صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

الحياة فى ميونخ

401 مشاهدة

27 فبراير 2019
كتب : طارق رضوان



على أرض ميونخ تتجلى الحضارة الإنسانية. وعلى أرضها تعيش كل الحضارات الإنسانية المختلفة فى حرية وكسرت كل قيود الحضارة الألمانية الصارمة. فيمكنك فى أقل من دقائق أن تنتقل من حضارة الغرب إلى حضارة الشرق. فقط تنتقل من شارع إلى شارع. أو من محل إلى آخر. تجعلك تشعر بالحسرة لأننا تأخرنا كثيرًا عن تلك الدول المتقدمة. فقد انتهوا تمامًا وتحرروا من قيود الماضى.

تحرروا من فكرة الدين والحرية والديمقراطية. وتحرروا من الفساد والمحسوبية. وتحرروا من فقراء الفكر وكراكيب الماضى. فى ميونخ يعيش الناس دنياهم التى يستحقونها. مبهجة وآمنة ومستقرة.
« 1 »
تلك البلدة الواقعة جنوب ألمانيا شهدت من المؤامرات الدولية والصفقات الكبرى ما لم تشهده أى مدينة فى العالم. لذلك فهى مدينة الأسرار. تشعر وكأن كل ركن من أركانها هناك سر ما خفى مختبئ. على وجوه البشر حيرة. تبدو حيرة وخوفا من المستقبل. كل شىء منتظم ومنضبط. فقد حافظت الدولة الألمانية على كل وظائفها كاملة ولم تتخلَّ عن أى وظيفة. لم تترك الناس للناس يحكمون بعضهم بعضا. بل الدولة القوية تحكم وتفرد مظلتها فى صرامة وعلى الجميع أن يخضع. وليس أمامه سوى الطاعة برضا وإلا سيخرج منها ولن يعود إليها أبدا. وهو ما يعكس صورتنا البائسة فى مصر منذ أربعين عاما. فقد تخلت الدولة عندنا عن كل وظائفها وتركت مصير الشعب فى يد مجموعة من اللصوص والمنتفعين والاستغلاليين فدبت الفوضى. وأصبحت مصر يحكمها الكلبيتوقراطية أى حكم اللصوص. فتأخرت كثيرًا عن الحضارات الإنسانية الطبيعية المتطورة. فقد بدأت ألمانيا البناء الحقيقى لدولتها الموحدة منذ عام 1990. أى أنها بدأت فى البناء المتكامل لدولة موحدة منذ تسعة وعشرين عامًا فقط ووصلت فى تلك السنوات لمصاف الدول الكبرى المتقدمة حضاريا. أما فى مصر فقد بدأنا البناء منذ انتهاء حرب أكتوبر المجيدة أى منذ أربعين عاما وكأننا نبنى دولة من تراب. تنهار بين الحين والآخر. إلى أن جاء الرئيس السيسى ليبنى دولة حقيقية على أسس حديثة لتواكب العصر. أربعون عاما ومصر متوقفة متقلصة شرايينها ومتقوقعة على نفسها فخرجت من التاريخ. أما هناك فقد وضعوا استراتيجيتهم ووضعوا خططهم وقوانينهم والتزموا بها فوصلوا لقمة الحضارة الإنسانية. ألمانىا جزء من مصر. تشبهها كثيرا فى كل شىء. فى الفنون وفى صلابة العمل وفى الإرادة والتحدى وفى التلاحم الاجتماعى وفى تقبل الآخر والحفاظ على الهوية والتمسك بالدين لخدمة الروح الألمانية. لكنهم التزموا بالنظام وانجرفنا نحن للفوضى.
« 2 »
فى ميونخ يلعب الدين جزءًا كبيرا فى حياتهم. فهو المخلص من النزاعات النفسية التى تواجههم من وحش الحداثة القاتل. لذلك فالكنائس ممتلئة بالبشر. فى داخل بهو الكنيسة الكبرى كنيسة «سان مايكل» بوسط المدينة يتزاحم الشباب مع العجائز. وعندما حضرت قداس الأحد وجدت الكتاب المقدس فى يد الجميع. شباب يبحث عن الأمان النفسى وعجائز تطلب الرحمة والمغفرة. والجميع تحت مظلة الكنيسة التى بدورها تحت مظلة الدولة. حالة من السكون ومن والرهبة. وبعد انتهاء الطقوس الدينية يسير الجميع فى هدوء وتأن تأثرا بالقداس وبالروح التى اكتسبوها من دقائق داخل الكنيسة. والكنيسة من الخارج على طراز معمارى خاص بالقرون الوسطى بهوها مرصع بالذهب وفى سقفها نقوش دينية على الطراز الفنى القديم. يبدو من أول نظرة مدى العناية الدائمة به. الكنيسة شاهقة الارتفاع. على قممها تماثيل لملائكة من تصور فنانيها. كأنها فى طريقها لتطير إلى السماء. كأنها توحى بأخذ يد البشر من الأرض إلى السماء. مبهرة ومبهجة ومقدسة. ووسط تلك الطقوس خلقت حالة من الود والحميمية ما بين الناس. فتجد الجميع راضيا تماما ومتزنا ولو لبضع دقائق قبل أن تأخذهم الحياة المدنية بكل ما فيها من تناقضات ونزاعات. الدين عنصر مهم عند الألمان. مخدر مضمون ومهدئ من غول الحداثة الموحش. وكما المسيحية مكان ومكانة الإسلام هو الآخر له نفس المكانة لكن لأغراض أخرى. ففى ميونخ المركز الإسلامى قام ببنائه مفكرون نازيون لاستخدام الإسلام سلاحا سياسيًا وقت الحرب العالمية الثانية. ثم تولى المركز وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية مسئوليته لمحاربة الشيوعية وقت الحرب الباردة. ثم طورت الاستخبارات الأمريكية الأمر وجعلته مستقرا لجماعة الإخوان الإرهابية لإرساء قاعدة لأشطة سياسية ذات عنف ممنهج.
« 3 »
هؤلاء الناس يكرهوننا. الغرب كله يكره الشرق. فهم رغم قوتهم الحضارية وتقدمهم التكنولوجى إلا أنهم لا يمتلكون فعليا مصدر تلك الحضارة. لا يمتلكون مصدر الطاقة. فحياتهم كلها متوقفة على أهم عنصر من عناصر البشرية وهى الطاقة. نفط وغاز وموارد طبيعية. ونحن نمتلك تلك العناصر وبوفرة. لذلك فهم يشعرون أنهم مضطرون للتعامل معنا. مضطرون للجوء إلينا. مضطرون لعقد الصفقات والاتفاقات طويلة الأمد للحفاظ على توازن التقدم الرهيب المرتبط بما نملك نحن. لذا فهم يكرهوننا ويتمنون لو امتلكوا ما بين ايدينا ليسحقونا تماما ويغلقون بلادهم على انفسهم. يفتحونها فقط عندما يريدون الشباب ليعمل عندهم وهم يعانون من تقدم السن حتى أطلقوا على أنفسهم القارة العجوز. لذلك فهم علنًا يمدون أيديهم لنا بالمساعدات ويعقدون الصفقات وفى الخفاء يغذون الإرهاب والتخلف ويبثون الفوضى فى بلادنا كى لا نتقدم ونظل تابعين خاضعين لهم. إذا فتحت التلفاز وقلبت ما بين القنوات تجد الفرق الرهيب. صور لبلادنا فى الشرق وكلها حروب ونزاعات وإرهاب وفقراء تجرى فى شوارع فقيرة. وصور أخرى لهم. حياة هادئة مستقرة بشوارع غنية منتظمة ونظيفة. هنا تعرف السر. سر تفوقهم وسر تخلفنا. فهم يساعدون على زيادة تخلفنا وفى نفس الوقت يستغلون مواردنا ليبنوا حضارة بلادهم. عين على بلادهم وعين على بلادنا ومواردنا وسوقنا الكبيرة المكتظة بالبشر.
« 4 »
فى ميونخ تظهر بوضوح دبلوماسية الطعام. ففى كل شارع مخصص للمطاعم هناك مطاعم أمريكية وصينية وهندية  وألمانية وإيطالية وتركية وعراقية وسورية. كل منها يقدم وجبات بلاده بمهارة وابتكار. يكتب على محله من الخارج نوع الطعام المقدم. يكتسح الطعام الشرقى لرخص ثمنه وطيب صناعته. كل مطعم يبوح بسر بلاده ويجتذب زواره فى ود مبالغ من القائمين عليه. ولو عرفوا أنك مصرى كما حدث معى يزداد الود بقطعة لحم زائدة أو بوردة أو بشمعة أو بذكريات عن مصر. لم تكتفِ ديبلوماسية الطعام بنشر الثقافات. بل دخلت الشيشة الشرقية كافيهات ميونخ. واسمها «شيشة». الكل ينطقها بنفس الاسم بالإنجليزية والألمانية وحتى الفرنسية. وهى بديل جديد ومبهر للألمان عن السجائر. فالألمان شعب مدخن شره. وخصوصا الشباب. قبل العمل صباحا تجد العمال والعاملات يقفون خارج المحل قبل بداية العمل يقفون ليدخنوا السجائر. وفى وقت الراحة الجميع يخرجون ليدخنوا. فوجدت الشيشة زبونا مضمونا بديلا جديدا مبهرا للألمان. شراهة التدخين تدل على عدم اتزان. على ضغوط نفسية رهيبة لا أعرف سرا لها سوى أنك ترى كل الوجوه شاردة وهى تستمتع بالدخان المتطاير فى الهواء البارد. التدخين هناك أسلوب حياة وليس رفاهية. فالشعب الألمانى يعانى ومضغوط والحداثة بسرعتها الرهيبة تضغط على أعصابهم بقوة، لذلك فهم يبحثون عن اللذة الوقتية. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

جرائــم الإخوان

فى التسعينيات،  وهى الحقبة الأهم والأخطر فى تاريخ العالم الحديث. انهار الإمبراطور السوفيتى وتحطم سور برلين وتشرذمت أوروبا..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook