صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

السادات والإخوان والتعددية السياسية

84 مشاهدة

26 ديسمبر 2018




كتب: أحمد الجمال

بالترتيب الزمنى جاءت العلاقة القوية بين أنور السادات وبين الإخوان المسلمين، ومعهم ما سُمى بالجماعات الإسلامية، قبل إعلانه اتجاهه نحو التعددية السياسية، التى بدأت بما أسماه السادات المنابر داخل الاتحاد الاشتراكى العربى،  ثم تحوّلت إلى تنظيمات، وبدورها تحوّلت التنظيمات إلى أحزاب.
ولعل ما يربط بين الأمرين هو أنهما، كلاهما، كانا جزءًا من منهج السادات فى الحكم، حيث أراد تأكيد أنه يختلف عن سلفه، الذى عينه نائبًا للرئيس، ومن قبل ضمه إلى تنظيم الضباط الأحرار وسعى ليضعه عضوًا فى مجلس قيادة الثورة، وحيث بقى ربما إلى الآن السؤال الحائر: لماذا اختار جمال عبد الناصر أنور السادات نائبًا، وأبقاه وحيدًا فى هذا الموقع، رغم أن الجميع يعرفون طوال عهد عبد الناصر المكانة المتواضعة، التى كانت للسادات بين قيادات الثورة، من وزن عبداللطيف البغدادى وعبدالحكيم عامر وزكريا محيى الدين وحسن إبراهيم وكمال حسين وحسين الشافعى وعلى صبرى؟
ولأجل الحقيقة، فإن السادات لم يخترع حكاية التعددية السياسية، وإنهاء وجود التنظيم السياسى الواحد، لأن جمال عبدالناصر كان قد فكر وأعلن عزمه على ذلك داخل جلسات اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكى،  واتجه تفكيره إلى حزبين رئيسيين، أحدهما يعبر عن الحكم، والثانى عن المعارضة، مثلما هو الحال فى بلاد أخرى كالولايات المتحدة، غير أن القدر لم يعط ناصر الفرصة، لأنه رحل قبل أن ينفذ ما فكر فيه.
كان التواصل بين السادات والإخوان قد بدأ قبل وصوله للحكم، ثم انفراده به عقب أحداث مايو 1971، التى أسماها هو «ثورة التصحيح»، حيث أطاح بالمجموعات التى ساهمت فى توليته، وفى مقدمتهم على صبرى،  ثم شعراوى جمعة والفريق فوزى وسامى شرف ولبيب شقير وآخرون.. لأن السادات ولفترة طويلة كان يمثل مصر فى المؤتمر الإسلامى،  وكان لقيادات الإخوان علاقات قوية بل أكثر من قوية بدول عربية ذات ثقل فى ذلك المؤتمر، وعلى رأسها المملكة السعودية، التى استقبلت ومعها بعض دول الخليج قيادات وأعضاء الإخوان، عقب الصدامات التى تمت مع النظام الناصرى،  وكان السادات أيضًا على علاقة وثيقة وصلت لحد المصاهرة بعثمان أحمد عثمان رئيس المقاولين العرب، الذى كان عضوًا قديمًا وبعض أفراد عشيرته بالإخوان.. ولعب دورًا رئيسيًا فى تمكين الجماعات الإسلامية بالجامعات المصرية.
لقد بدأ الاتجاه للاعتماد على الإخوان والجماعات الإسلامية، مع المواجهات التى نشبت بين نظام السادات، وبين ما اصطلح على تسميته بقوى اليسار، من ناصريين وماركسيين، وكان جوهرها هو الموقف من الاحتلال الصهيونى،  ومن الصراع العربى- الصهيونى ككل، وأيضًا حق الشعب الفلسطينى فى وطنه من النهر إلى البحر، وكان البعد الاجتماعى يأتى تاليًا على البعد الوطنى،  وشهدت الجامعات المصرية حراكات سياسية واسعة، صارت أشد خطورة، عندما انضم العمال، خاصة من حلوان وشبرا الخيمة، إلى التحركات الطلابية، التى كان عام 1972 أحد ذراها المهمة..
واتجه تفكير السادات عبر مستشاريه آنذاك ومنهم عثمان أحمد عثمان، ومحمد عثمان إسماعيل، وكمال أبوالمجد، وأشرف مروان، ومحمد توفيق عويضة، إلى الاعتماد على سلاح العقيدة الدينية، واستحضار «العفريت» الإسلامى الحركى،  ليواجه اليسار، وبالفعل عقدت الجماعات الإسلامية أول لقاء علنى لها تحت اسم «لقاء الفكر الإسلامى»، فى فبراير 1972 بجامعة عين شمس، التى كانت مركزًا مهمًا للحركة الناصرية وللحركة الماركسية.
وتوسطت السعودية، بين الإخوان والسادات وتمت عودة الرموز، وسمح بافتتاح مجلة الدعوة، ومنحها مقرًا فى وسط القاهرة، وسمح لرأس المال الإخوانى أن يعود بقوة ويفرض شروطه.. وكان من بين الشروط الإخوانية إنهاء دور الحرس الجمهورى فى حراسة ضريح عبد الناصر، حتى لا يبقى رمزًا رسميًا فى الدولة، وتم تسليح طلاب الجماعات بالأسلحة البيضاء والجنازير الحديدية، وأيضًا مدهم بالأموال، والسماح لهم بفرض إرادتهم على المدرجات وعلى الأساتذة، وكان من مظاهر ذلك رفع الأذان فى المدرجات، وإيقاف المحاضرات للصلاة، وعزل البنات عن الصبيان فى الجلوس داخل المدرجات إلى آخره.
ولم يدرك السادات خطورة اللعب بالورقة الدينية منذ البداية، عندما لقب نفسه بالرئيس المؤمن، ووصف دولته بأنها دولة العلم والإيمان، وإصراره على تضمين خطبه آيات طويلة من القرآن الكريم وبدئها باسم الله.. حتى تطور الأمر واصطدم برأس الكنيسة المصرية البابا شنودة الثالث، فلم يتورع أن يخاطبه علنًا وفى إحدى خطبه: «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة» ولم يدرك السادات أيضًا رغم خبرته القديمة قبل قيام ثورة يوليو، عندما كان من الناشطين سياسيًا، واتهم ضمن من اتهموا باغتيال أمين عثمان، أن الثقة فى التنظيمات ذات الطابع العقائدى الحديدى المسلح، مثل الإخوان والجماعات هى ثقة فى غير موضعها، وأنهم لديهم العديد من التخريجات الفقهية لنقض العهد مع من عاهدوهم، بل وللقتل إذا لزم الأمر، حتى وإن طال أبرياء فإنهم يبعثون على ما كانوا عليه!
انفتاح اقتصادى.. وسياسى أيضا
وعندما وقعت حرب أكتوبر العظيمة، وحققت مصر انتصارها الخالد، كان متوقعًا أن يعود عائد النصر للفئات الشعبية الواسعة، التى تحملت الهزيمة وسنوات الصمود وحرب الاستنزاف، وانخرط أبناؤها من خريجى الجامعات فى القوات المسلحة، ومكثوا فى الخنادق طيلة السنين من 67 إلى 1973 ولكن السادات ونظامه اتجها نحو الانفتاح، وتحول عائد النصر ومكاسبه إلى شريحة طفيلية، لا تستحق أن يطلق عليها وصف الرأسمالية، وكثر الحديث عن إنهاء التخطيط والقطاع العام، وحتمية الحل الرأسمالى بدلًا عن حتمية الحل الاشتراكى.
وكان طبيعيًا أن يقال إنه طالما انتهى عهد الاقتصاد المخطط، والخطة المركزية للتنمية، وهناك اتجاه قوى للرأسمالية، فإن الضرورة تقتضى النزوع نحو الليبرالية السياسية، فكان إعلان قيام المنابر السياسية عام 1976، وكانت فرصة لكل من أراد أن يؤسس منبرًا حتى تجاوز عددها المئة، ولما وجد السادات أن الفكرة قد تأتى بما لا يشتهيه، وهو مزيد من تركيز السلطة فى يده، باعتباره - كما وصف نفسه - «كبير العائلة»، الذى يجب أن يعامل وفق «تقاليد القرية»، وبعدها أصدر قانونًا أسماه «قانون العيب»، وتأكدت مخاوفه عندما وجد الناصريين يؤسسون منبرًا سياسيًا باسم المنبر الاشتراكى العربى الناصرى،  وعلى رأسه أحد أبرز الضباط الأحرار، وقائد الفدائيين فى القناة، وهو كمال الدين رفعت، ثم وجد الماركسيين وقد أسسوا منبرًا اسمه «التقدم»، وعلى رأسه عضو مجلس قيادة الثورة، خالد محيى الدين، فلذلك شن هجومًا ضاريًا على الناصريين، ورفض مبادرتهم، واتجه إلى تقليص العملية التعددية تمامًا، فأعلن عن قبوله لثلاثة تنظيمات، أحدها لليمين، وعلى رأسه مصطفى كامل مراد، والثانى لليسار، وعلى رأسه خالد محيى الدين، والثالث للوسط، وعلى رأسه أنور السادات، وقال إن ذلك هو أفضل ما لدى البشرية من حياة سياسية، وأن الاتجاهات السياسية لا تخرج عن كونها يمينًا ويسارًا ووسطًا!
وفى خضم ذلك وفى يناير 1977، اشتعلت شوارع وحوارى مدن مصر وعاصمتها بالمظاهرات، التى عرفت بانتفاضة يناير 1977، وأطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية.. ودخل الآلاف السجون.. وكان المخرج من هذا كله هو الصدمة الكبرى، بإعلانه عزمه زيارة إسرائيل، ثم الزيارة نفسها.. وهذا حديث آخر.
لقد أنشئت التنظيمات، التى تحوّلت لأحزاب، ولكن السادات ومعه التركيبة السياسية المهيمنة فى نظامه أفرغت تلك التعددية من مضمونها ومن فعاليتها، فصارت أمرًا شكليًا امتدت شكليته للآن، حيث لدينا ما يقرب من مئة حزب بلا فاعلية حقيقية، الأمر الذى يطرح سؤالًا جوهريًا هو: هل مصر بيئة طاردة ورافضة للحياة الحزبية، أم أن النخبة السياسية والفكرية المصرية ليس لديها الوعى والتدريب الكافى لحياة حزبية، أم ماذا بالضبط؟! •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

تدمير الدول

منذ قديم الأزل، تتعاقب الإمبرطوريات التى تحكم الكوكب، ولكل إمبراطورية سمات ومصالح وأسلوب فى السيطرة. قديمًا كانت بالسلاح وبالج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook