صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

الزواج نعمة

85 مشاهدة

2 يناير 2019



 

بقلم: إحسان عبدالقدوس

سألونى مرة: «لماذا تزوجت؟»، قلت: إن الشخص الذى تصدمه سيارة لا يستطيع أن يقول لماذا صدمته السيارة؟ وقد صُدمت.. ومِت، وانتقلت إلى جنات النعيم!».
وسألوني: «وهل يبقى الحب بعد الزواج؟، قلت: إن الحب قبل الزواج صورة بلا إطار قد يقذف بها الهوى- المقصود هو الهواء!- إلى شارع الهرم حينا أو إلى صحراء ألماظة أو طريق السويس أحيانًا، وقد يرتفع بها إلى السماء أو يلقى بها فى الطين، وقد تلوثها مرة يد عسكرى بوليس أو تمزقها يد عزول غيور أو أب رجعى فتشوه الصورة مع الأيام، ويضيع رونقها وينتهى الأمر بإلقائها فى «كرار» الذكريات..، أما الحب بعد الزواج فصورة فى إطار يحفظها من ذلك وتعيش ما عاش.
هذا ما أجبت به بعد أن تزوجت ولو سألونى قبل الزواج لقلت: إن الفرق بين الأعزب والزوج هو الفرق بين الأمم المستقلة والمحتلة!
ولكن هل كنت أقول ذلك عن اقتناع؟ أبدًا.. وصدقونى أنى وبقية العُزَّاب اعتدنا أن نقول ذلك على سبيل المزحة لا غير!
كنت أيامها عضوًا فى شلة المحرومين الجائعين الذين يقفون على أبواب المطاعم وعيونهم تلتهم الأطباق والزبائن ولا يجسرون على الدخول لأنهم مفلسون أو لأن الله قضى عليهم أن يعيشوا فى حرمان فإذا سألتهم لم لا يدخلون ابتسموا فى سخرية، وقالوا: «ما أطيب العيش وأنت جائع!»، فلسفة محرومين، وسخرية مفلسين.
إن لله فى الزواج حكمة خفيت على أنطون الجميل، وفكرى أباظة، ومحمد التابعى، وكامل الشناوى، وأمثالهم من الغلابة العُزَّاب، أو هى حكمة لم تخف عليهم ولكن الله أراد أن يحرمهم من متاعها فكان أن تحدوا الله ساخرين من حكمته وأولئك هم الخاسرون!
وتعالوا أقص عليكم لماذا لم يتزوج هؤلاء الدعاة.. دعاة العزوبية:
أنطون الجميل: هذا الرجل الغامض الذى اجتمع من حوله الناس، وهم لا يعلمون لماذا اجتمعوا من حوله، وأحبوه وهم لا يعلمون لماذا أحبوه؟ إنك لا تستطيع أن تشم فى حديثه رائحة قلبه، ولا أن ترى فى عينيه صور ذكرياته ولكن عُدْ به إلى صفحات مجلة «الزهور» ترى فيها أنطون الجميل الشاب الحائر التائه، يبحث عن شريكة حياته فلا يجدها، ويناديها فلا تجيب، ويخطو إليها خطوة فتبتعد خطوتين، ويتعلق بالأمل ولكن اليأس يغلبه فإذا بقلبه ينقلب إلى «بوبينة» ورق، وإذا بعقله ينقلب إلى آلة طباعة، وإذا به يعيش بين صفحات «الأهرام» تهاجمه وهو أعزل ليس بجانبه الشخص الذى يشد أزره والقلب الذى يحنو عليه، والشفتان اللتان تبتسمان، سلوه عن شعوره عندما يفتح عينيه على نور الصباح فيقابله ظلام وجه خادمه، وعندما يتحسس فراشه فتسرى البرودة فى أعصابه، وعندما يشكو فترتد شكواه إلى قلبه، إنه اعتاد أن يغادر منزله فى السابعة صباحًا هربًا منه، ولكنه لن يستطيع أن يهرب من نفسه، ومن أنات الندم التى تتجاوب فى صدره، الندم على فرص الحياة التى أضاعها بغروره، وكان يستطيع لو انتهزها أن يكون الآن زوجًا وأبًا وكان الله فى عونك أيها الكاتب الشريد!
والتابعى.. الرجل الذى عاش لنفسه اسألوه لماذا لم يتزوج فيقص عليكم مائة قصة أبطالها زوجات خائنات وأزواج مغفلون، وهو يخشى دائمًا أن يقوم بدور البطل فى إحدى هذه القصص، وقد قضى حياته مترددًا بين الإقدام والإحجام، وهو لا يزال محجمًا.
وتعالوا نزر التابعى فى بيته، هذا البيت الذى وضعت كل قطعة فيه بحساب، إن المقاعد فخمة وكأنها صامتة حزينة والشُوَّك والسكاكين من «الكريستوفل» الثمين، وكأن فى رنينها أنينًا، البيت كله ينقصه شيء قد يكون الابتسام، وقد تكون الرقة، وقد تكون الحياة نفسها.
والتابعى نفسه يعيش على البلاط رغم كل هذا الأثاث! ويدور بين الغُرف باحثًا عن صدى قلبه فلا يجد لقلبه صدى، ويفتح الراديو «على آخره» فيضيع صوت الراديو فى صمت البيت ثم يهرع إلى التليفون يحادث هذا أو هذه فيملأ أذنيه ولكن إلى حين، وآه عندما يأتى الليل آه للتابعى من الليل وأرق الليل!
وكامل الشناوى سلوا عمه فضيلة الأستاذ مأمون الشناوى يخبركم يوم خطب لكامل فتاة فتهافت كامل ولكنه عاد وخاف، خاف من نفسه وعلى نفسه فإذا سألته عن السبب لم يحر جوابًا، واكتفى أن يُطالعك بنظرة فيها أسى يحاول أن يخفيه بنكتة!، وإذا حدثته عن الحب قال إن لذة الحب فى الهجر والعذاب لا فى الهدوء وراحة البال.
 من قال هذا.. من قال أن الشبع فى الجوع، والسعادة فى الشقاء، ومتاع الحب فى عذابه، إن العذاب والهجر قد يصلحان كرواية مسرحية أو سينمائية ولكنهما لا يصلحان لحياة الواقع وإلا كانت حياة فاشلة.
.. هؤلاء هم عينة من دعاة «العزوبية» كلهم أعصاب تالفة أتلفتها الوحدة وأتلفتها الأنانية، عندما بخلوا بمجدهم وأسمائهم على زوجاتهم فإذا ما وصلوا إلى السن التى تأباهم فيها النساء، تردد فى رؤوسهم سؤال: لمن سنترك كل هذا المجد، وهذا الاسم الرنان؟ نعم.. لمن ستتركون أسماءكم ومجدكم من بعدكم؟
لا.. لأحد!
وسيضيع المجد والاسم بذهابكم، وستخسرون الدنيا والذكرى، ستخسرون راحة الشيخوخة، وبينكم وبينها خطوات كما خسرتم راحة البال أيام الشباب.
يا وزير الشئون.. زوِّجهم بالعافية! فإن لهم علينا حقًا ولا تتركهم لعنادهم فتكسب فيهم ثوابًا!
(نُشرت المقالة فى مجلة الاثنين والدنيا «أسبوعية» بتاريخ 18 أبريل 1946، ص10). •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

افريقيا 2

عبر زمن طويل طويل. عانت أفريقيا كما لم تعان قارة من قبل. ولاقت شعوبها من العذاب والدمار والاستغلال ما لم تتذوقه شعوب غيرها عبر..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook