبل عقود انتهاج الأيدولوجيات أم بعدها، ومن أبرز هذه الأسماء محمود مرسى،  ومحسنة توفيق، فالسؤال الذى يطرح نفسه دومًا بالنسبة لمحسنة، هو لماذا هذا العدد القليل من الأفلام التى ظهرت فيها قياسًا إلى موهبتها بالغة التدفق؟
فلا يزيد عدد الأفلام التى مثلت فيها منذ عام 1972 إلى 2002 على أربعة عشر فيلما، وقامت ببطولة مسلسل إذاعى للأطفال فى عدد كبير من الحلقات تشرفت بأن أكون مؤلفه باسم «شقاوة كلام» من إخراج سهير شعراوى،  قامت فيه بدور الكلمة التى تقف دائما فخورة بنفسها فى مقابل المعنى،  فبدت بالغة خفة الظل، وهى تتقمص دور الكلمة المؤمنة أن الكلمة أهم بكثير من المعنى،  وأنها جاءت قبله إلى الدنيا، أن المعنى بدونها بلا قيمة.
على المستوى الشخصى قابلتها ذات يوم فى مبنى ماسبيرو، وبدت بالغة الحماس لتتعرف على الوافدين الجدد فى مجال الإخراج والكتابة، وسعت للتعرف علينا، ما يعنى أننا أمام شخصية لا تختلف عن  السيدة  التى تحمل هم الآخرين فوق كتفيها، وتحمل قدرًا كبيرًا من الحنان والعطاء وتصبح رمزًا طليعيًا يخرج بدون تعليمات إلى الشارع مع الجيران، وأبناء الوطن يرفضون الهزيمة التى أخبرنا بها الزعيم فى التاسع من يونيه عام 1967، خلال أحداث فيلم «العصفور» ليوسف شاهين 1973.  لو لم تطلع  الفنانة على الناس إلا بهذا الوجه الخال من المساحيق، والمكياج. تعكس صورة أمهاتنا فى الأحياء المصرية المنتشرة فى كل أنحاء الوطن، ما نسينا هذا الوجه المعبر، الصادق، الذى نطقت صاحبته بكل مافى أعماقنا من كلمات رفض للهزيمة.
ومن الواضح أن الفنانة تقمصت هذا الوجه النبيل، فلم تشأ أن يكون لها قناع آخر، فهى تعمل مع المخرج نفسه، في  الأفلام الأخرى التى عملت فيها الأدوار الثانية من إخراج يوسف شاهين، وهى: « الاختيار»  1971، و«إسكندرية ليه» 1979، و«حدوتة مصرية» 1982، ثم «الوداع يا بونابرت»1984.
ومن المهم الحديث عن التنوع والتشابه لهذه المرأة المصرية، لكن هذه الممثلة وضعت حول نفسها هالة من القدسية، ربما جعلت المخرجين الآخرين  يقدمون لها أدوارًا بعينها، لا يمكن أن تتصور بقناعها أى ممثلة أخرى أبرزها دور الزوجة الخنوعة جدا فى فيلم « الحب قبل الخبز أحيانا» لسعد عرفة 1977، ولا دور الزوجة الثرية التى تعشق الفيلسوف الموهوم بالجنون، فى فيلم « قلب الليل» لعاطف الطيب 1991، وبمتابعة قائمة أعمال الممثلة القصيرة فإنها عملت فى أفلام مثيرة للجدل، مأخوذة عن نصوص أدبية، كتبها مؤلفوها بمنطوق الفلسفة والفكر ومنها «حادثة شرف» عن يوسف إدريس 1971،  إخراج شفيق شامية، و«الحب قبل الخبز أحيانا» فى رواية للكاتبة سلمى شلاش، التى كانت أسبق من غيرها تعبيرًا عن الغزو الوهابى  لمجتمعاتنا، ومن هذه الروايات أيضا «قلب الليل» لنجيب مخفوظ، بالإضافة إلى فيلمين الأول «البؤساء» لعاطف سالم 1978، المأخوذ عن فيكتور هيجو «والثانى» «الزمار» لعاطف الطيب 1985 عن الكاتب المسرحى تينسى ويليامز.
الزوجة الخانعة للرجل الشرقى موجود فى فيلم «الحب قبل الخبز أحيانا»، وهى امرأة تنتمى إلى عصرها متزوجة من رجل بالغ التشدد، يأمر زوجته وعليها الطاعة دون نقاش، ولابد من مقارنة هذا النموذج بزوجة السيد أحمد عبدالجواد، الست أمينة لنرى أن هذا النموذج موجود فى مجتمعاتنا.
لقد اختفت عن الأنظار إلى حد ما، فى بداية التسعينيات، لكنها ما لبثت أن ظهرت بالتدريج وبقوة، ومع ازدهار عصر البترو دولار فإنها ترجع مرة أخرى للظهور فى منتصف عقد السبعينيات.
أما فى فيلم «قلب الليل» فإنها تؤدى دور امرأة مختلفة تسمى هدى،  فى مرحلة منتصف العمر وما بعدها، تؤمن بقوة أن الرجل الذى تتزوجه جعفر النورى،  يجب أن تكون له مهنة وقورة فى المجتمع، فيلسوف مثلا الذى ينتهى به الأمر إلى الهوس والجنون، والوسوسة  الراوى هو صاحب نظرية فكرية.
أما بهية فى «العصفور» هى النموذج الأكثر أهمية، فهى التى تقود الجموع فى رفض الهزيمة، ورغم أن المرأة لم تشارك فى الحرب التى انتهت بالهزيمة فإن بهية هى التى تصر على تحقيق النصر، وتعلنها أننا «حانحارب»، لذا فإن النقاد أصحاب الأيدولوجية وصفوا بهية بأنها الوطن، أو مصر البهية على الأقل حسب الكلمات التى كتبها الشاعرأحمد فؤاد نجم، وهو دور لم يتكرر بما له من تأثير ملحوظ فى تاريخ الوطن.
فى أفلامها مع يوسف شاهين أدت دور الأم  التى تنتمى إلى الطبقة الوسطى،  فهى زوجة الموظف  الذى عليه أن يدبر المال كى يرسل ابنه إلى مدارس الفن فى الولايات المتحدة، فتقف إلى جواره حتى يحقق الحلم المنشود، وعلى جانب آخر جسدت دون الأم المتلهفة على ابنها المدلل فى فيلم «الغفران» 1971، وهو وحيدها، فيكون التدليل سببًا فى إفساده. وهى الأم فى فيلم «البؤساء» التى رغم فقرها فإنها تقف ضد الرجل بقوة، ورغم مرضها إلا أنها تترك ابنتها لهدا الرجل، كى يتولى تربيتها عقب رحيلها، أما فى «بيت القاصرات»  إخراج أحمد فؤاد فهى مديرة الإصلاحية البالغة الحزم، تطبق اللوائح لحماية بنات الإصلاحية.
 وفى فيلم «ديل السمكة» لسمير سيف2003، تقوم بدور امرأة عصرية تعيش وحيدة، وقد سافر الأبناء خارج الوطن فصارت  بدونهم أم بلا أمومة طالما أن الأبناء ذهبوا بلا عودة. من الواضح أن الممثلة صاحبة الموقف والموهبة قد تطورت الشخصيات التى تجسدها عبر المسيرة الفنية فقد جسدت دور الأم دومًا منذ البداية فهى الأم للممثل أحمد رمزى فى فيلم «الغفران» إخراج عبدالرحمن شريف
عام 1971، وهى التى تصغره فى الواقع بتسع سنوات، ترى هل التوقد له علاقة باختيار الأدوار، ما جعل محسنة توفيق تتعامل بحساسية مع مسيرتها، وانتقلت إلى التليفزيون أثناء رحلتها إلى السينما، ولكن الغريب أنها ارتضت بالأدوار الثانية فى السينما، وهى واثقة أنها أدوار أقرب إلى البطولة، وكانت محقة فى ذلك بكل ذكاء.
رحم الله النبيلة والفنانة الكبيرة المتميزة والتى ستبقى خالدة فى ذاكرتنا السنيمائية والحياتية.
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

صـورة افريقيا

جاء أوانها. وزمانها. فهى قارة المستقبل. الصراع محمومٌ على أراضيها. الكل يريد أن ينهب إفريقيا. نهب لمواردها وأراضيها وشعبها. وه..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook