صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

التفاصيل

44 مشاهدة

10 اكتوبر 2018
كتب : ايهاب فتحي



منزل قديم ، صوت حلو ، وجه طيب ، ضحكة سعيدة ، نسمة هواء فى يوم صيفى قابلتها فى شارع جانبى هادئ وأزالت بحنوها سقم الحر واليوم ، أحاديث عائلية دافئة فى ليلة شتوية باردة ، كلمات الحبيبة عندما تعاتبك فتعلم بأن هناك من يرعاك ويخاف عليك بفن العتاب ، بعض الانتصارات الصغيرة هنا أو هناك ، كتاب أوراقه طيعة فى يدك تفرها فى سعادة وتجد مع كل صفحة منه نوراً هادئاً يسرى فى خلايا عقلك .. مكان تعتبره سرا وحصنا أخيرا تلجأ اليه عندما يشتد عليك الحصار وتفقد قدرتك على صد الغزاة فتتحصن به إلى حين ثم تعاود حربك اليومية من جديد.

من هذه التفاصيل اليومية المتدفقة يغزل الإنسان حياته تصبح حياة متفردة عن حياة الأخرين وكل منا يرى أنه سعيد أو تعيس حسب نوعية التفاصيل التى جمعها فى يومه وحتى اللحظات الأخيرة فى عمره.
تصبح أنت الحكم على نفسك فالتفاصيل التى حوتها صناديق الذاكرة لا يطلع عليها أحد وتبقى سرك العظيم ، قد تضحك أمام الجميع والتفاصيل التى داخلك تؤلمك ، قد تصمت فيشفق عليك من حولك ولا يعلمون أنك تحلق فى آفاق بعيدة سعيدة. 
يتقافز داخلنا سؤال صغير يزعجنا بشقاوته كيف تصنع الحياة هذه التفاصيل التى لايتوقف سريانها كما النهر ؟ هذا السؤال الشقى لا يبقى وحيدا طويلا فهو يكره الوحدة والهدوء ... يستحضر هذا الشقى أقرانا له لا يقلون أزعاجا عنه ، أسئلة مثله صغيرة ..تلح عليك لكى تطعمها الاجابات.
مصادفة
ماذا لو فقد الإنسان جزءاً من هذه التفاصيل أو فقدها كلها وأصبح فارغا ؟ هل تأتى تلك التفاصيل مصادفة أم نحن نستطيع غزلها بأيدينا ؟ لماذا نعتبر واحدة منها أو اثنتين هما الأكثر قربا لنا ؟
تلك عينة من الأسئلة الصغيرة التى تطارد فى شقاوة العقل الانسانى ويحاول دائما تجنبها حتى يستمر فى حياته ولا يبقى أسير الخوف من فقدان المخزون الذى يساعده على هذا الإستمرار.
بالنسبة لى عندما بحثت بدقة فى صناديق الذاكرة لأعثر على إجابات تطعم الأسئلة الشقية إنتابنى فتور من  الأسئلة وطعامها المكون من الأجابات وأستغرقتنى التفاصيل نفسها والمتراكمة فى الصناديق من زمن بعيد شعرت بلذة شديدة فى تأملها وسماعها وشمها أيضا لقد نسيت أن هناك تفاصيل ترتبط بحاسة الشم.
صناديق
أندهشت وأنا أقلب فى أحد الصناديق ـ لم تتركنى الأسئلة قفزت أمامى من جديد ــ كيف بعد هذا الزمن مازالت الصناديق تحافظ على تفصيلة تلتصق بها رائحة عابرة شهية ؟
وجدت مايدفعنى بشدة لتشارك هذه التفاصيل .. فمهما صمدت الصناديق أمام الزمن سيأتى يوم وتغلق نهائيا على التفاصيل وصاحبها أو قد تضيع  أرقام فتحها السرية  بفعل ألزهايمر وتصبح صناديق مهملة لا يعلم بأمرها أحد إلا صاحبها الذى أظلم عقله وضاعت منه الأرقام السرية لفتحها.
 رغم الدهشة  من قدرة الصناديق على الحفظ  فيجب الأعتراف بأن تفصيلة الرائحة الشهية  بدأت معالمها تضيع ، حرصت على البدء بها قبل أن تتسرب نهائيا من الصندوق.
شوارع
فى شارع جانبى ضيق يبدو أن ضيقه هذا معناه علامة عدم ترحيب بالزائرين فهو مكتفى بساكنيه ولا يريد المزيد لكنى كنت أحب مشاغبته والمرور منه صغيرا عند العودة من المدرسة إلى المنزل فى نهار شتوى بعيد
فى منتصف الشارع الغاضب من أقتحامى.. أبطئ السير ثم أقف قليلا أمام أحد منازله لم تكن عمارة المنزل تغوى البصر بل تبعث على التعاطف فهو منزل مسن قديم لا يقوى على الوقوف ولكن من شبابيكه الخشبية الهرمة ينطلق السحر ويثبت أقدامى فى مكانها.
تنفذ من الشبابيك رائحة شهية ..برودة الجو وضيق الشارع يساعدان الرائحة الشهية على الثبات والإعلان عن نفسها فهى سفيرة لطبق طعام ما يعده سكان المنزل المسن.
بعد أن تشبع الأنف يبدأ البصر فى التلصص والأذن فى استراق السمع لمعرفة من يقف خلف هذا السحر الشهى.. بحثت فى الصندوق عن بقايا هذه التفصيلة من مرئى ومسموع لم أجد إلا شذرات بمجرد أن أمسكتها فى يدى تحولت هباء منثوراً.. بقت هذه الرائحة الشهية تمثل ذروة لذة الطعام ولكن حتى الآن لم أعرف من هو الساحر صانع اللذة.
البحر
سمعت صوت البحر يتصاعد من أحد الصناديق فتحته مسرعا فكادت الأمواج الهادرة تبتلعنى فبحر الإسكندرية كان فى قمة غضبه وتحمل النوة رسالته إلينا  كنت على عكس البحر فى قمة سعادتى.
وجدت نفسى أسرع شابا الى التريانون على الرصيف المقابل وجدتها تحتمى من المطر الغزير بمظلة ملونة عبرت الشارع فى وجل ، مررنا من الباب سويا ، رفعت عينيها فجأة تجاهى لمحت فى عينيها السوداوتين نظرة سرعان ماحجبها شعرها الناعم المبتل من المطر.
بقت هذه النظرة  ولم أعرف لها تفسيراً وبعدها جملة مقتضبة لم يجعلنى صوت البحرالغاضب أستمع لها جيدا، ابتسمت فكل ماحواه الصندوق من القصة نظرة وجملة مشوشة .. أين صاحبة المظلة الآن ؟ ..لا أعلم. 
حنين
لم أرد الاقتراب من هذا الصندوق لكن الحنين لتذكر ملامح وجهها أزاح  الحزن جانبا ووضع مكانه فرحة طفولية ، كفها البض يحتضن كفى الصغير فى حنان، لا أستطيع مجاراة عزمها فى السير ، عندما تستشعر ضعفى تتمهل قليلا ثم تلتفت لى مبتسمة، دخلنا من باب جانبى إلى مسجد طيب الرائحة، بحثت بعينيها فى لهفة عن شخص ما، عثرت على ماتبحث عنه ..سيدة عجوز تجلس مستندة إلى جدار، حملتنى مسرعة وذهبت بى إليها ووضعتنى أمامها، مدت العجوز يدها لتضعها فوق رأسى هربت من يدها وانطلقت أجرى فى أرجاء المسجد الرحب مستمتعا باللعبة ،طاردتنى حتى أعود ليد العجوز، تقطعت أنفاسها من مطاردتى جلست بجوار السيدة العجوز التى ضحكت من تصاعد أنفاسها، اقتربت منها وألقيت بنفسى فى صدرها، ضحكت هى الأخرى ومدت  يدها لتمسح على رأسى فنمت، لم أعرف نوما مثل نوم هذا اليوم ، عندما يغالبنى النوم كبيرا أذهب لهذا الصندوق  وأستحضر يدها فيأنس النوم العاصى ليدها.
فراق
وجدته بعد طول بحث ..صندوق صغير داخله وجه جميل ، ملامح الوجه دقيقة وناعمة ودائما مبتسم لم أفهم سبب أفتراقى عن صاحبة الوجه هل هى من طلبت الفراق أم أنا سعيت إليه ؟ مرت سنوات طويلة لكن ملامحه واضحة وأبتسامته متجددة .. قفزت الأسئلة الشقية من جديد ..لماذا ذهبت إلى هذا الصندوق ؟ ألم تلحظ الكلمة المحفورة على غطائه ؟ أعتذرت لضعف البصر بفعل السنين لكن أثر الكلمة وصل الى القلب فى عربة  الندم.
ظننت أن مشاركة التفاصيل عمل سعيد لكن الأفضل ألا نجيب على الأسئلة الشقية ونترك التفاصيل داخل صناديقها المغلقة وندعها مغلقة للأبد حتى يوم الرحيل أو تضيع أرقامها السرية ويبقى أصحابها بلا تفاصيل.



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook