صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

ما أراد إسماعيل إعلانه يوم افتتاح القناة

50 مشاهدة

8 مايو 2019



كتب: د.عاصم الدسوقى

عندما تولى إسماعيل حُكم مصر «يناير 1863» كان مشروع جده محمد على باشا فى بناء قوة مصر الاقتصادية والعسكرية آخذًا فى الانهيار بسبب إجبار محمد على على تطبيق معاهدة بلطة ليمان «أغسطس 1838» التى عقدتها إنجلترا مع الدولة العثمانية، والتى تقضى بدخول المنتجات الإنجليزية مصر، وكان محمد على يرفض تنفيذ هذه الاتفاقية لكى يحمى الصناعة المصرية الوليدة من منافسة البضائع الإنجليزية إذا دخلت البلاد، وأكثر من هذا أنه كان يُصَدر ولا يستورد إلّا مستلزمات الإنتاج لحين تدبيرها داخليّا.

وبدأ التزام محمد على بفتح السوق المصرية أمام البضائع الإنجليزية بمقتضى معاهدة لندن 1840، ثم صدر فرمان فى العام التالى «1841» يقضى بأن تكون مصر ولاية وراثية فى أسرة محمد على، كنوع من المكافأة على فتح السوق المصرية أمام بريطانيا، وفى الوقت نفسه تقرر ألّا يزيد عدد الجيش المصرى على ثمانية عشرة ألف جندى، وألّا تقوم مصر ببناء مراكب حربية إلّا بإذن السُّلطان، على طريق تجريد مصر من عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية.
وعلى هذا بادر إسماعيل بإرسال بعثة حربية إلى فرنسا «من خمسة عشر عضوًا» لاقتباس الخبرات اللازمة، وكانت هذه البعثات قد توقفت أواخر حُكم محمد على. واستقدم من فرنسا بعثة حربية فرنسية من الضباط لتنظيم المدارس الحربية المصرية. كما اهتم بتجديد الأسطول، والمدرسة البحرية بالإسكندرية، وأقام أخرى بجوار الترسانة. وإسهامًا فى تثقيف عقول العسكريين أنشئت صحيفتان للشئون العسـكرية «1873» واحدة باسم: جريدة أركان حرب الجيش المصرى، والأخرى باسم: الجريدة العسكرية المصرية. كما اهتم إسماعيل بالأسطول التجارى فأنشأ شركة للملاحة التجارية «باسم الشركة العزيزية» قامت بدور أساسى فى تنشيط حركة التجارة الخارجية لمصر، وسهلت مواصلاتها البحرية مع الأقطار الأخرى.
•••
أمّا فى مجال التعليم فقد اهتم به إسماعيل اهتمامًا كبيرًا، وكانت معظم المدارس التى أنشأها محمد على قد أُغلقت. ولما كان تواقًا إلى إعادة بناء مصر على النمط الأوروبى، تأثرًا بحياته هناك، فقد وجد أن الوسيلة الأساسية فى هذا تكمن فى التعليم. فأعاد تكوين ديوان المدارس ليشرف على تأسيس المدارس اللازمة. وطوال مدة حُكمه «1863- 1879» أسس المدارس المتنوعة الآتية: الحربية، والمهندسخانة، والطب، والحقوق التى لها فضل كبير فى تقدُّم القانون والتشريع والقضاء والحياة الأدبية والسياسية، ومدرسة دار العلوم لتخريج أساتذة اللغة العربية.
كما اهتم إسماعيل بتعليم البنات، وكان تعليم المرأة قبل ذلك أمرًا فى حُكم العدم، إذ لم تكن فى البلاد سوى مدرسة الولادة التى أنشأها محمد على ولم يكن يدخلها إلّا الحبشيات، فأقيمت مدرسة للبنات بالإسكندرية «مدرسة السيوفية» وأخرى بالقاهرة «مدرسة القربية».
كما اهتم بالتعليم الصناعى والزراعى والمساحة والمحاسبة، وكذلك المدارس الابتدائية والثانوية «التجهيزية بالعباسية وعُرفت باسم الخديوية»، ومدرسة رأس التين بالإسكندرية. وبلغ من رعاية إسماعيل للتعليم والتشجيع على الالتحاق به، الاهتمام بإقامة حفلات مدرسية لاختتام نهاية العام الدراسى، يحضرها كبار رجال الدولة، وتوزع فيها الجوائز والمكافآت على الناجحين المتقدمين.
وفى الوقت نفسه؛ كثر عدد المدارس الأوروبية التى أقامتها الإرساليات الدينية فى مصر للبنين والبنات، ولم تنتشر فى أى عهد مثلما كثرت وانتشرت فى عهد إسماعيل «70 مدرسة». وقد أفادت هذه المدارس فى إعداد عناصر كثيرة من رجال الأعمال والمهن وموظفى الحكومة فى البريد والسكك الحديدية والمحال التجارية والبنوك والقنصليات والمحاكم المختلطة، ونال كثير منهم الحماية الأجنبية فأصبحوا فى حُكم الأجانب.
•••
ولم يتوقف الأمر فى عهد إسماعيل على الاهتمام بالتعليم فى المراحل والتخصصات المختلفة، بل انفتح المجال واسعًا لحركة ثقافية متنوعة كان لها تأثيرٌ قوىٌّ فى بناء شخصية مصر الثقافية. وفى هذا الخصوص تألفت جمعية المعارف «1868» التى تولت طبع طائفة من أمهات الكتب فى التاريخ والفقه والأدب. وتأسست دار الكتب «1870»، والجمعية الجغرافية «1875».
وشمل النشاط الثقافى صدور صُحف علمية وأدبية وسياسية أنارت الأذهان ونشرت العلوم والمعارف، مثل: جريدة اليعسوب، وروضة المدارس، ووادى النيل، ونزهة الأفكار، والوطن، ومصر، وروضة الأخبار، والكوكب الشرقى، والأهرام، والإسكندرية، والكوكب المصرى، ومرآة الشرق. كما صدرت أيضًا بعض الصحف الأجنبية، مثل: الفارو الكسندرى، والبروجريه إجيبسيان، والريفورم.
وبهذا المناخ التعليمى والثقافى ارتقى مستوى الوظائف العامة، إذ تولاها المتخرجون فى هذه المدارس والمعاهد وأعضاء البعثات. وكانت البيئة المناسبة لبروز العلماء فى تخصصات مختلفة.
•••
أمّا فيما يتعلق بنظام الحُكم فى عهد إسماعيل فلم يكن يختلف كثيرًا عن سابقيه، إذ يُعد من عصور الحُكم المطلق. وكان مجلس النظار الذى أنشأه «1878» عبارة عن سُلطة تنفيذية لما يقوله، وكذلك الحال بالنسبة لمجلس شورى النواب «1866» الذى لم يكن أكثر من هيئة استشارية وليست تشريعية، فضلًا عن أن أعضائه كانوا بالاختيار وليس بالانتخاب ومعظمهم من العُمَد والمشايخ والأعيان عامّة، وقليل من أصحاب المصالح التجارية والصناعية، ولم يكن للمتعلمين من غير الأعيان نصيب فى عضوية المجلس.
أمّا فيما يتعلق بالسُّلطة القضائية فى عهده إسماعيل فقد استمرت على ما كانت عليه من قبله ممثلة فى جمعية الحقانية التى أصبحت تُعرف باسم مجلس الأحكام الذى كان يتألف من تسعة أعضاء من الكبار ومن اثنين من العلماء أحدهما للمذهب الحنفى والآخر للمذهب الشافعى. كما استمرت المحاكم الشرعية تقوم بعملها فى المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، وإلى جوارها محاكم أو مجالس جديدة للفصل فى المسائل المدنية والتجارية عُرفت أيضًا بمجالس الأقاليم.
ولمّا توافد الأجانب بكثرة على البلاد فى أعقاب إلغاء سياسة الاحتكار، وزادت مشكلاتهم المالية مع المصريين وكانت تنظر أمام المحاكم القنصلية حسب جنسية الأجنبى؛ تم توحيد تلك المحاكم فى محكمة واحدة عُرفت باسم: المحكمة المختلطة (فى 1876).
زيارة السُّلطان لمصر
 كان إسماعيل يطمح للسعى لفصل ولاية مصر عن الدولة العثمانية وإعلانها دولة مستقلة. وفى هذا الخصوص عمل على توسيع نطاق استقلاله فى حُكم البلاد، وكسب أكبر قدر ممكن من حقوق ومزايا من الحكومة العثمانية. لكن كان هذا على حساب الخزينة المصرية، فقد سعى مثلًا إلى التخلص من قيود معاهدة لندن 1840 وفرمانى 1841 من أجل تغيير نظام وراثة العَرش من أيلولته إلى أكبر أفراد الأسرة العلوية سِنّا ليكون فى أكبر أنجال الوالى، أى إسماعيل نفسه. وقد صدر بالفعــل فرمان بذلك «فى 27مايو 1866» كلف إسماعيل استضافة السلطان عبدالعزيز لمصر «أبريل 1863»، وما صاحب هذه الزيارة من حفاوة وإكراميات وهدايا ملأت سفينة كاملة، بالإضافة إلى ستين ألف جنيه للصدر الأعظم فؤاد باشا ليبذل مساعيه الطيبة لدَى السُّلطان لاستصدار الفرمانات اللازمة.
وانتهت مساعى الصدر الأعظم «الطيبة» إلى زيادة الجزية السنوية التى تدفعها مصر من أربعمــائة ألف جنيه عثمانى إلى سبعمائة وخمسين ألفًا. وتحقيقًا لهذا استدان إسماعيل ثلاثة ملايين جنيه. وقد تضمن هذا الفرمان زيادة عدد الجيش المصرى إلى ثلاثين ألف جندى بدلًا من ثمانية عشر ألفًا «فرمان 1841»، وإقرار حق مصر فى سّك النقود، ومنح الرُّتب المدنية لغاية الرتبة الثانية.
ويتالى حصول إسماعيل على الفرمانات التى حققت له بعض مزايا الاستقلال من ذلك فرمان فى 8يونيو 1867 حصل بمقتضاه على لقب «خديوى» بدلًا من لقب «والى». وبمقتضى هذا اللقب الجديد تمتع إسماعيل ببعض الاستقلال فى إدارة شئون البلاد الداخلية والمالية وعقد المعاهدات الخاصة بالبريد والجمارك ومرور البضائع والركاب فى داخل البلاد وشئون الضبط للجاليات الأجنبية.
ومن ناحية أخرى؛ دخل إسماعيل فى سلسلة من مشروعات التوسع فيما يُعرف بالتعبير المعاصر «حدود الأمن القومى لمصر». فقد عمل على بسط نفوذ مصر فى الجنوب والجنوب الشرقى على ساحل البحر الأحمر. ولم يأتِ عام 1875 إلّا وكان قد ضم فاشودة، ومصوع، وسواكن، وإقليم خط الاستواء، وأوغندا، وإقليم بحر الغزال، وسَلطنة دارفور، وإقليم البوغوس بين الحبشة والبحر الأحمر حتى باب المندب، وزيلع وبربرة على الخليج، وسَلطنة هرر جنوب شرقى الحبشة، وسواحل الصومال الشمالية حتى رأس جردفوى على المحيط الهندى.
 الهزيمة والديون
هذا التوسع وضع إسماعيل فى مواجهة حتمية مع الحبشة بعد أن حاصرها بتوسعاته من ناحية الشمال «إقليم البوغوس»، ومن ناحية الجنوب الشرقى «هرر»، ومن ناحية الشرق إلى البحر الأحمر، فأعلنت الحبشة الحرب عليه فى صيف 1875 انتهت بهزيمته مع خسارة مليون جنيه.
على أن توسُّعَ إسماعيل حتى الحبشة جعلت منه مصدر خطر على المصالح الأوروبية التى كانت تتوسع هى الأخرى فى شرق إفريقيا، فأعاد إلى الأذهان خطر محمد على.
ومن هنا بدأت كل من إنجلترا وفرنسا فى توظيف مسألة ديون مصر لتركيع إسماعيل وتحجيم قوته. ولم يكن إسماعيل سببًا فى تلك الديون، بل لقد ورثها عن عمه محمد سعيد باشا الذى منح فرديناند ديليسبس امتياز حفر قناة السويــــس. وكان ديليســـبس قـــد خصص لمصر 44 % من أسهم الشركة قيمتها 88210000 فرنك فرنسى «أى 3426000 جنيه إنجليزى»، اقترض سعيد ثُمنها من إنجلترا بفائدة قدرها 7 % ومن المرابين بسندات على الخزانة المصرية. كما تحصل مصر على 15 % سنويّا من أرباح الشركة بعد افتتاحها للملاحة. ثم اضطر إسماعيل لبيع حصة مصر فى الأسهم إلى إنجلترا مقابل الدَّين كما باع نسبة الـ 15 % الأرباح لفرنسا مقابل الديون الفرنسية.
وعندما تقرر افتتاح القناة للملاحة فى 11نوفمبر 1869 بعد عشر سنوات من الحفر، أخذ إسماعيل يستعد للاحتفال بهذا اليوم فأرسل خطابات إلى رؤساء دول أوروبا وملوكها ورجال العِلم والكُتاب والمحامين ورجال الصحافة لحضور الحفل، وبلغ عدد الذين حضروا ستة آلاف مدعو، أبرزهم الإمبراطورة أوجينى الفرنسية التى نزلت فى قصر خاص بناه خصيصًا لهذه المناسبة «فندق الماريوت حاليًا». وتجاهل إسماعيل دعوة السلطان العثمانى «عبدالعزيز» حتى لا يظهر فى شخصية الوالى التابع وإنما فى شخصية الحاكم المستقل. وقبل أن تبدأ وقائع حفل الافتتاح قال إسماعيل لكل من قنصلَى إنجلترا وفرنسا إنه ينوى فى كلمته إعلان استقلال مصر، فنصحاه بعدم فعل ذلك.
ولمّا أخذ إسماعيل يتوسع فى شرق إفريقيا- كما سبقت الإشارة- طالبته إنجلترا وفرنسا بتسديد ما عليه من ديون ومن ثم بدأ التدخل الأجنبى فى شئون مصر ابتداءً بإرسال بعثة (كيف) نوفمبر 1875 بدعوَى دراسة المالية المصرية، فأخذ إسماعيل يشعر بالخطر فسمح لمجلس شورى النواب بمناقشة الميزانية المصرية فاحتجت إنجلترا وفرنسا لأنهما لا تريدان تسديد الديون حتى تبقى حُجة للتدخل والسيطرة. وهنا أبلغت إنجلترا وفرنسا السُّلطان العثمانى بنية إسماعيل إعلان استقلال مصر يوم افتتاح قناة السويس ومن ثم كان قرار عزل إسماعيل ومغادرته البلاد فى يوليو 1879.
ويبدو واضحًا أن الديون لم تكن سبب التدخل فى مصر؛ بل كانت قوة مصر ومشروع إسماعيل فى حماية الأمن القومى السبب وراء إعاقة إسماعيل ولمنع ظهور محمد على آخر.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

(#نحن نسجل) الإرهابية

للأمة أعداء، وهم أخطر من أعداء الدولة أو أعداء النظام. أعداء الأمة لهم هدف واضح وصريح وعلني ومحدد وهو سحقها وفناؤها وتشرذمها و..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook