صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

خَرَّاط البنات

259 مشاهدة

3 ابريل 2019
كتب : د. عزة بدر



رغم أننى عشت طفولتى بين الدمى، أصنعها على عينى من جواربى المدرسية البيضاء، ومن جواربى «الفيليه» فى صباىّ، أحشو رؤوسها الصغيرة بالقطن الطبى الناعم، وأحشو أذرعتها ببقايا ثيابى القديمة أقصقص لها أقداما، وخصلات بنية وسوداء وبيضاء من الفروات التى تراكمت فى بيتنا لخراف عرفت طريقها للتضحية فى الأعياد، وتمتعنا بلحومها وبقيت فرواتها تحت أقدامنا علامات دفء وميسرة. وشهادات حية على ألا شىء يفنى بالكامل.. وإنما تبقى آثاره فالفروات الدافئة ستظل أبدا إرثا تحت أقدام العائلة تدفئهم فى ليالى الشتاء الباردة، وخصلات لعرائسى التى أصنعها من الجوارب!
عرائسى الثلاثة عشر اللواتى كنت أرصهن معى فى سريرى، وأسميهن أسماء رقيقة على كل أسماء الورد التى أعرفها.. سوسن، ياسمين، نرجس، جورية، قرنفلة، فلة، تمر حنة، وردة، ست الحسن، أراولا، زهرة، بنفسج، داليا.. كن يصحبننى طوال الوقت، أتحرك معهن، وفى وسطهن أسير محفوفة بما أسكب عليهن من زجاجات عطر أمى التى ضاقت بفراغ الزجاجات، وسكب العطور، وانشغالى بهن عن كل شىء، عن طعامى، عن دروسى، عن ساعات نومى فأخفتهن وغيبتهن عنى!
هذه الليلات التى بكيت فيها عرائسى، هذه الليلات الطويلة الحالكة لم أعدها أبدا، كانت وحدتى تؤلمنى، ووحشتى تؤنسنى! حتى أفقت ذات ليلة على عروسة لم أصنعها، اشتراها لى أبى عوضا عن عرائسى المفقودات!
كانت العروسة الجديدة ترتدى بذلة زرقاء من الجينز وكانت خصلاتها الناعمة السوداء لا تشبه فروات الصوف الكثيفة البنية، والسوداء، والبيضاء الحقيقية، كانت تسدل قصتها على جبينها، وعيناها زرقاوان من خرز عميق ملون، غائر من زجاج، وكانت عرائسى مرسومات الأعين بمكاحل من أقلام، مرسومات الشفاه بأحمر شفاه حقيقى يتنفس بزبدة الكاكاو، كن يكلمننى ويقبلننى على خدى فى الليل، عندما كانت أمى تتركنى وحدى فى سريرى لتنام على ذراع أبى.
كان ملمس القطن الناعم الذى حشوت به أدمغتهن وأجسادهن الصغيرة يصبح وسادة رأسى، وأصابعى.
كنت أقبلهن، وأنثر على جبينهن العطور، وأصفف فرواتهن بأمشاطى، كنا نتشارك الأمشاط، والعطر، والسرير، وها هى أمى تخفى العرائس، ولاتبقى معى إلا هذه العروسة ذات البذلة الجينز الزرقاء التى قدمها لى أبى ذات ليلة، غريبة عنى، ليس فيها من قطنى، ولا من ملابسى، ولا من رائحتى، تؤلمنى ذراعها البلاستيكية، ودماغها الناشفة، وأكفها المتصلبة، وبطنها الذى احتوى على حجرين لتعمل مثل راديو ترانزستورصغير!، يحرك أبى أحد أزرارها المعدنية فينطلق صوتها كصفير حاد فى أذنى: «ماما.. ماما..» فأُخْرِسُها، وأنزع الحجرين من بطنها فتعود صامتة، جثة بلا حراك.. فى الحقيقة أننى لم أحبها، وكدت أن أعيدها إلى أبى لكى يعود بها إلى بائعها فربما يفهمها أكثر، لا أستطيع أن أطعمها ورقى فهى لا تصدق أن قصاصاته الملونة فواكه مثمرة، فالورق الأحمر فراولة، والأخضر حبات نبق، والأصفر سباطات موز كاملة، إنها لا تصدقنى ولا تثق بى، وأنا لا أريدها لأنها لا تفهمنى، وليست صنيعة يدى.
خجلت من أن أرد هدية أبى، وأتعبتنى أسئلتى لأمى.. أين العرائس؟
أين جواربي؟ أين فروات رؤوسهن التى أصل أطرافها بضفائرى كل ليلة لأنام؟
فتقول أمى: نبت ثدياك، وتلعبين بالعرائس؟! خرطك خَرَّاط البنات وترصينها، وتكلمين نفسك، وتنادين عليهن، تهذين فى الليل: فلة.. ياسمينة.. جورية.. بنفسج.. هل جننت؟.. البنات فى مثل سنك فتحن بيوتا، أصبحن عرائس حقيقية، أعدتهن أمهاتهن ليكن زوجات، وسيدات بيوت، وأنت كما أنت لازلت طفلة؟!
.. سيظل بحثى مستمرا فى كل مكان، فى السندرة، فى المنوّر، فى سحارات أمى، فى خزانة ملابسنا الضخمة، فى حشو الوسائد، فى جوف المراتب القطنية، أشق قلبها بجنون بحثا عن عرائسى، لن يتوقف بكائى أبدا لأن شيئا من طفولتى تم إخفاؤه، والإجهاز عليه، اختطفوا عرائسى إلى جهة غير معلومة، وهذه العروسة البلاستيكية سأعيدها إلى بائعها ذات يوم ملفوفة بورق السوليفان.
والآن بعد كل هذه السنوات الطوال.. يرن صوتى أمى فى أذنى - وأنا أسألها عن عرائسى تلك - فتقول ضاحكة: «أخذها خَرَّاط البنات»! •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

قوة مصر الذكية

فى البدء كانت مصر.. بداية الإنسان والإنسانية.. بداية العلم  والحضارة باختلاف المسميات العلمية للحضارات كانت مصر هى المهد ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook