صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

تعالوا نهاجر إلى المريخ!

265 مشاهدة

23 يناير 2019



فؤاد أبو حجلة
 

أعلنتْ مُؤسَّسة هولندية - غير ربحيَّة- العام الماضى، أسماءَ أكثر من عشرين شخصًا فازوا بتذاكر سفر إلى المرِّيخ، عندما يكون ذلك مُمكنًا بعد العام 2020.

اللافت فى هذا الخبر أنَّ تذاكر السفر هى للذهاب فقط، ولا تشملُ العودة إلى الأرض؛ مما يعنى أنَّ هؤلاء الفائزين يرغبون فى الاستقرار فى المريخ، والعيش بعيدا عن تعاسة الأرض ومصائبها، وقد كان الفائزون بالتذاكر من بين عشرات الآلاف ممن تقدَّموا للحصول على فرصة الحياة فى المريخ.. أو لنكُن أكثر تحديدا ونعترف بأنهم أرادوا فقط الهروب من الحياة على الأرض.
اللافت أيضا أن مُعظم المتقدمين لنيل هذه «الفرصة» كانوا من المواطنين الأوروبيين الذين يعيشون فى دول توفِّر العيشَ الكريمَ والرفاهية لمواطنيها، وليسوا من أبناء العالم الثالث الذى يحترف تجويع مواطنيه وإذلالهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية المكفولة فى الدساتير.
ما الذى يَدْفع مُواطنًا هولنديًا أو فرنسيًا أو بريطانيًا إلى مواجهة المجهول والمجازفة بالعيش فى كَوْكب لا بيوت ولا أسواق ولا دور سينما ولا مسارح فيه؟ بل ما الذى يَدْفع هؤلاء للذهاب إلى تراب قد لا يكون فيه طعام؟
هل هم انتحاريون، أم بشر ملُّوا من الحياة فى الأرض وأرادوا الخلاص من روتينها القاتل، أم أشخاص مسكونون بحب المغامرة وتجربة الجديد حتى لو كان فى ذلك مخاطرة بالحياة؟!
الأقرب إلى المنطق أن هؤلاء لا يعتبرون الحياة على الأرض ذات قيمة، وهم ليسوا جياعا ولا عاطلين عن العمل، وبينهم أطباء ومحامون ومهندسون وأساتذة فى الجامعات؛ لذا فإنَّهم لا يهربون من الفقر، بل يدفعهم اليأس من إصلاح الكوكب إلى البحث عن كوكب آخر.. كوكب بكر، لم تعبث به الولايات المتحدة، ولم يستسلم لفساد الحكومات، ولم يحترف الانحياز إلى الغلط.
قبل اكتشاف المريخ كان البشر قد وصلوا إلى القمر، وحين كان رائد الفضاء الأمريكى نيل أرمسترونج يغرس علم بلاده فى تراب الكوكب البعيد كنا نشعر بالغيرة وبالحسد من إنجاز الخواجات، لكننا سرعان ما تفوقنا عليهم حين أكدت لنا المرحومة فايزة أحمد أن لا حاجة لنا بالسفر إلى القمر لأنه جاء إلينا وكان واقفا على الباب.. وظل واقفا ولم نفتح له أبوابنا، ثم أبهرنا الموسيقار ملحم بركات باكتشاف علمى فذ حين أعلن وقوف قمرين، وليس قمرا واحدا، على بابه، ولم نعرف حتى الآن إن كان الموسيقار قد فتح الباب لضيفيه أم عادا خائبين إلى الفضاء!
المريخ أكبر وأبعد وربما يكون أغنى كثيرا من القمر، ويبدو أنه جاذب لليائسين والمحبطين فى كل بلاد الدنيا.. إلا بلادنا التى يتكاثر فيها اليائسون والمحبطون والمقهورون، لكنَّهم لا يفكرون فى غزو الفضاء، ولا يبحثون عن الحياة فى المريخ أو فى القمر أو فى أى كوكب آخر، ويكتفون بانتظار الفرج ويقبلون بأقل القليل من أجل البقاء على قيد الحياة حتى لو فى السجلات الرسمية فقط. ولدينا أيضا من يبحثون عن الهروب من الحياة إلى الموت؛ فيذهبون إلى «داعش» وغيرها من منظمات الإرهاب الظلامى التى تُحيل البلاد إلى خراب، وتساوى بين ما كان مدنا حية وبين صحراء المريخ الجرداء.
لن يُقدم أحد تذاكر سفر إلى المريخ لليائسين العرب؛ لذا يلجأ هؤلاء إلى البحث عن حلولهم الخاصة، ويتطوعون للموت دفاعا عن الجهل والتخلف والظلام. ولأن اليأس مؤسَّس فى النفس بعد عشرات السنين من الفساد والقمع والإفقار، فإنَّ إشاعة الأمل فى الإصلاح تبدو مهمة صعبة إنْ لم تكن مستحيلة فى هذا الزمن العربى البائس اليائس.
... بَيْن يائسينا ويائسيهم فروقٌ كثيرة؛ فهم يعيشون فى مجتمعات نفضتْ تخلفها منذ اندحار القوى الظلامية التى هيمنتْ على أوروبا بالسحر والشعوذة فى العصور الوسطى، بينما يعيش يائسونا فى مجتمعات لفظت إرثها الحضارى وانسلخت عن تاريخها العريق لتحيى جهلا عميقا تعززه قناعات مريضة ترسخ العصبيات الطائفية والعرقية على أطراف الأنهار فى المدن التى كانت، ذات زمن، تقود العالم.
لكنَّ هناك تشابها واحدا بين الحالتين يكشفُ رغبة اليائسين بالعيش فى الخراب أو الموت فيه؛ فمنْ يرَ الصُّور الملتقطة لسطح المريخ يكتشف التشابه بين تلك الصحراء الفضائية وتراب المدن التى يستوطن فيها الدواعش والقاعديون وأبناء التنظيمات الإرهابية الأخرى الساعية إلى الخراب.
يبحثُ المحبطون الأوروبيون عن حياة أخرى فى المريخ، ويبحث المحبطون العرب عن موت متاح فى الأرض المنذورة للفساد والجهل والتخلف، وفى الحالتين يختار المحبطون الخواء للعيش أو للموت فيه، وكأن القبور لا هيبة لها إلا عندما تكون جماعية وبلا شواهد. لكن محبطينا يبدون أكثر طموحا من نظرائهم الأوروبيين لأنهم يسعون إلى اكتشاف الآخرة بدلا من اكتشاف الدنيا.
 رغم ذلك يظل الهروب من الواقع حلما يراود عرب الألفية الثالثة، ولو بادرت الجامعة العربية إلى فتح باب السفر وقبول طلبات الهجرة إلى المريخ فإن ملايين من العرب المشارقة والمغاربة سيحاولون حجز مقاعد فى المركبات الفضائية الذاهبة إلى المجهول.
أنا واحد من هؤلاء، وأحلم بتقاعد مريح فى كوكب آخر لا يشبه القمر فى إيحائه الرومانسى، ولا يشبه المريخ فى ثرائه..
أحلم بكوكب حنون ودافئ.. وأنتظر فتح باب السفر إلى «الزهرة». •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

صـورة افريقيا

جاء أوانها. وزمانها. فهى قارة المستقبل. الصراع محمومٌ على أراضيها. الكل يريد أن ينهب إفريقيا. نهب لمواردها وأراضيها وشعبها. وه..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook