صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أنا المريض المناوب.. أرجوك أعطنى هذا المسكن

100 مشاهدة

17 ابريل 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة

كأى رجل شرقى تجاوز الستين أعانى من أمراض شائعة بين من هم فى مثل سنى،  ومن عاشوا حياة لا يمكن وصفها بالهادئة ناهيك عن كونها غير صحية. ومثل معظم أقرانى أشكو من تصلب الشرايين وانسدادها وأخضع للعلاج غالباً وللتدخل الجراحى أحياناً حين يكون تسليك الشريان مستحيلا بأدوية تمييع الدم فقط.


لم يعد ذلك يزعجنى،  بل إننى لا أشكو إطلاقا من هذه الحالة المرضية التى تجيء بلا ألم، ويسميها المختصون «الموت الصامت».
ما يزعجنى ويؤرقنى هو الألم، مهما كان نوعه، وحتى لو كان صداعاً مؤقتاً ناتجاً عن السهر أو الإفراط فى القراءة مثلا.
ويبدو ذلك حال الناس جميعاً باستثناء المازوخيين الذين يجدون فى الألم لذة ومتعة، والعشاق الذين يبحثون عن اللوعة وحرقة القلب والبكاء فى العتمة.
لست مازوخيا ولا عاشقا معذبا ولا أحب الألم، لكننى،  وقد استهلكت جسدى بما يفوق طاقته، أعانى من نوبات ألم تنغص علىّ حياتى وتجعلنى أسيرا للمسكنات التى أحرص على وجودها فى البيت كالخبز والسجائر وماء الشرب. وأزعم أننى عبقرى فى اختيار المسكن المناسب للألم دون استشارة الطبيب، وقد اكتسبت هذه المهارة المفيدة بحكم تجربتى الطويلة مع الأمراض وآلامها.
أعرف بالضبط نوع المسكن المناسب للصداع، وأعرف تماما نوع الجرعة المسكنة لآلام المغص المعوى،  وأحفظ أسماء مسكنات آلام القرحة، والتهاب المفاصل، ووجع الأسنان. وفى بيتى خزانة صغيرة أحرص على إبقائها مليئة دائما بعلب الأدوية المسكنة التى أعتبرها أهم كثيرا من الأدوية العلاجية، وأحترمها أكثر من المضادات الحيوية والتركيبات الدوائية التى يصر الأطباء على إلزام مرضاهم بتعاطيها، رغم أنها لا تشفى من المرض ولا تلغى الإحساس بآلامه.
لست وحدى من يحترم المسكنات أكثر من العلاج. الحكومات الضالعة فى الحكمة تفعل ذلك أيضا حين تعجز عن إيجاد الحلول لمشكلات الناس، وحين تجد نفسها عاجزة أيضا عن توفير أساسيات الحياة بالإمكانات المتاحة لها، والتى تظل صغيرة مهما كبرت، فتلجأ إلى المسكنات الاقتصادية، وتقترض من مؤسساتها المحلية ومن الدول المقتدرة ماليا، ومن صندوق النقد الدولى ومن البنك الدولى لتضخ الحياة فى شرايين اقتصاداتها المصابة بأمراض مزمنة عطلت معظم خطوط الإنتاج إن لم يكن كلها. وحين تعجز عن سداد الديون تستدين مرة أخرى لتسدد! وفى هذه الحالة يتحول صندوق النقد أو البنك الدولى إلى صيدلية لحكومات العالم الثالث الباحثة عن المسكنات، وتتحول القروض إلى جرعات مسكنة مثل أدوية الصداع، لكنها جرعات سنوية وليست يومية، وهى تؤخذ دائما قبل الأكل.
لدى الدول أيضا مسكنات محلية تغنيها عن الحاجة لاستيراد المسكنات الأجنبية، فعندما تخرج الجموع إلى شوارع الجزائر مطالبة بالخلاص من حكم نظام عبدالعزيز بوتفليقة ولا يستطيع النظام إنهاء الاحتجاجات أو الحد من توسعها فإنه يلجأ إلى تقديم مسكنات طورتها مختبراته السياسية والأمنية لتبديد إحساس الناس بالألم، فيستقيل بوتفليقة ليتسلم أحد رجاله زمام الحكم! وعندما ينتج السودانيون ذات التجربة يبادر نائب الرئيس عمر حسن البشير إلى القفز إلى الموقع الأول، ويذيع بيانا مسكنا لآلام الجموع التى أعياها النظام بثلاثين سنة قمعا.
فى الحالتين يثبت المسكن المحلى عجزه عن تسكين آلام الناس ووضع حد للصداع الناتج عن فيروسات الفساد والقمع والتغول على الحاضر والمستقبل. لكن أركان النظامين لا يجدون غير هذه المسكنات لتقديمها للناس أملا فى الخلاص من صداعهم الناتج عن الخوف من المحاسبة.
أعود إلى الأمراض المقدور على تسكين أوجاعها، كأمراض القلب والمعدة والأمعاء والعظام، وأعترف أن ما أنتجه العلم لتبديد الإحساس بآلامها أكبر كثيراً مما أنتجته السياسة لمواجهة آلام فيروسات التخلف والجهل والجوع والقهر فى بلاد غنية بالغاز والنفط والتراب الذى يغطى ثروات معدنية كبيرة وينتج ثروات غذائية أكبر فى بلاد محاصرة بالفقر وبالجوع، وتقترض من صندوق النقد ومن البنك الدولى لكى تشترى الوقود للسيارات والقمح لخبز الناس!
من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته، وها أنا أجد نفسى فى وضع مريح مقارنة بأوضاع الحكومات التى لا تستطيع مثلى تسكين آلامها بمجرد الذهاب إلى خزانة الدواء واختيار جرعة المسكن.
صحيح أننى مضطر لتناول المسكنات لأننى تقدمت فى السن ولم تعد أعضاء جسدى قادرة على أداء وظائفها الحيوية كما ينبغى،  لكننى على الأقل أجاهر بضعفى ولا أحاول إخفاءه أو تجميله، بينما تصر الحكومات العاجزة على التباهى بقوة موهومة وجسد خال من الأمراض. •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

الاقتصاد الإجرامى

فى عالمنا الشرس. هناك عوالم خفية تتحكم بشكل كبير ومخيف فى مجرَى الأحداث. تندلع حروب وتتفشّى أمراض وتُهدَم دول وتُباد أُمَم وتَ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook