صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

ولم يَنْسَ أنه رجلٌ شرقىٌ

298 مشاهدة

2 يناير 2019



كتبت: د. داليا مجدى عبدالغنى

كثيرون اهتموا بقضايا المرأة، سواء القضايا التى تخص قيمتها وقَدْرها فى المجتمع، أو القضايا التى تمثل مُتطلباتها، لكى تستطيع التعايش فى مجتمع، يحكمه الفكر الذُّكورى، ولكن قليلاً من اهتم بالقضايا التى تمس مشاعر المرأة وأحاسيسها وأفكارها وخلجات نفسها، ورغم نُدرة من تحدث فى هذه القضايا، سواء بالمقالات أو بالشعارات أو بالمُناقشات والحوارات، فسيظل العمل الروائى له الريادة فى التعبير عن أى إحساس يمس الإنسان، لذا تربع الكاتب والروائى الراحل «إحسان عبدالقدوس» على عرش العمل الأدبى الإبداعى، الذى يصف كل ثكنات المرأة، وكل ما يدور بخُلدها، حتى فى أدق الأمور والتفاصيل.

فهو ناقش طموحاتها، ورغباتها، وأحلامها، ومخاوفها، حتى الصراع الذى يثور بداخلها بين أحلامها المكبوتة، ومخاوفها المخنوقة داخل ضلوعها، فأنت حينما تقرأ رواية لإحسان عبدالقدوس، تشعر وكأنك أمام أشخاص تتحرك بأجسادها، وأحاسيسها أمامك، فهو لديه قُدرة فائقة على وصف بطلات رواياته، بشكل يجعلك تشعر أنك تسمع صوت البطلة، حتى وهى تهمس بينها وبين نفسها.
ولكن، رغم كل ذلك، ورغم أننى أعتبره من أكثر وأفضل من اهتم بالمرأة شكلاً وموضوعًا، إلا أننى أشعر أن الرجل الشرقى، مهما كانت ثقافته، ورجاحة عقله، وخُروجه عن النمط الفكرى الذكورى، سيظل مؤمنًا بداخله أن المرأة مهما خرجت عن مداره، ستظل تبحث عنه فى كل لحظة من لحظات حياتها، فهو يرى أنها تبحث عن الطموح؛ لكى تخرج من دائرته، وتحقق أحلامها، لكى تؤكد له أنها الأقوى، ولتعيش ندًا له، وأنها دائمًا ستظل تنظر خلفها، لتتيقن أنه يُتابعها، ويبحث عنها، ويرى نجاحها بترقب شديد، ولو لاحظت أنه لا يراها، ستختلق الحِجج؛ لكى تلفت انتباهه لها، ولتقول له: «أنا هنا»، سواء بأفعالها، أو بكلماتها، وهذا ما ظل من وجهة نظرى رابضًا بداخل الكائن الكبير، فهو رغم تحرره الفكرى، وتجرده من المُعتقدات العنصرية، التى تفرق بين الرجل والمرأة، وإيمانه الشديد بحريتها وقدراتها، إلا أنه فى أغلب رواياته كان يُعلن فى نهايتها أن المرأة ستظل تائهة بدون الرجل، وستبحث عنه فى النهاية، وأنها كانت متحررة شكلاً فقط، فهى تحررت؛ لكى تثبت له أنها قوية وناجحة. فعلى سبيل المثال، فى رواية «ونسيت أنى امرأة»، التى تحكى عن «فريدة»، الفتاة التى أصرت أن تستكمل دراستها، وتحصل على درجة الدكتوراه، فى زمن كان حصول المرأة فيه على أقل قسط من التعليم، يُعد معجزة من معجزات الزمن، ولكن هذه الفتاة كانت قوية وطموحة، لدرجة أنها أصبحت أستاذة جامعية، وتقلدت أعلى المناصب السياسية، وتزوجت مرتين، وأنجبت طفلة، إلا أن «إحسان عبد القدوس» جعلها تبحث عن الرجل فى حياتها، حتى ولو كان مُجرد برفان أمام الناس؛ لكى تُثبت أنها تعيش حياة طبيعية، وعندما فشلت فى زواجها مرتين، جعلها تبحث عن حبيبها، الذى رفضت الزواج منه فى بداية حياتها أكثر من مرة؛ لخشيتها من الصراع السياسى، الذى قد ينشب بينهما؛ بسبب اختلافاتهما السياسية، وتوحد أحلامهما، ولكنها فى النهاية، تُحاول استعادته؛ لتشعر فقط أنها امرأة، بالرغم من أنها فاقته فى كل شىء، وعندما تفشل فى ذلك، تجد سلواها فى الاقتراب من السكرتير الخاص بها، وهذا يدل على تشبع عقل الروائى الكبير، بفكرة أن المرأة ستظل لا تشعر بقيمتها، إلا من خلال الرجل.
وكذلك رواية «قلبى ليس فى جيبى»، فرغم أن «سارة»، الفتاة البسيطة تمردت على مجتمعها، وسافرت بمفردها للخارج، ونجحت فى أن تصعد سُلم التجارة من بدايته، حتى أصبحت سيدة أعمال ناجحة بكل المقاييس، مع احتفاظها بجمالها وجاذبيتها، فهى أيضًا تزوجت وفشلت، وحاولت أن تجد نفسها فى علاقات الحب، التى كانت دائمًا ما تنتهى بالإخفاق، وفى النهاية تفكر فى الزواج من سائقها الخاص، وما يمنعها هو خوفها من أن يكون طامعًا فى ثروتها، وما لفت انتباهى هو إصرار الروائى العظيم على وضع المرأة فى إطار الغريق، الذى لا يرسو إلا على شاطئ الرجل، أيًا كان هذا الرجل، وكأن نجاحات المرأة لا تكفيها أو تشبعها، فالمهم هو وجود الرجل، حتى لو كان شاطئ، سيؤول بها فى النهاية إلى دوامة، ستدفعها إلى الغرق.
ورغم كل ذلك، سأظل أعترف أن قدرة «إحسان عبدالقدوس» على وصف مشاعر المرأة، فاقت قدرة أى كاتبة، على وصف مشاعر وأحاسيس بنات جنسها، ولكنه لم ينْسَ أنه رجل شرقى، قد يسمح للمرأة بأن تخرج من مداره، ولكنه على يقين بأنها ستظل تلف وتدور حول هذا المدار؛ حتى تسقط بداخله، أو تتوه فى دوامة ليس لها نهاية. •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

فكرة مصر "2"

بعد غياب طويل، عادت فكرة مصر فى العصر الحديث، بدأت عندما جاء نابليون قائدًا لحملته الفرنسية الشهيرة. كان ذلك فى نهاية القرن ال..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook