صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

برلين الحزينة

47 مشاهدة

7 نوفمبر 2018
برلين: طارق رضوان



قتل الأمريكان أوروبا. وسحقوا هوياتها وشوهوا شعوبها. وصكوا بصمتهم على كل المجتمع الغربى وأمركوه. هناك من يقاوم كالإنجليز والفرنسيين، وهناك من استسلم كالطليان، وهناك من يحاول استعادة ما مضى من تاريخه كالألمان. ثم أطلقوا عليهم بوسائل إعلامهم الجبارة مسمى القارة العجوز. فأصبحت عواصم أوروبا القديمة كلها تشبه بعضها بعضًا. ولكل عاصمة جرح خاص بها من الأمريكان. وفى برلين جرح غائر مازال ينزف إلى الآن.

عندما تلمس عيناك أرض برلين من الطائرة يزورك إحساس غريب. مدينة قديمة حزينة. وعندما تسير فى شوارعها تسمع أنينا وألما دفينا. فقد سحق الأمريكان والروس تلك البلدة الجبارة. أهانوها كما لم يهينوا أحدًا من قبل. وتجرعت برلين الإهانة كاملة. سقطت برلين كما سقطت معظم العواصم الكبرى فى العالم ولم تأخذ بثأرها إلى الآن. فقد سقطت باريس وروما وطوكيو وبكين وبرلين. بل سقطت بغداد ودمشق. أما القاهرة فلم تسقط أبدًا. هزمت تلك العواصم الكبرى القديمة ولم تخض حربًا لتأخذ بثأرها. إلا القاهرة. فقد هزمت – ولم تسقط – لكنها بعد ست سنوات من أمجد أيام عمرها خاضت الحرب وانتصرت وأخذت بثأرها فعادت إليها كرامتها وكبرياؤها وأعادت البناء على جسد سليم. أما تلك العواصم الكبرى فقد أعادت البناء والتقدم على جرح لم يندمل. فأصابها الحزن والشجن وما زال الألم يسير فى عروقها. برلين هى أوضح عاصمة فى أوروبا يسبح فيها الشجن والحزن فى كل ركن فيها. لم تتخلص بعد من تاريخها الدموى المؤلم. وكأنها لا تقوى على التخلص منه. أو لا تريد. فقد شقت تلك البلدة لنصفين بسكين حاد صارم اسمه سور برلين. أحد أهم مزاراتها. مازالوا هناك يحتفظون ببقايا السور. وقطعوا قوالب منه ووزعوها على ميادينها. وبجانب كل قطعة وضعوا صورًا تحكى ما جرى. كأنها شاهد على حزن تلك المدينة. لا تعرف كيف التخلص منه. مدينة تقاوم وهى فى آخر سنوات عمرها. تعبت من تأنيب الضمير وأجهدت من إثبات الذات وبح صوتها من كثرة الصراخ من الألم. فما حدث لتلك المدينة من إهانة وسحق لا تتحمله مدينة أخرى غير برلين. وفى كل حرب خاضوها كانت الهزيمة حليفة لهم. لذلك فمعظم تماثيلهم فى الميادين أو على جدران البنايات القديمة لمحاربين من العصور الوسطى أو لفلاسفة صنعوا مجد الألمان. مدينة تتجمل وتتزين بلا روح. تشعر بالملل. كامرأة عجوز ترك الزمن إثره على وجهها الجميل وتحاول أن تدارى تجاعيد وخطوط الزمن التى أصبحت غائرة فى وجهها. وهى مدينة طيبة آمنة تمامًا كامرأة جميلة عجوز. فعلت كل شىء وعاشت شبابها بالطول والعرض حتى سحقت تمامًا. فى هذه المدينة كانت تحاك المؤامرات. ومن بين جدرانها اتخذت قرارات قتلت 78 مليونا من البشر بأمر من الفوهرر. مدينة فى رقبتها دم ويدها مازالت ملطخة به. وعلى ثوبها دماؤها هى. لذلك فهى مدينة تعانى وتئن من تأنيب الضمير ومن جلد الذات ومن مسح العار. وأنينها مسموع فى كل ركن فيها. كل من على أرض برلين يشعر بالرضا. سكانها الأصليون واللاجئون والزائرون. فكل شىء منضبط. وكل حركة تتم بالثانية وليس بالدقيقة. مدينة مغتسلة طوال الوقت. تبرق كالؤلؤة. ولا يوجد بها مبانٍ شاهقة. فقد ذهدت فى ذلك التحضر الزائف. سكانها لديهم خليط من المشاعر المتناقضة. طيبون ومتحضرون ومتعصبون ويشعرون بالوحدة. لذلك ترى معظم من يمشى فى الشارع اثنين أو أكثر. قليلا ما ترى فردًا يمشى بمفرده. هناك شىء ما يخيفهم. شعور ما لا يعرفون من أين جاء. لكنه شعور ولد عندما أهين أجدادهم فى أواخر الحرب العالمية الثانية حتى الوحدة. عندما ترى صور اللوحات للمستشارين المعلقة على جدران مبنى الاستشارية مقر الحكم. ترى لوحة كبرى للمستشار كونراد أديناور رمز إعادة إعمار ألمانيا بعد الحرب. الذى تولى الحكم من عام 1949 إلى عام 1963 ثم بجواره صور لوحات صغيرة لمستشارين تولوا الحكم من بعده. ثم لوحة كبيرة للمستشار هلموت كول الذى وحد ألمانيا وبعده لوحة كبرى بنفس المقاس للمستشار فريتز كورت شرودر رمز الوطنية الألمانية. أى أنهم يعرفون جيدًا من الذى أضاف للأمة الألمانية ولاقى التكريم المناسب. وقد كان هلموت كول هو الأشهر عالميًا لتوحيده ألمانيا وفى عصره دق الفأس على جسد سور برلين ليهدمه. وقد دفعت ألمانيا الثمن غاليًا جدًا لهدم هذا السور. دفعت كل تكاليف حرب الخليج الثانية ليمر أمر الوحدة من تحت ضرس الأمريكان. فقد وصلت ألمانيا لذروة التقدم فى عهد كول وكان على الأمريكان كالعادة أن يفرملوا عجلة التقدم الرهيبة التى تمت وقت انشغال الجميع بالحرب الباردة. لكن التقدم الرهيب الذى حققه الألمان كان ناقصًا. فهى دولة بلا جيش. دولة فى قلب الصراع العالمى بلا درع. مبتور ذراعها فتشعر بالعجز. فليس هناك أقسى على دولة كبرى بلا جيش يزين تقدمها ويثبت قوتها. لذلك فهى جسد ضخم وقوى على ساقين من فخار. وهو أحد أسرار حزنها. أصابت الشيخوخة برلين. فقد شغلهم التقدم والعمل لإعادة المجد القديم عن تجديد دمائها. فكان الحل فى البحث عن مواطنين جدد يجددون شبابها، ولهم نفس العرق الآرى تقريبًا فاختاروا السوريين. اختاروهم بعناية فى مخيمات للاجئين. وقاموا بالفرز. من يبقى ومن يرحل لبلاد أخرى. فانتشر السوريون فى كل مدن ألمانيا. أكثرهم من الشباب بالطبع. وتمت الصفقة. وطن بديل آمن مقابل تجديد الدماء وضخ قوة شبابية جديدة تسير فى عروق الدولة لتنتعش. وهو ما قاله ديتر كمبف رئيس اتحاد الصناعات الألمانى أن السوريين جاءوا فى الوقت المناسب. ورفضوا الأفارقة. وشددوا فى إجراءات منع الهجرة غير الشرعية. وهو ما يكشف بوضوح سر استقبال الألمان للاجئين السوريين. وبعض من العراقيين المسيحيين فى أكبر عملية تهجير تمت فى الشرق بنزوح 150 ألفا من العراقيين إلى غرب أوروبا وهى العملية التى أشرف عليها مهندس الفتن الطائفية السفير الأمريكى فى العراق ستيفن بيكروفت قبل أن يصبح سفيرًا لبلاده فى القاهرة. كل شىء معد مسبقًا كما ترون. فتوغل السوريون فى كل المدن الألمانية ولتعليمهم العالى ومهاراتهم فى العمل تأقلموا سريعًا على حياتهم الجديدة واحتفظوا إلى الآن ببعض خصالهم العربية وبلغتهم التى يتحدثون بها لبعضهم البعض. وهو ما ينبئ بما ستكون عليه ألمانيا خلال ثلاثة عقود قادمة. دولة خليط من البشر لكل منهم هويته وخصاله مما يهدد الهوية الألمانية المميزة. كأن برلين تقرأ المستقبل وفى ذاكرتها الماضى. لذلك فهى رغم جمالها ورونقها وتحضرها إلا أن الحزن لا يفارقها. وتبقى مصر أجمل بلاد العالم بحيوتها ونضارتها وفرحها. نعم ينقص مصر الكثير، لكنه يمكن أن يعوض. لكنها تملك ما لا تملكه دول أوروبا. تملك الروح. روح مصر الطيبة بأرضها المقدسة.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook