صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

رقصة ساكنة!

272 مشاهدة

23 يناير 2019
كتب : د. عزة بدر



تتأمل القارب الذى ينشر أشرعته ويمضى فى أمان جدران «النيش»، تراقبه وهو يحاذى الأوانى الفضية، ويسير جنبًا إلى جنب مع عدة تماثيل من الصينى، أحدهما لعروسين يرقصان، وقد تجمدت رقصتهما فى النيش أكثر من عشرين عامًا!
القارب يهتز.. يتمايل.. ترقبه من زجاج الخزانة بينما كان صوت أبيها يرتفع عاليا.
القارب يميد بما فيه، حمولات من ذكريات الطفولة، أحمال من لعبها الفرو البيضاء التى كادت تبتل، وتهوى بين أمواج «النيش» العاتية، أبوها يخرج مهرولاً، وعلى ذقنه رغوة صابون هائلة تكبر شيئًا فشيئًا فتكاد تغرق الصالة كاملة، وتتسرب فى جميع أنحاء البيت، فى يده شفرة حلاقة، وقد جرح خده جرحًا صغيرًا ما لبث أن اتسع، اتخذت أمها ركنًا جانبيًا فى الصالة، وارتفع صوتها قليلاً - قلت لك.. لن أذهب معك إلى أى مكان، اعتذر لهم، اعتذر للجميع، تحملت فوق طاقتى، تحملت كثيرا، ونفد صبرى.
القارب يغوص فى «النيش»، فكرت أن ثمة ثقبًا هائلا يعصف به، وأنه عما قليل سيمتلئ بالماء حد الغرق.
لا تصدق الآن كلمات أمها أن وجود القارب وهو يتهادى فى البيت، ويتمرغ بحنان بين الأوانى الفضية يعنى أن الريح رخاء، وأن القارب ضمانة علاقة هانئة سعيدة للعروسين اللذين تجمدت رقصتهما منذ عشرين عامًا، بدا تمثالهما الخزفى مشروخًا وشريط لاصق يحاول أن يجمعهما فى رقصة ساكنة لا توحى بشيء.
يرتفع صوت أبيها..: «لا تذهبى.. لن أطلب منك أبدًا أن تأتى معى.. أتحسبين أن ذلك مُهم.. أبدًا»!
يتعالى صوت أمها: «حين تحتاج لواجهة عائلية تأخذنى معك، وحين أحتاجك تتركنى أذهب للطبيب وحدى، آكل وحدى، أنام وحدي».
يغوص القارب أكثر فى قلب الخزانة، يكاد يخترق  الرف الخشبى، ويسقط إلى الدور الثانى من «النيش» ورغم أنه مصنوع من «الزان» إلا أنه كاد أن يتزلزل وكأن عصفًا مجهولاً يعصف به.
صوت أمها يملأ جنبات البيت: آخر  مرة أذهب معك إلى أى مكان.. سأذهب فقط لأنهم ينتظرونني»!
تهدر أمواج «النيش»، يتهشم الزجاج فجأة دون أن ينكسر، تنفجر شرايينه فتبدو زخاته، وشبكة عروقه الزجاجية الشفافة، ونصف الشفافة فى تكتلات عنكبوتية لافتة، لا تدرى حتى الآن ما الذى يمسكها حتى لا تنفجر؟.. القطنة الكبيرة على ذقن أبيها المجروحة يزداد حجمها، جرح ذقنه يزداد اتساعًا، صوته لايزال يهدر «آخر مرة.. يا ريت تكون آخر مرة»!
تمتلئ عينا أمها بالدموع، تنعكس صورة القارب وهو يغوص فى عينيها، لن تصدق أبدا أن وجود القارب فى خزانة الأوانى رمز للأمان، وأن كل شيء بين العروسين يمضى فى سلام، لاتصدق أن النهر نفسه سيمضى فى هدأته من المنبع حتى المصب.
الشريط اللاصق نفسه بدأ ينزلق، والرقصة الساكنة تنقسم إلى حركتين، كل منهما يذهب فى ناحية، يميل كل منهما فى جانب، تمثالهما يرقد على ظهره، وهو يئن أنينًا موجعًا، أمواج الزجاج بدأت تتلاطم، وتهوى على هيئة رذاذ قطع صغيرة بدأت فى الانفجار، بعدما هدأت العاصفة حملت أمها تمثالى «العروسين» ورأتها تعاود جمعهما معًا بشريط لاصق جديد، تحاول أن تحتويهما فى رقصة أخرى ساكنة بينما عيناها تتلألآن بدموع كبيرة مموهة بكحل أسود ثقيل، تتأمل القارب الخشبى وهو يمضى سابحًا فى الدور الثانى من النيش على لوح آخر من الزان وقد تعلق به كالغريق!
والثقوب السوداء التى بدت فى جنبات القارب لم تكن سوداء بالكامل، بل تشع وميضًا غامضًا، بينما نقلت أمها تمثال العروسين بشريطهما اللاصق إلى جوار القارب، وهى تهمس فى خفوت: «قارب الحياة لابد أن يمضي»، وكانت الصغيرة تمسح دموعها فى سكون. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

ثورة الكرامة

فى بلادنا الطيبة، ذات ليل عمت الفوضى، ليتسلل إلى وادينا الضباع، كان الشعب الطيب يترنح، خائفًا وقلقًا وحائرًا، فقد أمانه ويومه ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook