صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

جمل إحسان التى لا تنسى

133 مشاهدة

2 يناير 2019



كتبت: مني أمين

 

عندما يذكر اسم إحسان عبدالقدوس، يتذكر مواليد السبعينيات مثلى شوارع وسط البلد وبائعى الجرائد والكتب والقصص على الأرصفة والمقاهى، وتطفو على الفور جمل أبطاله وبطلاته التى مازلنا نستخدمها فى حواراتنا.

قضيت سنواتى الأولى خارج مصر، لعمل والدى الدبلوماسى، ولم أدرس اللغة العربية، درست فى مدارس أمريكية أو «إنترناشيونال»، وفى البيت كنا نتحدث العامية المصرية، وحينما وصلت إلى سن المراهقة سألت والدى: «إزاى أتعلم اللغة العربية والقراءة والكتابة... هو العربى مفيش فيه روايات وقصص زى اللى بنأخدها فى المدرسة لتنيسى وليم أو هيمنجواى .. فقال لى جملة لا أنساها، «لو عايزة تحبى العربى لازم تقرأى روايات إحسان عبدالقدوس».
من هنا بدأت رحلتى فى الإجازة مع شوارع وسط البلد عند بائعى الجرائد والقصص والروايات وأتذكر أول قصة بدأت بها «أنا حرة» و«مجموعة قصص بئر الحرمان»، جذبنى فى قصص وروايات إحسان عبدالقدوس السرد الواقعى والاجتماعى لقضايا المرأة، ووصفه الدقيق لكل الشخصيات والأماكن، وأحيانًا كنت أتخيل نفسى بطلة من  بطلات رواياته.
هذه البداية أخذتنى لروايات «رائحة الورد وأنوف لا تشم» و«لا شىء يهم» و«زوجة أحمد» و«لا تتركونى وحدى»، حيث يغوص فى واقع الطبقة الوسطى المصرية فى الخمسينيات والستينيات، بكل صراعاتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وواقع بعض الجاليات التى كانت تعيش فى مصر مثل السيدة اليهودية فى «لا تتركونى وحدى» ،والتى تنتمى للطبقة الوسطى العاملة، ويأخذها طموحها للاحتكاك بالطبقة الراقية فى نادى الجزيرة فى فترة الخمسينيات، لمس إحسان بشدة صراع الطبقة الوسطى بين موروثاتها المحافظة وتطلعاتها فى حياة عصرية أقرب إلى المجتمعات الغربية، أو ما يسمى «بالمودرن».
حينما نعيش مع قصص إحسان عبدالقدوس، نجد أنفسنا داخل شريط سينما، فهى تساعدك على تخيل الأحداث والشخصيات والديالوج بتفاصيله، ولهذا اقتحمت رواياته السينما المصرية بقوة كبيرة، وتبارى أهم المخرجين فى وضع أسمائهم على أفيشات أفلامه طوال الستينيات ثم السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى، أمثال صلاح أبو سيف (الطريق المسدود) وهنرى بركات (الخيط الرفيع) وعاطف سالم (أين عقلى) وكمال الشيخ (شىء فى صدرى) وسمير سيف (الراقصة والسياسى).
كسر إحسان عبد القدوس فى هذه الأفلام تابوهات المجتمع المصرى، من خلال إدانته للمجتمع الذى يغش بعضه تحت مسمى التقاليد والعادات، حتى أصبحت الكثير من جمله وحوارات شخصياته، كالأمثال الشعبية أو التعبيرات المأثورة، مثل جملة فايزة فى «الطريق المسدود» حين قررت كسر التابو وقالت للعربجى«ارفع الكابوت»، وكأنها ترمز لرفع الغطاء عن المجتمع المنافق فى البلدة الريفية الصغيرة التى تعيش على الزيف وهى مهلهلة من داخلها ..
فمن ينسى أهم حوار فى الخيط الرفيع بين منى وحبيها «خليك نبى وانشر دعوتك، الإله لا يطلب منا أن نعبده فى السر» فى إشارة إلى انهزامية البطل وعدم قدرته على مواجهة المجتمع، لأنه أنانى، يريد أن يستفيد من «منى» التى تسانده دون أن يعترف بها، ومن مديره فى العمل لكى يصل إلى مكانة أكبر، فى نقد لمجتمع يعزز أنصاف الحلول وأنانية الذكور.
ومن ينسى جملة الدكتور زهدى فى أين عقلى «أنا قدام أذكى مريض نفسى قابلته» فقد أوضح إحسان أن الدكتور «توفيق» المثقف والجامعى مازال يعيش داخل صراعه ما بين الحداثة، ووالده الذى طلق والدته لمجرد أن شاهد شقيقته تضع كحل على عينيها، وهو نموذج مازلنا نراه فى الجامعات والوزارات والبنوك والشركات الكبرى، وينتهى الفيلم بجملة الدكتور زهدى التى تلخص روشتة علاج المجتمع» اعترافك بأنك مريض هو نص العلاج.. إنت اللى لازم توازن مابين توفيق اللى اتولد فى الباجور والدكتور توفيق الإنسان المثقف اللى اتعلم فى أوروبا».
أما الراقصة والسياسى، فصاحب النصيب الأكبر من الجمل المأثورة بين جيلى، منها جمل الحوار بين عبدالحميد وسونيا سليم الراقصة «الفرق بينى وبينك كبير يا عالمة» وترد سونيا سليم «أنا أقول لك الفرق .. أنا الناس بتشوفنى بتتفرج عليه وأنت الناس بتشوفك بتقفل التليفزيون».  ثم تضيف فى نهاية الحوار: «على الأقل ما وعدتش الناس ببكرة وبكرة ما طلعتلوش شمس».
جمل تكشف مرة أخرى ازدواجية المجتمع، التى يجسدها عبدالحميد رأفت الذى وصل إلى أعلى المناصب، ورغم إعجابه بفكرة سونيا سليم فى بناء دار الأيتام، لا يستطيع مساندتها حتى يحتفظ بمكانته، ثم يعود فى نهاية الفيلم ليقتنع بمساندة مشروع سونيا، قائلا جملته الشهيرة: «اقتنعت أن كل واحد بيرقص بطريقته».
بالنسبة لجيلى، شكلت أفلام إحسان عبدالقدوس وجداننا، فأصبح بين أبناء جيلى مصطلحات وجمل مشتركة نفهم بها بعضنا حتى لو اجتزأت الجملة من سياق الفيلم، عبر إحسان عن أحلامنا وطموحاتنا فى بناء مجتمع مصرى أصيل ومتطور بمفاهيم حديثة، ليست فقط فى الشكل الخارجى، لكن فى جوهره، بعيدًا عن الزيف والتزمت والتمييز، سواء كان على أساس النوع أو المستوى الاجتماعى أو الاقتصادى، ومازالت جملة قادرة على التعبير عن  الأجيال الجديدة لأنها تمس جوهر التجربة الإنسانية. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

فكرة مصر "2"

بعد غياب طويل، عادت فكرة مصر فى العصر الحديث، بدأت عندما جاء نابليون قائدًا لحملته الفرنسية الشهيرة. كان ذلك فى نهاية القرن ال..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook