صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

سَفرية وحدوتة

85 مشاهدة

10 اكتوبر 2018
كتب : مودي حكيم



«التبكير - النجاح»، هكذا قالوا قديمًا عن الاستيقاظ مبكرًا، كما أكد العديد من الباحثين على ذلك القول المأثور وأهميته فى إثبات النجاح. وفى عصرنا هذا نماذج لرجال ونساء ناجحون ومشاهير حول العالم؛ ساعدهم الاستيقاظ المبكر فى إثبات الذات والنجاح.
 أمثال «مارى بارا» الرئيس التنفيذى لشركة جنرال موتورز، فهى تتواجد بمكتبها بالشركة فى حوالى السادسة صباحًا، وذلك من قبل أن تصبح الرئيس التنفيذى للشركة، وتيم كوك المدير التنفيذى لشركة آبل يستيقظ فى الرابعة إلا ربع صباحًا، حيث يبدأ نهاره بتفقد رسائل البريد الإلكترونى، ثم ممارسة رياضة الجرى ثم الشركة، وبالمثل بوب إيجر المدير التنفيذى لشركة ديزنى، أما أورسولا بيرنز الرئيس التنفيذى لشركة زيروكس فتستيقظ فى الخامسة والربع صباحًا لترد على رسائل البريد الإلكترونى، وأحيانًا تعمل حتى منتصف الليل.
وأستاذنا الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين يستيقظ فى الساعات الأولى من الصباح، ليتواجد فى مكتبه من الثامنة صباحًا يقرأ الصحف وما صدر من جديد الكتب، واستيقاظه المبكر ساعده على تعلم اللغة الإنجليزية وإتقانها فى الساعات الأولى من الصباح تعليمًا ذاتيًا فى مرحلة ما من حياته، كما ذكر لى يومًا فى معرض حديثه عن أهمية الاستيقاظ المبكر، وفى الحقيقة كان تواجد الأستاذ مبكرًا يدفعنى إلى تقليده إعجابًا به من ناحية، وحتى أكون فى أمرته إذا احتاج شيئًا من تحرير المجلة، فإذا اتصل تليفونيًا يجدنى دائمًا فى مكتبى.
كانت رحلة الصباح من مصر الجديدة ممتعة بالتنقل بالمترو من محطة عبدالعزيز فهمى القريبة من بيتى إلى المحطة الأخيرة على كورنيش النيل خلف المتحف المصرى مكان ميدان عبدالمنعم رياض «حاليًا»، ثم انتقلت بعدها إلى شارع الجلاء.
مترو مصر الجديدة الذى أنشأه البارون امبان لخدمة سكان منطقة «أوان» كما سماها الفراعنة، ثم سميت باسم «هليوبوليس» فى العصر اليونانى، وهى كلمة تعنى مدينة الشمس، ثم سميت مصر الجديدة، المترو أنشئ عام 1917 كأول خط بين القاهرة وهليوبوليس بواسطة شركة بلجيكية خاصة سميت «شركة سكك جديد مصر الكهربائية وواحات عين شمس»، وقد أنفق البارون أرباحه من شركة الترام فى بناء قصره على الطراز الهندى.
كان يسكن معى فى مصر الجديدة الصديق الذى زاملنى من اليوم الأول فى «الصبوحة» رسام الكاريكاتير رءوف عياد، فقد التحق بالمجلة فى نفس العام الذى عُينت فيه، وحاولت مرارًا أن أغريه بمشاركتى فى الرحلة الصباحية، ولكنه كان من فريق الحضور المتأخر قدمه لى الفنانان جمال كامل وعدلي فهيم لمساعدتى ولتوجيهه لتحسين خطوطه فى الرسم، فقد كان ماهرًا فى أفكاره، ولكن ريشته ضعيفة إلى حد ما، فهو غاوى رسم ولكنه يعشق الكاريكاتير، فقد ترك كلية الحقوق قبل أن يكمل دراسته. رءوف عياد مصرى فى أعماقه سودانى الهوية، فقد عاش سنوات الدراسة فى السودان مع والده وأسرته دمث الخلق هادئ، طيب القلب وقليل الكلام، يتميز بالصبر والإصرار على أن يكون رسام كاريكاتير كبيرًا، مثل الأسماء الكبيرة من ملوك الكاريكاتير، ومن صفحة «نادى الرسامين» التى نُشرت له لأول مرة بعض من رسومه، كان النادى هو الباب الذى دلف منه لداخل الصفحات.
استخدمت رءوف فى البداية فى رسم الموتيفات والفواصل بين الأبواب بخطوط مقلدًا للرسام الكبير حجازى إلى أن أصبح واحدًا من أشهر رسامى الكاريكاتير المعبرين عن ضمير الشعب برسومه المعبرة عن أفكاره ونقده الهادف البناء مؤمنًا بقضايا الحرية والكرامة والحق والعدل. ربطتنى برءوف عياد صداقة قوية تعرفت فيها على عائلته وإخوته البنات نقضى معًا أحلى الأوقات فى منزل العائلة بتريومف، وشاركنى فترة الغداء بالمجلة، فبحكم سكنه البعيد كان من القلائل الذين يقضون طوال اليوم بالمؤسسة بعد أن يذهب الجميع للغداء فى منازلهم، ليتولى أمرنا عم سيد مسئول البوفيه.
عم سيد واحد من الشخصيات المهمة المساعدة فى رحلة البحث عن الذات فى رحلة العاملين فى «الصبوحة»، فلكل واحد فيهم احتياجاته منهم، المنكب طوال الليل يكتب أو يرسم أو مفكرًا فى حملة صحفية يبهر بها رئيس التحرير فى الاجتماع الأسبوعى يوم الخميس، ومنهم الساهر فى أحد مقاهى أو مربع الإلهام، فهم يحتاجون لفنجان من القهوة أو الشاى أو حتى الينسون وعليه «دخان»، هو يعرف احتياج كل منهما، وإذا مر واحد منهم فى ضائقة مالية، فهو جاهز لإنقاذ الموقف، وكله «سلف ودين»، وخاصة أن الأستاذ إبراهيم خليل أمين خزنة المؤسسة وأقدم العاملين فيها شعاره ممنوع «السلف والدين».
وجبة الغداء هى مفاجأة عم سيد لمن لا يذهب لبيته، ومستمر بالعمل للفترة المسائية، وجبة الغداء عادة فى الخامسة مساءً، وهى عادة «تونة» بملحقاتها من العيش «المقمر» والمايونيز، والبصل أو «شكشوكة»، عم سيد العجيبة، و«مفاجآت أخرى»، أو ما يطلبه المحررون والرسامون، ورغم أنه دائمًا مبتسمًا، إلا أنه يفرض عليك أحيانًا ما تأكله، فهو أدرى باحتياجاتنا لشحن الطاقة لاستكمال يوم العمل، كان بوفيه عم سيد يتوقف نشاطه فى السادسة مساءً، ليتولى أمرنا سعاة الطابق السابع وأشهرهم عم حسين عبدالجليل الساعى الخاص للأستاذ إحسان عبدالقدوس - لكن لا مانع أن يقدم لك فنجان قهوة إذا كنت من الأشخاص المفضلين إليه - قبل أن يصل الأستاذ إلى مكتبه، وعادة بين التاسعة والعاشرة مساءً - فيستقبل ضيوفه من الفنانين والأدباء، منهم عبدالحليم حافظ ونادية لطفى، وصحفيون وكتاب ثم يبدأ فى الكتابة حتى الساعات الأولى من الصباح، وعندها يتحول حسين عبدالجليل حارسًا على باب الأستاذ إحسان مانعًا أى شخص مهما كان من الدخول عليه. كان حسين عبدالجليل طباخًا ماهرًا، قال لى إنه يذهب إلى منزل الأستاذ بالنهار ليتولى شئون المطبخ، وفى الحقيقة استعنت به كثيرًا فى منزل الأسرة لطبخ أطباقنا المفضلة، منها «محشى» ورق العنب الذى يجيد عمله بمهارة شديدة، وأثناء إقامتى لبيروت لعدة سنوات - وسأحكى تفاصيلها لاحقًا - كان عم حسين مسئولًا عن أمن عائلتى الغذائى، فكان يتصيد أى فرصة لسفر أحد الزملاء إلى لبنان ليرسل معه كل ما طاب من خيرات مصر غير الموجود منها فى لبنان -عشان المدام والأولاد- على حد قوله. حسين عبدالجليل شخصية نادرة، صعيدى شهم، أصيل، ابن بلد ويتصف بالوفاء والأمانة، مخلص لمن يحبه.
لم تكن وجبة الغداء مقصورة على بوفيه عم سيد، فكثيرًا ما كنا بعد انتهاء العدد تذهب «الشلة» إلى مطعم «تافرنا» بشارع الألفى فى صحبة لويس جريس ورءوف توفيق وجمال كامل وحسن فؤاد ومفيد فوزى نحتسى «الرتسينا»، ونأكل ما طاب من المطعم اليونانى، أو نقبل دعوة الأستاذ عباس الأسوانى بصفته صديق ومحام المؤسسة ونادى السيارات على الغداء بمطعم النادى الفخم، أو نكتفى بوجبات خفيفة فى «الأنجلو» بشارع شريف، المكان المفضل للعديد من الفنانين والكُتاب والصحفيين والسياسيين من مشاهير الستينيات، حيث تعلو فيه الضحكات والأحاديث الاجتماعية والسياسية، فمن رواده توفيق الدقن وعبدالمنعم إبراهيم وعبدالسلام محمد والشاعر كامل الشناوى والكاتب الكبير نجيب محفوظ الذى ذكر اسم المكان مرارًا فى رواياته الأدبية، وظهر فى أعماله كمكان للثرثرة فى السياسة دون فعل أو فائدة، رغم أن المكان شهد أحداثًا كبرى، منها قضية حريق القاهرة عام 1952، وفيه نلتقى بالأصدقاء من وكالات الأنباء الأجنبية منهم دافيد بشاى وفريد كامل.
أما الفنان الجميل جمال كامل فقد كان يحب أن يصحبنى إلى جروبى «ميدان سليمان باشا» مكانه المفضل الأنيق بديكوراته وطرازه الفرنسى وشياكة رواده لأشاركه مشروبه المثلج مع بعض المقرمشات، الجلوس إلى جمال كامل متعة وتجديد للروح وإضافة بتجاربه وإنسانيته، تعلمت من جمال الهدوء والتأمل ودفء المشاعر وتأثرت بروحه الطيبة وإيمانه بالآخرين بالتفكير فى الغير قبل أن تفكر فى نفسك وكره الصراعات والخلافات والابتعاد عنها.
جمال الذى صاحب رسومه أعمال إحسان عبدالقدوس قد خلق نوعًا من التآلف والانسجام والتواصل الإنسانى، قال عنه الكاتب كامل زهيرى «إن جمال كامل هو الترجمة التشكيلية لمشاعر وعواطف إحسان عبدالقدوس وشهد له أحمد بهاء الدين بأنه يملك أجمل ريشة».
جمال الذى احتضننى فى بداياتى وتعاون معى لتقديم جيل من الفنانين الجدد اللاجئين لأحضان نبع الإبداع والعطاء الفكرى والثقافى والفنى للالتحاق بأكاديمية الفن الصحفى مدرسة «روزاليوسف»، منهم الفنان رمسيس الذى قدمه لنا أسطورة الصحافة كمال الملاخ، موهبة رمسيس وإصراره على النجاج والجهد الذى بذله لتحقيق هذا أهله أن ينجح ليكون نجمًا من نجوم الكاريكاتير فى مصر، أبهج الملايين برسومه النقدية لكافة أشكال الفساد فى البلاد، فتجلت تجربته فى الكاريكاتير ومعها نقل سلاحه الفنى فى النقد إلى التليفزيون، ليقدم برنامجه الشهير «يا تليفزيون يا» موجهًا نقدًا فنيًا لاذعًا وتهكمًا ساخرًا إلى كل ما يتعلق بالإعلام المرئى، وأصبح رمسيس نجم شهر رمضان.
جمال كامل سمح لى باستقطاب الزملاء أوائل الدراسة بكلية الفنون الجميلة للاستفادة بموهبتهم فى تقديم طعم جديد لصفحات المجلة، فقدمت الفنان د.حازم فتح الله خريج قسم الحفر بالكلية، والذى تدرج بعدها فى سلك التدريس الجامعى أستاذًا ثم عميدًا لكلية الفنون الجميلة، حتى وصل إلى منصب رئيس جامعة حلوان وحصل على جائزة الدولة التشجيعية فى الجرافيك عام 1986، رسومه جملّت صفحات «الصبوحة» على مدى سبع سنوات، حتى قرر أن يتفرغ للتدريس الجامعى. وبعدها بعام أضافت رسوم الفنان د. أحمد نوار بُعدًا جديدًا برسومه التعبيرية والرمزية مستخدمًا الإضاءة والأبيض والأسود وبمنهج إبداعى رائع، وتركنا الفنان أحمد ليلتحق بأكاديمية سان فرناندو بمدريد لاستكمال دراسته، والحصول على درجة الأستاذية المعادلة لدرجة الدكتوراه المصرية، ويعود ليؤسس كلية الفنون الجميلة بالمنيا ويترأس عمادتها، ثم انتقل لرئاسة قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وحصل أحمد نوار على جائزة الدولة التشجيعية فى الفنون ووسام الدولة للفنون والعلوم من الطبقة الأولى، وأكثر من 27 جائزة مصرية وعالمية، كما حصل على وسام الاستحقاق من ملك إسبانيا، أيضًا استعنت أيضًا بفنانين آخرين منهم أيضًا الفنان محمد حجى وعبدالعال -شفاه الله.
عندما توليت مسئولية الصفحة الأخيرة من المجلة التى وضع أساسها ورسم خريطتها الأستاذ والفنان حسن فؤاد من العدد الأول للمجلة عام 1956 واهتم بأن يكون بها أبواب لاكتشاف المواهب ومن هذه الأبواب «نادى الرسامين»، ومنه تخرجت أهم الريشات الكاريكاتيرية على الساحة منهم نبيل السلمى الذى احترف فيما بعد، محيى الدين موسى اللباد أرسل بورتريه للرئيس محمد نجيب لنشره على الصفحة الأخيرة، وأصبح بعدها من أهم رسامى الكاريكاتير فى العالم العربى، المخرج الكبير فهمى عبدالحميد، وكذلك الكاتب ورئيس التحرير الأسبق «للصبوحة» رؤوف توفيق، كان من أصدقاء النادى، الفنانون تاج، رميسيس الفنان السكندرى عصمت داوستاشى، كذلك الفنان التشكيلى مصطفى بط وآخرون.
فى «نادى الرسامين» سعيت أن أكتشف فنانين من المحافظات المختلفة والتعريف بهم، وإلقاء الضوء عليهم فى العاصمة، سافرت محافظات مصر فى يوم عطلتى الأسبوعية لاكتشاف مواهب فنانى المحافظات لأقدمهم تحت عنوان «جولة نادى الرسامين فى المحافظات مع فنانى الأقاليم». منهم الفنان السكندرى منير فهيم، الذى قدمته فى أول معارضه عام 1969 بنقابة الصحفيين بالقاهرة، وكان هذا المعرض نقطة تحول فى حياته، زار المعرض وكيل وزارة السياحة فى ذلك الوقت، وطلب نقل المعرض إلى فندق شيبرد على نفقة وزارة السياحة، وأقتنى 3 لوحات صورت كبوسترات، إحداها اختيرت كأجمل ملصق سياحى فى القرن العشرين.
تعرفت على منير فهيم وهو طالب بكلية الفنون الجميلة وله محل للصور والبراويز ببدروم إحدى العمارات على ترام الإسكندرية، افتتحه له والده ابن أدفو، الذى كان يعمل بمصلحة الأموال المقررة، ويسافر دائمًا متنقلًا من محافظات مصر، كان دخل المحل يعينه على مصاريف الحياة وشراء الألوان الزيت، فيرسم ويبيع لوحاته ويفترش الأرض، لينام على بلاط أرضية المحل، فهو مكان إقامته ومرسمه ومصدر لقمة العيش، ولكن مع الأسف أصيب بمرض السل، فتوقف عن الدراسة، ولم يكمل تعليمه بكلية الفنون الجميلة، تزوج مبكرًا فتاة رائعة وقفت إلى جانبه، وكانت الموديل لكثير من أعماله، وانتقل إلى شقة صغيرة بعد أن بدأت أعماله تلفت الأنظار، وأنجبت ابنته شيرين التى تعيش الآن فى فرنسا، انطلق الفنان السكندرى منير فهيم، وأقتنت أعماله متاحف العالم، وعرفت لوحاته طريق منازل رؤساء الدول والملوك العرب، منهم الرئيس السودانى جعفر النميرى والرئيس النيجيرى يعقوب جون وأمراء الخليج وحكامه، وفى دول ألمانيا وهولندا وفنلندا وبلجيكا وإسبانيا وأمريكا. مات فى ذروة عطائه عن ثمانى وأربعين عامًا أنتج فيها آلاف اللوحات تتغنى بجمال مصر بعد أن التهم المرض صدره وعظامه.
كما قدم «نادى الرسامين» فنانًا تلقائيًا أصم وأبكم من محافظة قنا يصنع تماثيله بالحجم الطبيعى من جذوع النخيل، أيضًا قصر ثقافة أسيوط كان منبع خصب لاكتشاف فنانين من صعيد مصر.
هكذا كانت «صباح الخير» أكاديمية للإبداع ومدرسة صحفية رائدة.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس - 2

فجأة، قامت السلطات اليابانية  بإلقاء القبض على كارلوس غصن رئيس مجلس إدارة  التحالف الثلاثى العالمى للسيارات رينو &nda..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook