صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

مفتاح السطوح الروسى.. والمسلسل التركى.. والقائد المتأمل

70 مشاهدة

13 مارس 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة
 

فى خريف العام ألفين وستة التحقت بالعمل فى قناة «روسيا اليوم» التى تبث من موسكو، المدينة العظيمة التى تأسر قلب وعقل من يزورها ناهيك عمن يعيش فيها.قضيت الأسابيع الأولى فى التعرف على المكان والاستمتاع بجماليات المدينة التى تبدو فى نظر من يراها لأول مرة وكأنها متحف كبير، وكنت أحب المشى على ضفة النهر رغم برودة الطقس، وقضيت ساعات فى الحدائق التى تبدو وكأنها مكسوة بالذهب حين تغطيها أوراق الشجر المصفرة فى الخريف.

لكننى رغم انهماكى فى العمل وفى الفرجة، كنت أعانى من الملل القاتل حين أعود إلى شقتى الصغيرة المستأجرة فى عمارة «ستالينية» قريبة من الساحة الحمراء، فما أن أدخل «البيت» حتى ينتابنى شعور بالعزلة المطلقة عن العالم، فلا صحف عربية فى موسكو، ولا قنوات عربية أو إنجليزية متاحة على جهاز التلفاز المبرمج لعرض خمس قنوات كيبل روسية فقط، تقدم برامجها باللغة الروسية التى لا أعرف منها حرفًا.
سألت الزملاء فى العمل عن كيفية تركيب جهاز ستالايت لكى أستطيع مشاهدة القنوات العربية، فأبلغونى أن ذلك ممكن، لكنه صعب جدًا فى موسكو، لأن الطبق اللاقط يجب أن يكون مثبتًا على سطح العمارة، لكن باب السطح مغلق دائمًا، ومفتاحه موجود لدى إدارة الحى التى لن تفتح الباب لتركيب طبق بث تليفزيونى.
قال لى زملاء مروا بالتجربة إن علىّ أن أعد خطة محكمة لفتح باب السطح وتمكين فنى الستالايت من تركيب الطبق اللاقط بسرعة، وكان ذلك يعنى الكذب على إدارة الحى والادعاء بأن لدى عطل كهربائى يوجب فتح باب سطح العمارة.
فعلت ذلك، واستجابت إدارة الحى لشكواى بأن أرسلت فنى كهرباء ومعه مفتاح سطح العمارة، لكى يصلح العطل الكهربائى المزعوم. وكنت قد اتفقت مع فنى الستالايت على إحضار الطبق والانتظار فى شقتى حتى يتم فتح الباب، ليصعد وينجز مهمته الفضائية بسرعة وخفة يتطلبها الموقف الصعب.
وضعت مبلغًا من الروبلات فى يد فنى الكهرباء وأقنعته بأن يشرب الشاى فى شقتى ريثما ينهى فنى الستالايت عمله على السطح. وكان هذا ما حدث، وما هى إلا ساعة حتى كان لدى بث فضائى مكتمل القنوات.
شعرت بعودتى إلى الارتباط بالعالم، فها هى قنوات تنطق بالعربية وأخرى بالإنجليزية التى أفهمها، وغيرها بالفرنسية والإيطالية والبولندية والتركية وهى جميعًا لغات تتساوى مع الروسية فى جهلى بها.
عرفت أن قمر «النايل سات» لا يغطى روسيا، ولذلك تغيب معظم القنوات العربية، ولا يظهر منها إلا القنوات الموجودة على القمر الأوروبى «هوت بيرد»، وقلت لنفسى إن هذا يكفى وهو أفضل من لا شيء.
مع مرور الأيام صرت أعرف مواعيد البرامج والمسلسلات على القنوات، وكان منها مسلسل تركى مدبلج باللغة العربية اسمه «سنوات الضياع»، وكنت أتابع حلقاته كل ليلة بلا منغصات على قناة التليفزيون الليبى، وكانت شحنة التشويق تتصاعد فى كل حلقة وصولًا إلى الذروة الدرامية فى الحلقة الأخيرة.
فى موعد الحلقة الأخيرة تفرغت تمامًا للمشاهدة، وجلست أمام شاشة التليفزيون لأعرف مصائر الشخصيات الرئيسية فى هذا العمل الدرامى، وما أن بدأت الحلقة حتى توقف بثها وانتقلت القناة فى بث حى ومباشر للرئيس الراحل معمر القذافى وهو يسير على شاطئ البحر ويدخن، وكان العنوان المكتوب على الشاشة «القائد يتأمل».
جلست أتابع القائد وهو يتأمل، ولم أكن أعرف أنه يحب التأمل حد المشى أكثر ما ساعتين على رمال شاطئ البحر المتوسط، وقد سيطرت على تفكيرى قناعة جهنمية بأن «القائد» يناكفنى، وأنه قرر التأمل فى هذا الوقت تحديدًا ليحرمنى من مشاهدة مسلسلى المفضل. وقادنى سوء الظن إلى الاعتقاد بأن «القائد» سيتوقف عن المشى والتأمل عندما أنام.. فنمت.
هزمنى القائد المتأمل، وأعتقد أن ذلك الإنجاز كان آخر انتصاراته يرحمه الله، وأعترف أننى ما زلت مسكونًا بالفضول، وأفكر كثيرًا فى السيناريوهات المتخيلة  لنهاية المسلسل الذى بدأ بدراما فتح باب السطوح وانتهى بتأمل «القائد».
لم تكن تلك آخر هزائمى،  فقد هزمت بعد ذلك أكثر من مرة، وتنوعت هزائمى فى سنوات الضياع بين الفشل فى تأمين لقمة العيش، والعجز عن تحقيق الحضور فى المشهد الأدبى، واليأس من قدرة الحلاق على تحويلى إلى كائن وسيم.. وكان وراء كل هزيمة قائد يتأمل.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

صـورة افريقيا

جاء أوانها. وزمانها. فهى قارة المستقبل. الصراع محمومٌ على أراضيها. الكل يريد أن ينهب إفريقيا. نهب لمواردها وأراضيها وشعبها. وه..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook