صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

جنازة رقمية للسيرة الشعبية

35 مشاهدة

26 ديسمبر 2018
كتب : ايهاب فتحي



 قبل أسبوعين كتبت على هذه الصفحات مقالًا بعنوان «عودة إلى خطاب قديم بوسيلة جديدة» تناولت فيه تفاعل السوشيال ميديا مع خطابات الرئيس الراحل السادات وخاصة الخطاب الشهير الذى ألقاه فى الكنيست الإسرائيلى بتاريخ 20 / 11 / 1977.

كانت الملاحظة الأهم هى مدى التفاعل الإيجابى مع هذا الخطاب والرؤية التى طرحها بعد مرور كل تلك السنوات والتى سبقتها تشنجات سياسية طالت الرجل ورؤيته وقت ظهور هذا الخطاب.
استنتجت من هذه الإيجابية أن نص الخطاب والرؤية التى حملها استطاعا عن طريق وسائل التواصل الاجتماعى بعد 41 عامًا التخلص من عبء الرأى السياسى الذى صاحبهما وقتها وأصبحا فى اللحظة التى وصلا فيها إلى اليوتيوب أو الفيس بوك ملكًا للجماهير وحكمها على السادات وما قام به وكيف قام به.
تأتى اليوم الذكرى المئوية لميلاد السادات وإذا أردت أخذ الجانب الاحتفالى منها فيكفى ما كتبته من أسبوعين الذى يثبت نجاح منهج السادات فى التعامل مع الظرف السياسى الذى واجهه أثناء حكمه بعد أربعة عقود  بشهادة الجماهير التى تعاملت مع خطابه على وسائل التواصل الاجتماعى،هنا تحقق الغرض من الاحتفال بالرجل ومئويته وفى نفس الوقت حاز السادات ومنهجه على العلامة الكاملة فلماذا أعيد الكتابة عنه فى ذكرى مولده؟
الحقيقة أن لحظة الانتهاء من كتابة مقال «العودة إلى خطاب قديم بوسيلة جديدة» كانت البداية إلى أسئلة ملحة طاردتنى من وقتها ولا تتعلق فقط بالسادات ومنهجه السياسى ولكن بأمر أعمق يدور حول طبيعة الشخصية المصرية ووجدانها فى تعاملها مع السلطة ومن يمثلها.
وجدت أن أفضل طريق يمكن اتباعه لأجل الإجابة على الأسئلة المطاردة لى هو تفكيك العلاقة الملتبسة بين السادات والوجدان المصرى ومحاولة حل لغز ليس سهلًا عنوانه سؤال: لماذا غاب تأثيرالسادات على الشخصية المصرية أثناء حضوره بشخصه وحضر تأثيره بقوة كما ظهر فى السوشيال ميديا بعد أن رحل عن عالمنا؟
لم تكن الخطوة الأولى للسادات فى سلم الحكم سهلة فهى تعلقت باستقبال الوجدان المصرى له بحالة شديدة من السخرية والاستخاف نادرًا ما واجهت حاكمًا مصريًا من قبل.
أرجع الكثيرون هذه الحالة من الاستخفاف التى وصلت لحد السخرية إلى أن السادات وصل إلى الحكم عقب رحيل زعيم ذي كاريزما طاغية وهو جمال عبد الناصر، ومن ناحية أخرى فرجال عبدالناصر غذوا هذا الاستخاف عند الشارع المصرى من أجل الحفاظ على مكتسباتهم فى ميراث السلطة التى تركها عبدالناصر خلفه.
يبدو هذا التفسير مريحًا من الناحية السياسية ولكنه لا يحل اللغز الذى طرحناه لسببين، فكاريزما عبدالناصر تعرضت لضربة مؤلمة عقب هزيمة 1967، وخرجت المظاهرات فى شوارع مصر تطالب بمحاكمة المسئولين عن هذه الهزيمة الكارثية التى يتحملها بالكامل جمال عبدالناصر كما اعترف هو فى خطاب التنحى الشهير.
عقب شهور من تولى الرئيس السادات الحكم أطاح بكل رجال عبدالناصر فيما عرف وقتها بثورة التصحيح، لذلك فإرجاع حالة الاستخفاف والسخرية إلى الكاريزما ورجال عبدالناصر يبدو غير منطقى، لأن الكاريزما تحطمت إلى حد بعيد، وأتباع عبدالناصر لم تعد لهم حيلة أو سلطة على الشارع.
لم تعطينا السياسة تفسيرًا مقنعًا لذا يجب أن نعود إلى مشهد سبق وصول السادات إلى الحكم وهو مشهد جنازة عبد الناصر، الجنازة الأضخم فى التاريخ التى خرج فيها ملايين من المصريين يودعون فيها بطلهم المهزوم.
بعد هذا الخروج الملايينى وراء جثمان البطل المهزوم  بأحد عشرعامًا كانت جنازة السادات دون أى حضورشعبى وراء البطل المنتصر فى معركتى الحرب والسلام.
من هذه النقطة نبدأ فى محاولة  فك لغز الحالة الملتبسة بين السادات والوجدان المصرى، إن لحظة ظهور السادات كانت لحظة خاصة بالنسبة لهذا الوجدان، فالسادات وصل للحكم لحظة اكتمال دورة البطل المصرى الشعبى الذى مثله هنا جمال عبدالناصر والبطل الذى يقدره المصريون ويحفظه وجدانهم لا تنطبق عليه معايير النجاح السياسى أو الاقتصادى أو الإدارى بل له شروط خاصة مرتبطة بتاريخ موغل فى القدم.
نستحضر شخصية تاريخية تساعدنا أكثر فى تحليل هذا الالتباس، إنها شخصية محمد على مؤسس الدولة المصرية الحديثة، فبالمعايير السياسية والاقتصادية والعسكرية حقق محمد على إنجازًا غير مسبوق وأعاد تأسيس الدولة المصرية التى تآكلت على يد عبث الحكام المماليك لكن عندما تبحث عن محمد على فى الوجدان المصرى لا تجد له حضورًا بحجم إنجازه.
تقودنا شخصية محمد على إلى إطلالة سريعة على التاريخ الشعبى المصرى الذى يحتفى بعدد من الشخصيات أو يتجاهلها وفق معاييره هو وهذه المعايير تحتاج وحدها إلى دراسة مفصلة وأيضًا دراسة لحجم التغيير الذى طرأ عليها نتيجة ثورة المعلومات الحادثة الآن.
يأتى حضور شخصية بحجم صلاح الدين فى الوجدان المصرى مغايرًا تمامًا لحضورها التاريخى، فلم يتبق من صلاح الدين سوى الأحكام الجائرة لوزيره بهاء الدين قراقوش حسب تقييم هذا الوجدان لتلك الأحكام، وعلى النقيض يأتى الظاهر بيبرس الحاكم الذى قتل قائده سيف الدين قطز ليتولى الحكم فتناسى الوجدان المصرى هذه الواقعة واحتفظ لبيبرس بالسيرة الظاهرية المخلدة لأعماله والتى نقلت الحال فى مصر من الاضطراب إلى الأمان الكامل.
يعطينا التخليد الشعبى لبيبرس ملمحًا مهمًا وهو أن التقدير الشعبى لا يرتبط بأصول الحاكم سواء مصرية أو أجنبية، فصلاح الدين ومحمد على وبيبرس ثلاثتهم من الأجانب لكن اثنين منهم لم يلقوا تقديرًا شعبيًا والثالث فقط حاز عليه.
عندما نبحث عن علامات التقدير الشعبى تلك نجدها فى السيرة الشعبية للشخصية التاريخية الحقيقية أو المتخيلة والتى يغزلها الوجدان المصرى على مهل قد تصل لسنوات وقرون حتى تصبح سيرة شفهية تروى أو يجمعها الرواة وتتحول إلى نص مكتوب يقودنا فعل صناعة السيرة الشعبية إلى طبيعة الفعل ذاته، فطوال آلاف السنين حتى آخر بطل شعبى هو جمال عبدالناصر كانت السيرة تصنع شفهيًا وعندما تجمع يحذف منها ما يدين تلك الشخصية أو ما يمجدها حسب هوى الجامع لها.
نعود لحجم التغيير الذى طرأ على صناعة تلك السيرة الشعبية، فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعى للوجدان المصرى أن يتحرر من أهواء جامع السيرة أو العاطفة التى يسبغها هذا الوجدان على صاحب السيرة سواء بالسلب أو الإيجاب، أعطت وسائل التواصل الاجتماعى مساحة للعقل الفردى الفرصة من أجل مناقشة تاريخ من سيكتب عنه ورؤية الآراء المختلفة أو المتفقة معه دون وصاية.
نجد أن أكثر من استفاد من هذا التحول العقلانى كان الرئيس السادات لأنه الأقرب فى الحضور التاريخى للوجدان المصرى فبدأ يحكم على ما فعله وفق المقاييس العقلانية التى أول مبادئها العصف الذهنى بين الآراء المختلفة وتتيح وسائل التواصل الاجتماعى هذا العصف بأريحية كاملة.
يصبح هذا التحول هو مفتاح حل لغز الغياب ثم الحضور للسادات لقد خضع فعل السادات مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعى إلى المنهج العقلانى فى كتابة سيرته فقد رأى العقل المصرى قبل الوجدان الذى يتعامل مع الثورة الرقمية أن السادات على صواب فى كثير مما قام به فأعطاه الحضور بعد غياب امتد لعقود عاشتها أجيال  لم يكن متاحًا لها هذه الوسيلة الحديثة فى الحكم على الشخصيات التاريخية.
لا يتوقف أمر صناعة السيرة الرقمية إذا جاز القول على إعطاء الحضور لشخصيات عانت من الغياب طويلًا بل هى تقوم فى كل لحظة الآن بعملية مراجعة لفعل شخصيات حازت على الحضور طويلًا.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

تدمير الدول

منذ قديم الأزل، تتعاقب الإمبرطوريات التى تحكم الكوكب، ولكل إمبراطورية سمات ومصالح وأسلوب فى السيطرة. قديمًا كانت بالسلاح وبالج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook