صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

عودة إلى خطاب قديم بوسيلة جديدة

36 مشاهدة

28 نوفمبر 2018
كتب : ايهاب فتحي



قبل 41 عامًا وفى نفس هذا الشهر الشتوى نوفمبر وقف الرئيس السادات أمام منصة الكنيست الإسرائيلى ليلقى خطابًا فى الجلسة الخاصة التى عقدها أعضاء البرلمان الإسرائيلى لأجل الإنصات إلى هذا الخطاب. 
 تجسدت كلمات الخطاب القوية أمام الأعضاء وهم بين التصديق والإنكار فى أن ما يحدث على منصة برلمانهم حقيقة هم مشاركون فيها بجلوسهم وإنصاتهم الحاد.. أعتقد أن خطاب الكنيست كان واحدًا من أكثر الخطابات فى التاريخ إثارة للدهشة والتساؤلات، وأيضًا الإعجاب لرصانة وذكاء عباراته التى تمكن السادات من إدارتها بأسلوب خطابى يندر تكراره.
أعطى الحدث التاريخى والبنية العقلية التى أسس عليها خطاب الكنيست فرصة خاصة لهذا الخطاب بالتحرك ثم الخروج من المساحة السياسية الضيقة إلى مساحات أرحب.. مساحات النص المستقل بذاته.
هناك فارق شاسع بين الخطاب والنص على الأقل فى الاستخدام الزمنى، يفقد الخطاب نفوذه عقب فترة زمنية محددة ترتبط بزوال التأثير السياسى للحدث الذى أنتج الخطاب.
يتميز النص باستقلالية كبيرة عن الحدث ويصبح النص فى حد ذاته حدثًا منفصلًا يمكن استعادته فى أى وقت وإعادة تأويله والتعامل معه بمستويات متعددة وبوسائل جديدة.
تعطينا هذه الواقعة إشارة مهمة على تحول الخطاب إلى نص مستقل بذاته نسعى إلى استعادته لفهمه بعيدًا عن زوال الأثر السياسى للحدث ، بطل الواقعة د.بول وولفيتز مساعد وزير الدفاع الأمريكى الأسبق وأستاذ العلوم السياسية والأهم أن وولفيتز يعتبر من منظرى ومخططى الاستراتيجية الأمريكية لفترة ليست بالقصيرة وحتى الآن له رأى يسمع فى التحضير للقرار الأمريكى.
أثناء تواجد وولفيتز فى البنتاجون ــ مبنى وزارة الدفاع الأمريكية ــ لاحظ مساعدوه قدومه إلى مكتبه مبكرًا قبل ميعاده الرسمى بساعة كاملة ثم يعمل على أمر خاص به حتى بدأ موعد العمل الرسمى.
سأل مساعدو وولفيتز رئيسهم عن سبب حضوره اليومى المبكر فأجابهم أن هذه الساعة يقضيها فى تعلم اللغة العربية عن طريق الاستماع إلى شرائط الكاسيت،  تصور المساعدون أن رئيسهم يريد متابعة  الأخبارعن المنطقة العربية ودراسة ثقافتها من مصادرها الأصلية دون ترجمة خاصة وأن رسالة الدكتوراه التى حصل عليها  موضوعها عن السلاح النووى والشرق الأوسط، فاجأهم د.وولفيتز بإجابة لم يتوقعوها عن سبب دراسته للغة  العربية والتى استمرت فترة دراسته لها ثلاث سنوات متواصلة عن طريق شرائط الكاسيت والتبكير ساعة فى الحضور إلى مكتبه، أجاب وولفيتز على مساعديه بأن السبب الرئيسى الذى دفعه إلى دراسة اللغة العربية هو تحليل خطاب الرئيس السادات الذى ألقاه فى الكنيست  عام 1977 وهذا التحليل ألزمه بتعلم اللغة الأم للخطاب من أجل فهم الرسالة التى يحملها الخطاب ووجهها السادات من خلاله إلى العالم.
يلقى العمل الدؤوب الذى قام به د. بول وولفيتز الضوء على طبيعة التحول التى تجعل من خطاب سياسى نصًا فى حد ذاته يسعى منظرو ومخططو الاستراتيجيات إلى فهم محتواه ثم استخدام عناصر هذا المحتوى فى تنظيرهم المستقبلى.
عندما نستحضر الآن خطاب الكنيست المتحول إلى نص مستقل ونستعيده على العديد من المستويات نجد أنه من الظلم لهذا النص المستقل وضعه فقط على المستوى السياسى بل هناك مستويات جديدة جديرة الآن بتعاملها مع هذا النص.
يأتى المستوى السياسى المرتبط بهذا النص متخمًا بالعديد من الآراء والتناقضات التى تصل إلى حد التشنجات التى أدت فى كثير من الأحيان إلى نبذ الخطاب وصاحبه  وكانت التشنجات والنبذ كلها محملة على تعارض وجهات النظر بالنسبة للزيارة التاريخية التى قام بها الرئيس السادات إلى إسرائيل، وسط هذا التعارض والتلاسن الذى لا يحقق فائدة تناسينا أهمية النص والذى تذكره منظر استراتيجى بحجم بول وولفيتز وقرر تحليله ووضعه وفق منهج منضبط.
بعد مرور أربعة عقود على النص ـ الخطاب ـ  أتاح التقدم العلمى البشرى  فى هذه العقود الأربعة مستوى آخر جديدًا ذهب إليه النص عابرًا بكل هدوء  فوق النبذ وتشنجات المستوى السياسى، أنتج التقدم العلمى البشرى الثورة الرقمية التى سحبت البساط من تحت أقدام كهنة التنظير السياسى وحطمت مركزية الرأى حول الموضوع وأعطت المواطن القدرة الكاملة على التعبير والتأثير والانحياز لما يراه أفضل من وجهة نظره.
أحد الأدوات الرئيسية التى أنتجتها الثورة الرقمية كانت السوشيال ميديا أو وسائل التواصل الاجتماعى لقد ذهب النص إلى السوشيال ميديا دون وسيط ودون مركزية الرأى وأصبح النص أمام المواطن ليقول رأيه فيه بلا سيطرة كهنة السياسة.
تصارع كثيرًا كهنة السياسة حول هذا المواطن واعتبروه سلعة هم فقط من يشتريها وهم فقط من يبيعها، حررت الثورة الرقمية وأداتها الرئيسة المواطن من هذه التجارة الظالمة.
ذهب النص إلى موقع اليوتيوب أحد منتجات السوشيال ميديا والذى خرج إلى العالم فى العام 2005، تأتى النسبة الغالبة من مستعملى هذا المنتج التواصلى من الأجيال الرقمية.. الأجيال التى ولدت عقب ظهور شبكة المعلومات ولم تعاصر الحدث التاريخى الذى أنتج النص ـ الخطاب ـ  بالتأكيد لم يتخيل الرئيس السادات وهو يلقى خطابه أن التقدم العلمى البشرى سيتيح لخطابه فرصة الذهاب إلى المواطنين ليقولوا رأيهم ويحتشدوا على الشبكة المعلوماتية ليصوتوا على سياساته  عبر خطابه المعروض عليهم دون وسيط أو كهانة، عندما نتابع هذا النص على اليوتيوب نجد أنه يحظى باهتمام كبير من مساحة العرض سواء كاملاً أو مقتطفات منه ويتجاوز دائمًا المتابعون للنص سواء النسخة الكاملة أو المقتطفات الرقم المليونى.
رصدت بشكل عام أكثر من نسخة كاملة على الموقع وجدت أن أعداد المتابعين لهذا العدد من النسخ التى اطلعت عليها تتجاوز الخمسة ملايين وكان الأهم نسبة الانحياز إلى النص أو رفضه  كانت نسبة المنحازين له بالآلاف ونسبة الرافضين مئات ففى إحدى النسخ كان فارق النسبة ضخمًا بشكل لافت.
أكد حجم هذا الانحياز للنص التعليقات المصاحبة للنسخ المعروضة من حيث كثافتها العددية وعباراتها المؤكدة على إيجابية ما يحتويه النص الذى ألقاه الرئيس السادات قبل أربعة عقود، استطاعت هنا السوشيال ميديا انتزاع النص من جموده التاريخى وطرحه الآن بشكل متفاعل ومؤثر على المستوى السياسى المتخم بالآراء المتناقضة.
جاء هذا الطرح الجديد للنص من خلال السوشيال ميديا بتفاعله وتأثيره ليفرض مساحة حاكمة فى المستوى السياسى ولا يمكن تجاهل هذه المساحة سواء من المنحازين أو الرافضين للنص، لقد تعاملت هذه الملايين بطريقتها مع النص واستلهمت ما تراه فيه وحكمت عليه مثلما فعل بول وولفيتز من قبل.
يكشف أمامنا هذا الطرح الجديد الذى قدمه رواد السوشيال ميديا فى تعاملهم مع نص سياسى مرت عليه أربعة عقود طريقًا مهمًا وهو إعادة فتح ملفات الآراء التى ترسخت حول موضوعات اعتبرناها لا تمس أو اعتبرنا أن الآراء التى قيلت فيها محسومة لا تقبل النقاش.
لا يحتاج الأمر فى حقيقته إلى قرار مركزى لأن القرار يتخذ الآن فى كل ثانية بمجرد تعامل المواطن الفرد مع النص المطروح أمامه على وسائط السوشيال ميديا فهو يستطيع تأويله والحكم عليه كما يشاء.
الغريب بعد هذا التحول البشرى المؤثر فى التعامل مع النص أن تتصور بعض المؤسسات أن أسوار القداسة التى أقامتها وأحاطت بها النصوص التى أنتجتها على مدار قرون ستظل حامية لهذه النصوص ولن يقترب منها المواطن الرقمى.
تأتى الحقيقة جلية بلا لبس فالتقدم العلمى البشرى الذى أنتج الثورة الرقمية حطم مركزية قرار التغيير وأطاح بكهنة الرأى وهدم أسوار القداسة.
 يعطينا خطاب الرئيس السادات عبرة ودرسًا فقد تصور كهنة السياسة المعارضون لتوجه السادات أنهم يستطيعون فرض الوصاية على المواطن وتلقينه رأيهم ومنعه من مخالفتهم فجاءت الثورة الرقمية لتحرر المواطن وتحول الخطاب إلى نص مستقل، تخرجه من النبذ، تفك الحصارعنه ثم تضعه فى الصدارة مطيحة بالكهنة والكهانة فى الرأى.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook