صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

حين فشل «ناجح» وزعقت «همسة»!

96 مشاهدة

6 مارس 2019



كتب: فؤاد أبو حجلة
 

ولدت فى عمان المدينة التى يزيدنى البعد عنها حنينًا إلى حواريها وأزقتها القديمة وضواحيها الفاخرة الجديدة، وقضيت سنى طفولتى فى «ديراستيا» قريتى الصغيرة الوادعة التى تسترخى تحت الجبل فى الضفة الأخرى من النهر المقدس. فى تلك الأيام كنت أعرف بكنيتى «أبو النادر»، ولم أعرف أن اسمى فؤاد إلا فى المدرسة عندما أصر أستاذ الصف الأول الابتدائى على مخاطبتى بهذا الاسم الغريب! وكان حال كل أقرانى مثل حالى.. «أبوالسعيد» و«الحوت»، و«أبو الصيصان».

فى نهاية دوام اليوم الأول فى تلك السنة الدراسية البعيدة عدت إلى البيت مهمومًا بسؤال الهوية... وهو سؤال لا يزال يشغلنى ويشغل الكثيرين من المثقفين العرب حتى الآن. لكن أمى، يرحمها الله، علمتنى فى ذلك اليوم أن لكل شخص اسمين، واحد له والثانى للحكومة، واستمرت فى مخاطبتى بكنيتى حتى توفاها الله. حولتنى المعاملات الرسمية والأوراق الثبوتية إلى فؤاد، رغم أن «أبو النادر» اسم أكثر وقارًا ويكفى أنه يملأ الفم، ولا يشترك فيه معى مطرب أفراح أو خبير فى المكياج. وقد قبلت التعايش مع هذا الاسم، ولا أزال متعايشًا معه على مضض، خاصة وأننى بلغت من العمر عتيًا، وأنوى أداء فريضة الحج، ما سيقود إلى اقتران غير مألوف بين اللقب والاسم حين يصير اسمى الحاج فؤاد!
ظل الاسم الرسمى ملازمًا لى كظلى،  حتى بدأت العمل فى الظل، وانخرطت فى النشاط السياسى فى زمن الجمر العربى،  فمنذ الخطوة الأولى فى هذا الطريق الوعر كان علىّ أن أحمل اسمًا آخر، وهميًا أو حركيًا، وعرفت آنئذ أن لكل شخص اسمان واحد له والثانى للحزب. وقد حملت الكثير من الأسماء الحركية قبل أن أعود فى زمن الرماد العربى إلى اسم الحكومة «فؤاد».
تعودت الآن على الاسم، ولم يعد هناك ما يحرجنى، خاصة وأن معظم الزملاء فى العمل يكتفون بمخاطبتى بكلمة «أستاذ» بينما يخاطبنى أصدقائى وأقاربى باسم «أبو أيمن» وهو اسم يليق بالاقتران بلقب «الحاج». وليس مهمًا إن كنت مرتاحًا أو غير مرتاح للاسم، فهناك مثل إنجليزى يقول: نادنى بأى اسم تريد، ولكن لا تتأخر بمناداتى لتناول العشاء.
صرت محايدًا تمامًا إزاء الأسماء، لكننى لم أتخلص من فضولى فى تفسيرها والبحث عن تبريرها، إذن كيف يمكن أن يكون «كريم» اسمًا لشخص متطرف فى البخل! وكيف يمكن أن تحمل امرأة حرمها الله من أى ملمح للجمال اسم «جميلة»! ومن أطلق اسم «سامح» على شخص حقود لا يسامح أحدًا! وكيف يمكن أن يكون «نبيل» مثلًا نموذجًا للنذالة؟!
أظن، وليس كل الظن إثمًا، أن الآباء والأمهات يمنحون أطفالهم أسماء تجسد أمنياتهم الخيرة لأبنائهم وبناتهم فيسمون الولد «ناجح» رغم أنه قد يكون مثالًا للفشل حين يكبر، ويسمون البنت «همسة» رغم إدمانها على الزعيق كطفلة.. وكزوجة حين تكبر وتقترن بزوج صامت!
زمان، أى فى أيام التلقين فى المدارس، كنا نعتقد أن لكل امرئ من اسمه نصيب. وها نحن نكتشف خطأ هذا القول حين نرى أصدقاءنا وزملاءنا فى العمل وأقرباءنا يحملون أسماء تعنى نقيض صفاتهم.
قبل عقدين من الزمان، عملت فى صحيفة أسبوعية صغيرة كان مجموع العاملين فيها لا يتجاوز الخمسين شخصًا من الذكور والإناث. وأذكر أن من بين الزملاء كان هناك ثلاثة يحملون اسم «جهاد» منهم رئيس التحرير، وواحد اسمه «نضال» ومصمم صفحات اسمه «ثائر» ورسام كاريكاتير اسمه «كفاح» ومدير إعلان اسمه «ضيغم» ومشرف إنتاج اسمه «فيلق» وموظف استقبال اسمه «عقيد».
كانت نظرة واحدة إلى الأسماء الواردة فى كشف العاملين تدفع المرء للاعتقاد بأن هؤلاء مقاتلون فى الجبهة وليسوا موظفين فى صحيفة. وكنت أضحك كثيرًا وأنا أخاطب الزملاء بأسمائهم، وأعتذر عن عدم ملاءمة اسمى للعمل فى هذه «الكتيبة» الصحفية، وكنت حين أراهم مجتمعين أعتقد أنهم يعقدون مجلس حرب، وقد أسميت قاعة التحرير «غرفة العمليات».
صاحب الصحيفة ورئيس مجلس إدارتها كان أيضًا صاحب اسم قتالى، ورغم دماثة ولطف الدكتور رياض الحروب، إلا أنه كان يعتبر العمل معركة مستمرة، وكان ينظر إلى موعد الطباعة باعتباره «ساعة الصفر». خسرت الصحيفة معركتها، وبيعت إلى مستثمر تخلص من «طواقم» العمل، واستبدلها بطواقم أكثر وداعة، وتفرق جهاد ونضال وكفاح وثائر وتفرغوا للبحث عن وظائف أخرى فى مؤسسات لا تعلن «الاستنفار» ولا تخوض حروبًا صحفية.
وبقيت أنا ملتزمًا باسم الحكومة، لأنه الوحيد الكافى للدلالة على أننى لست مدرجًا فى قوائم المحاربين ولا فى قوائم المطلوبين. وهو الاسم الذى تبين أن لى منه نصيب بعد أن أظهرت نتائج الفحص الطبى أن المريض «فؤاد» يعانى من ضعف فى عضلة القلب. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

افريقيا 2

عبر زمن طويل طويل. عانت أفريقيا كما لم تعان قارة من قبل. ولاقت شعوبها من العذاب والدمار والاستغلال ما لم تتذوقه شعوب غيرها عبر..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook