صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

اصطياد حلم جارح

74 مشاهدة

24 اكتوبر 2018



كتب: علي بنه


أسدل الليل خيوطه على المدينة، فأغرقها فى ظلام دامس، يتبدد فى دوائر، أسفل أعمدة إنارة الشوارع، يبتلع السكون عمارات المكان، يشقه من آن لآخر، أصوات مرور بعض السيارات، تسترق السمع لها، ومع كل صوت عربة، يترامى لأذنها، تسرع الخطى، نحو بلكون الشقة، مزفوفة برجائها، فى أن يكون هو، تطل منها، باحثة عنه فى الشارع، تنتعل حذاءها، ذا الكعب العالى المدبب، تتنقل كفراشة يحوطها عطرها، تقف أمام المرآة، تعيد تصفيف شعرها، تنظر لانسيالها، لسلسلة عنقها، أهما مناسبان، أم تتقلد غيرهما، تبدل، تغير، فى خواتم أصابع يدها، تستدير، يمينا، يسارا، مزهوة بهندامها، تتمايل فى خطواتها، كأنها تراقص أحلامها، على صوت أنغام الموسيقى، تطفئ أنوار الشقة، وتبقى على بعضها، فتنعكس خافتة على حوائطها، توقد الشموع، تجلس تراقب نيرانها.
تنسل ذكرياتها فى فوضى، يزدحم لها المكان، تعلو وجهها علامات المرارة، يقتطب حاجباها، حين تتذكر، أنها وعت على الدنيا، والفقر يلاطمها وتلاطمه، وكم تقوتت من جوعه، وتجرعت حرمانه، ولازمها دائما العوز، وكان حلمها فى صباها، الذى استمد روحه من أنوثتها، وتغذى على جمالها، أن تتزوج من رجل ثرى، وأجهضها والدها، يوم أن أخرجها من المدرسة، وهى لا تزال بالصف الثالث الإعدادى، ليتخلص من عبئها، المعيشى والدراسى، بعد أن رسبت عامين، فى سنوات دراستها، وزوجها الشاب، يكبرها بخمسة عشر عاما، فانتقلت من دار أبيها، لبيت زوجها، وانتقل معها فقرها، فحضنت حلمها المكسور، فى تمرد صامت، واستسلمت لعناد أيامها، التى أسالت دماء آمالها، وكانت تخرج لها لسانها، كل ليلة، حين ترى زوجها، يتمدد بجوارها، تعرج بها ذكرياتها، لزوجها الجديد، تبتسم، وهى تسترجع أحداثها معه، فتتهادى أحلامها وآمالها لتندس بينها، عرفته، فى العالم الافتراضى، عن طريق الفيس بوك، وعلمت منه أنه ثرى، يمتلك شركة كبيرة معروفة، هو رئيس مجلس إدارتها، فى منتصف العقد الخامس من عمره، يكبرها بعشر سنوات، رأت فيه الشاطر حسن، الذى سيخطفها على ظهر جواده، ليخلصها مما هى فيه، ويعوضها عن سنوات معاناتها، استيقظ حلمها، الذى كان يراودها فى صباها، ودق بابها من جديد، فوافقت على أن يهبطا، إلى أرض الواقع، وقابلته، وقتها، بدت على وجهه، ملامح دهشة كبيرة، وانبهار صارخ بجمالها، فتأكدت أنها ملكته، وأنه سوف ينفذ كل شروطها، من أجل أن يفوز بها.
التحم حلمها المكسور وتعافى، وفرض نفسه بقوة عليها، واستعمر أفكارها، واجتاحها كسيل عارم، جرف أمامه، كل السدود والموانع، فثارت متمردة، على كل واقع حياتها، ناقمة على حالها وأوضاعها، وحطمت كل قيودها وسلاسلها، وحررت نفسها، بالطلاق، من أبو أولادها.
والآن حققت حلمها، وتزوجت، من رجل ثرى، قدم لها شيكا بمليون جنيه، مهرا لها، وقت توقيع عقد زواجهما العرفى، بواسطة أحد المحامين، واستأجر لها شقة مفروشة، لحين تجهيز شقة تمليك سوف يحرر عقدها باسمها، لهذا فإنه استحقها، واستحقه جمالها، الذى طالما تغنى ويتغنى به، جميع من عرفها ويعرفها، وتراه فى عيون كل الشباب والرجال، حين يعلقون نظرهم عليها مشدوهين، وتشاهده كذلك فى نظرات الفتيات والسيدات، حين يرونها، تفيق من ذكرياتها، تنظر لعقارب الساعة، تجدها وقد التهمت الوقت، ولم يأتِ حتى الآن، تتناول تليفونها المحمول، تتصل به...
- أهلا حبيبتى.
- أنت فين لماذا تأخرت؟ أنا قلقة عليك..
- أنا فى الطريق، عشر دقائق وسأكون عندك، هل تريدين شيئا أحضره معى.
- لا يا حبيبى لا أحتاج لشىء، تعال بسرعة، وحشتنى..
يركز فى مفارق الطرق، يضع تليفونه المحمول على تابلوه السيارة، دون أن يتنبه أنه لم يغلقه، يواصل حديثه مع صديقه المحامى، تليفونها لا يزال على أذنها، تنتظر أن يغلق الخط، فجاءها صوت صديقه يقول له:
- هل هى زوجتك المزيفة.
- نعم هى...
- غدا الأحد، وربما ذهبت لتصرف الشيك من البنك، فماذا أنت فاعل حينما تكتشف أنه بلا رصيد..
- سأحاول إشغالها لكى لا يتوفر لها الوقت للذهاب للبنك..
- وماذا بعد ذلك؟ فهى سوف تعرف الحقيقة إن آجلا أو عاجلا..
-- بكل الطرق سأحاول أن أستمتع بها لأطول فترة ممكنة.
تشعر بالدوار، وكأن الأرض تميد من تحتها، ترتمى على أول مقعد يقابلها، غير مصدقة ما سمعته، تتنقل بعيونها على كل ما حولها، أهى تحلم؟ أهو واقع؟ أهى وقعت ضحية نصاب كبير؟ أم هى كانت ساذجة، يرتج داخلها بعنف، يترنح فكرها، تضيع معالم مستقبلها، يتلاشى كل شىء أمامها، تقذف بتليفونها بكل قوة، فى الحائط المقابل لها، يصدر داخلها صرخة قوية، فى صمت مدو، تتصدع لها، كل أركان نفسها، تسمعه يدير مفتاح الشقة، يقف أمامها مبتسما، تنظر له بتحفز وإمعان ووجوم، تفتش فيه، تتمنى أن يكون ما سمعته، غير صحيح، وأنها أخطات فهمه، يبادرها قائلا: مالك؟ ماذا حدث؟ أرى وجهك على غير العادة، هل يوجد شىء أغضبك؟
-- هل الشيك الذى أعطيته لى بدون رصيد؟
يطيل النظر لها، يسأل نفسه، كيف عرفت؟ وهو الذى أعطاها إياه يوم الخميس، والبنوك فى إجازة أسبوعية يومى الجمعة والسبت، وغدا هو الأحد، أيكون صديقه وشى به؟ فتبادره:
- رد، هل الشيك بدون رصيد؟
-- من أين أتيتِ بهذا الكلام الفارغ، اتركينا من هذا الهراء، وهيا حضرى العشاء لنتناوله سويا..
- هذا ليس كلاما فارغا أو هراء، لقد سمعت ما دار بينك وبين صديقك، لأنك لم تغلق التليفون، وكيف أنى زوجة مزيفة؟
يشخص فيها بصمت، يعمل عقله بسرعة البرق، يفكر فى كل الاتجاهات والاحتمالات، هل يصارحها؟ ليأمن تهورها، أم ينكر؟ ولكن كيف ينكر وقد سمعته، إذًا المواجهة أصبحت حتمية، وليس لها بديل، وبتنهيدة يقول لها:
- نعم الشيك بدون رصيد...
- ولماذا الشيك بدون رصيد؟ أكنت تكذب عليّ حينما أفهمتنى أن أرصدتك فى البنوك تقارب المليار جنيه؟
- أنت عرفتينى من خلال النت، فى الفيس بوك، وبمكرك شغلتينى، ودفعتينى أن أدخل على الخاص، أدردش معك، وفهمت مغزى أسئلتك غير المباشرة لى، التى تهدفين منها للوقوف على حجم ثروتى، وحينما قابلتك فى الواقع، بهرنى جمالك، فخشيت أن أفقدك، إذا صارحتك بحجم ثروتى الحقيقى، فبالغت لك فيها حتى أظل محتفظا بك.
- ألا يوجد عندك ضمير؟ كيف تخدعنى، وأنا التى طلقت من زوجى السابق، وتخليت عن أولادى وتركتهم له، من أجلك أنت، لأنى أحببتك.
- أنت لم تحبينى، ولكنك أردتى ثروتى، وأنا أردت جمالك..
- أنت حقير، وإذا لم تأتِ لى بقيمة الشيك، فى خلال أسبوع، فسأقدمه للنيابة، وسأفضحك فى شركتك، وعند مراتك وأولادك..
استقبل هذه الكلمات ببرود وهدوء، لم يتفاجأ بها، كأنه كان يتوقعها، يعلق عينيه على عينيها، تنظر له بحدة وتحد، يحتار، هل يذكر لها الحقيقة كاملة الآن، أم يؤجلها لحين؟ أخرجه من تفكيره صياحها وهى تقول له:
- رد، متى ستعطينى قيمة الشيك؟
- لكى لا تتهورى، فاعلمى أن الشيك مزور، لأن التوقيع الذى عليه ليس توقيعى، وكذلك عقد الزواج العرفى، فهو مزور أيضا لأنه لا يحمل إمضائى، وإذا نفذت تهديداتك، فسأحرر محضرا ضدك أتهمك فيه بالتزوير وأطالبك بالتعويض.
تصرخ بهيستيريا، تبكى، تقذفه بما أمامها، تشرع فى تحطيم زجاج النوافذ، وهى تردد:
- مجرم، حيوان، حقير، خنزير
يمسكها بكل قوة، يحاول إيقافها، عن الاستمرار، فى فعل ما تقوم به، يطالبها بالهدوء، يود أن تسمعه، فكلامه لم ينته بعد، ينجح فى شل حركتها، ويفشل فى إسكاتها أو تهدئتها، فيضع يده على فمها، ويقول لها:
- أنا متمسك بك، وعلى استعداد أن أتزوجك، بعقد عرفى صحيح، لكن بدون شروطك، ولك الحرية فى القبول أو الرفض، وفى حال الرفض، سأعوضك بمبلغ من المال، أنا الذى أحدده لك، وأحذرك من أن تنفذى تهديداتك، لأنى وقتها سوف أدخلك السجن، والآن أتركك لعدة أيام، تفكرين فيها بهدوء، لتصلى إلى حل، وتقررين ما ترينه صوابا.
يخرج حافظة نقوده، يترك أمامها مبلغا من المال، يغادر الشقة، تستمر فى بكائها، وتواصل ضرب رأسها، بكلتا يديها.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

التعايش السلمى


فى عالمنا الواسع، القاسى والمؤلم، تتدفق علينا ملايين الصور يوميًا مصاحبة لمئات الأخبار المفجعة، صور حروب وإرهاب ودماء ..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook