صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

مصر وانتصار جيوسياسى تاريخى فى «باليرمو»

71 مشاهدة

28 نوفمبر 2018
كتب : جمال طه



إيطاليا المهزومة فى الحرب العالمية الثانية، حاولت باستماتة الحصول على موافقة فرنسا وبريطانيا المنتصرتين، لاستمرار وصايتها على ليبيا، التى احتلتها منذ 1911، ولكنها فشلت، لأن لكل منهما أطماعه.. فرنسا لعبت دورًا رئيسيًا فى إسقاط نظام القذافى، تواجدت منذ بدء أحداث بنغازى ومصراتة 2011، قامت بتأمين الأغلبية لقرار مجلس الأمن بالتدخل، شنت الضربات الجوية الأولى، وكانت أول دولة تعترف بالمجلس الانتقالى، واستضافت الأطراف المعنية بالمشكلة مايو الماضى، فأثارت غيرة روما.. وزيرة الدفاع الإيطالية هاجمت فرنسا، واتهمتها بأنها أول من تسبب فى المشكلة الليبية، وقامت بتنظيم مؤتمر منافس، اختارت «قصر إيجيا» فى باليرمو عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية مقرًا له، باعتبارها المقصد الرئيسى لموجات الهجرة غير الشرعية، التى أطلقتها الفوضى.. تنافس المستعمرين الجدد!!.

مؤتمر باليرمو نوفمبر الجارى انقسم إلى جزئين: الأول ضم الوفود المشاركة؛ رئيس المجلس الرئاسى فايز السراج، رئيس مجلس الدولة خالد المشرى،  رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وممثلين عن مصر، تشاد، النيجر، تونس، الجزائر، أمريكا، فرنسا، روسيا، اليونان، تركيا، قطر، ومراقبين من القيادة العامة للجيش الوطنى.. والثانى اجتماع قمة جمع قادة الدول الرئيسية المعنية بالأمن والاستقرار فى ليبيا، جيوسيبى كونتى رئيس الوزراء الإيطالى، ديمترى ميدفيديف رئيس وزراء روسيا، باجى قائد السبسى رئيس تونس، أحمد أويحيى رئيس وزراء الجزائر، جان إيف لودريان وزير خارجية فرنسا، دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبى، فيديريكا موغيرينى الممثلة العليا للشئون الخارجية فى الاتحاد.. استعراض مواقف بعض الأطراف الفاعلة يلقى الضوء على مسار المشكلة الليبية ومآلاتها.
الموقف الإيطالى
إيطاليا حققت مكاسب كبرى نتيجة لعلاقتها بحكومة السراج، ومكاسب أكبر من جهود باولو سيرا المستشار العسكرى للمبعوث الدولى، خاصة فيما يتعلق بعلاقته مع قادة الميليشيات المسلحة، هى الدولة الوحيدة التى لم تغلق سفارتها بطرابلس منذ 2011، لأنها تعتمد فى تأمين مصالحها المتعلقة بالطاقة والحد من الهجرة على البلديات والزعامات القبلية.. حاولت إعطاء زخم لمؤتمر باليرمو يفوق نظيره فى باريس، فوجهت دعوة للرؤساء بوتين والسيسى، وقادة دول الجوار الليبى، ودفعت ألبرتو مانينتى رئيس المخابرات إلى موسكو لإقناع حفتر بالمشاركة، وتبديد الصورة النمطية عن انحيازاتها، بالتأكيد على أن الحكومة الجديدة غيرت رهانها على الإسلاميين وميليشياتهم، وسلمت بإجراء الانتخابات، لتجديد الشرعية وإنهاء الانقسام العاصف بالبلاد.. إيطاليا تحاول إقناع المجتمع الدولى بأهليتها لإدارة الملف الليبى.
الموقف الفرنسى
فرنسا أدركت الانعكاسات السلبية لسقوط النظام الليبى، على أمن واستقرار حلفائها بدول الساحل والصحراء، وعلى قواتها المتمركزة هناك، لذلك تسعى لإنهاء الانقسام والفوضى، مما يفسر تأييدها للدور الذى يلعبه الجيش الوطنى، فى مكافحة الإرهاب، والقضاء على التنظيمات المتطرفة، وتدعم حكومة الوفاق، التزامًا بالموقف الدولى، لذلك جمعت الأطراف المعنية فى باريس للمسارعة بإجراء الانتخابات قبل نهاية العام، لكنها تأكدت من استحالة ذلك، بعد اشتعال المصادمات بمطار طرابلس، وهجوم «داعش» على مقرات اللجنة الانتخابية ومؤسسة النفط الوطنية فى طرابلس.
تركيا وقطر
الدولتان حولتا ليبيا منذ 2011 إلى ساحة حشد وإعداد للعناصر الإرهابية القادمة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل نقلهم إلى سوريا والعراق، ثم سعيا لتحويلها إلى معسكر استقبال للعناصر العائدة، لإعادة دفعها لمناطق أخرى، أو التمركز كطرف مؤثر على مسار المشكلة الليبية لصالح الإخوان، فى محاولة لإعادتهم الى المشهد، بعد تراجعهم الكبير.. قدما الدعم العسكرى للميليشيات عن طريق الجو والبحر والبر من خلال السودان، لكن تنسيق مصر مع الجيش الوطنى قطع كل تلك الخطوط.. تركيا كانت تسعى لحضور اجتماع القادة، ومحاولة إقناعهم بسحب ملف توحيد المؤسسة العسكرية من القاهرة وتحويله لأنقرة، عندما فشلت، انسحب فؤاد أقطاى نائب الرئيس التركى غاضبًا، وهدد بأن «أى اجتماع يستثنى تركيا سيفشل فى التوصل إلى حل للمشكلة الليبية»، أما حمد بن ناصر وزير خارجية قطر فقد ابتلع لسانه، بفعل حصار الرباعية العربية.  
خليفة حفتر
هو الشخصية المحورية فى المشهد، كنت من المتحفظين على دوره، لشكوك تولدت فى ملابسات تأسيسه للجناح العسكرى للجبهة الوطنية للإنقاذ المعارضة للقذافى 1988، خلال وجوده فى الأسر، بعد هزيمة قواته فى الحرب التشادية، ثم ملابسات تحريره بمعرفة أمريكا، ونقله للولايات المتحدة، ومنحه الإقامة والجنسية.. عندما عاد إلى ليبيا بعد فوضى 2011 توجست قلقًا من علاقته بأمريكا، لكن مواقفه الوطنية أكدت أنه ترك أمريكا إلى أتون حرب مشتعلة، ليحارب الإرهاب والتدخلات الأجنبية، يقضى على الفوضى، ويعيد توحيد الوطن.. حفتر ينسق مع مصر فيما يتعلق بإدارة الملف، لإدراكه أنها لا تمثل العمق للشعب الليبى فحسب، وإنما للدولة الليبية الموحدة.. رفض المشاركة فى مؤتمر باليرمو لأنه يرفض الاجتماع مع تركيا وقطر، ممثلى الإخوان، وقادة الميليشيات، اكتفى بوفد مراقب، وحضور اجتماع القادة، وهو نفس الموقف الذى التزمت به مصر.
إشكالية الدستور
الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور أقرت مسودته فى يوليو 2017؛ بعد ثلاثة أعوام من انتخابها، لكن المسودة لا تحظى  بالتوافق، لإجحافها بحقوق الأقليات «التبو والأمازيغ»، وتجاهلها حقوق شرائح مجتمعية كالشباب والمرأة، وتقييد ترشح العسكريين، بمرور عامين على تركهم الخدمة، وعام على التنازل عن ازدواج الجنسية، وهو ما يرفضه أنصار حفتر فى الشرق، والمؤيدون له فى الغرب والجنوب، الذى يتطلعون للتخلص من فوضى الميليشيات، وإنعدام سيطرة حكومة الوفاق، بدخول الجيش الوطنى لاستعادة الأمن، وفرض الاستقرار الذى حرموا منه لسنوات، على نحو ما تحقق فى الشرق، لذلك يرون تعديل الإعلان الدستورى، لإجراء الانتخابات بمقتضاه.. المجلس الأعلى للدولة، واللجنة العليا للانتخابات، اللذين يسيطر عليهما الإخوان، يرفضان إجراء الانتخابات دون إقرار الدستور، حتى يبعدان حفتر عن المنافسة، متجاهلين الأزمة التى يمكن أن تنشأ عن رفض الأغلبية للمسودة، أو عجز سلطات الغرب والجنوب عن تأمين عملية الاستفتاء، فى غياب الجيش الوطنى.
نتائج المؤتمر
بعيدًا عن اجتماع القادة، فإن المؤتمر نفسه، من الناحية الموضوعية، لم يكن ناجحًا، حتى أنه عجز ــ مثلما حدث فى باريس ــ عن إصدار بيان مشترك ختامى، بسبب خلافات على مسودته التى تضمنت ثلاث نقاط رئيسية: الأولى، «ضرورة تحمل المؤسسات الشرعية مسئولياتها...»، وهو يتماشى مع الموقف الإيطالى الرسمى فى تثبيت سلطة السراج، واستمراره فى السلطة حتى إجراء الانتخابات.. الثانى «دعم الحوار برعاية مصر لبناء مؤسسات عسكرية وأمنية فاعلة...»، وهو ما اعترض عليه المشرى رئيس مجلس الدولة، الذى طالب بنقلها إلى الداخل الليبى.. الثالث، التشديد على «ضرورة الالتزام بالترتيبات الأمنية الجديدة فى العاصمة طرابلس، وتنفيذها من قبل قوات نظامية، والسيطرة على الميليشيات»، هذا النص يتسم بالغموض، لأنه يعنى التسليم بأن كل الجهود التى بُذلت لفرض الأمن فى العاصمة من خلال الميليشيات باءت بالفشل، ولم يعد هناك من مفر سوى الاستعانة بالقوات النظامية، التى لا توجد سوى لدى الجيش الوطنى بقيادة حفتر، وإلا لتمت الاستعانة بها منذ البداية، فهل تمثل تلك دعوة للتوصل إلى تفاهمات تسمح للجيش بدخول طرابلس العاصمة؟!.
فى اجتماع القادة، أثبت حفتر أنه واقعي للغاية، وطني بامتياز؛ لم يتقدم سوى بطلب واحد، هو تشديد دول الجوار للمراقبة على حدودها لوقف تدفق المهاجرين والعناصر الإرهابية على ليبيا، رحب بعزم الأمم المتحدة عقد مؤتمر وطنى جامع «ليبى/ ليبى» مطلع 2019، قبيل إجراء الانتخابات.. والأهم أنه سلم باحتفاظ السراج بمنصبه إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة «لا داعى لتغيير الحصان أثناء عبور النهر»، وإن تمسك بتجميد منصب القائد الأعلى حتى يتولاه رئيس منتخب شعبيًا.. فهل يمهد ذلك الموقف العقلانى لدخول الجيش الوطنى طرابلس؟!.
الدور المصرى
مؤتمر باليرمو فشل كسابقه فى باريس، كان حوارًا بين طرفى أزمة، غاب أحدهما، احتجاجًا على مشاركة صناعها «تركيا، قطر، ممثلى بعض التنظيمات المتطرفة...»، لكن قمة القادة نجحت لأن طرفيها حاضران، وأطراف الدعم شاركت بقوة، وتم تغييب صناع الأزمة.. المشاركة المصرية تزامنت مع دور مصرى فاعل فى وقف إطلاق النار بقطاع غزة، الذى حاولت تركيا منذ حادث السفينة «مرمرة» 2010، أن توجد لنفسها موطئ قدم فيه، لتتمكن من الظهيرين الشرقى والغربى للأمن القومى المصرى، لكن يقظة مصر حرمتها من ذلك، وأفشلت إستراتيجيتها؛ بعلاقات متوازنة مع مختلف أطراف المشكلة الفلسطينية، مما سد الذرائع أمام الدخلاء، وبالتنسيق مع الجيش الليبى مما أحكم السيطرة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، وحرمها من التواصل، أو تقديم الدعم لحلفائها.. فى باليرمو أكد السيسى أنه «لا يجب مكافأة أى طرف إقليمى أو دولى تورط فى دعم الإرهاب، ومعاملته كما لو كان جزءًا من حل المشكلة الليبية»، وفى باليرمو سلم القادة برؤية مصر البناءة؛ استبعدوا تركيا، وتجاهلوا قطر، وسلموا بثقل مصر ودورها الإقليمى. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook