صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

أول أبريل

23 مشاهدة

10 اكتوبر 2018
كتب : د. عزة بدر



بقلم: نجيب محفوظ


ملخص ما نشر.. من قصة «أول أبريل»
«أول أبريل» قصة مجهولة لنجيب محفوظ لم تنشر ضمن مؤلفاته ولا فى مجموعته القصصية الأولي: «همس الجنون»، ونشرت فى مجلة «الرواية» بتاريخ أول فبراير عام 1938.. وقد نشر الجزء الأول منها على صفحات «صباح الخير» فى العدد الماضي،، وفى هذا العدد ننشر الجزء الثانى منها، وقد صوّر كاتبنا فى قصته أزمة «على» الموظف الذى أوشكت تجارته أن تتعرض للإفلاس، وكادت أسرته أن تعانى ويلات الفقر، واحتدام أزمته النفسية والأخلاقية والمادية فطاوعته أفكاره الشريرة لتدبير جريمة، فحاول إقناع الممرضة بحجب الدواء عن عمته الثرية لمدة دقيقة! فقد تفارق الحياة ليحصل على إرثه!، لكن الممرضة أبت عليه ذلك، فاختلس مالا من رواتب زملائه وعندما عاد إلى بيته فوجئ بابنته تخبره بوفاة عمته ومفاجآت أخرى تحملها السطور القادمة.
فالتفت مذعورا فرأى زوزو واقفة على سلم السيارة، ووجهها الجميل قريب منه، وكانت تمسك بحقيبتها فى يد وتعالج بالأخرى الباب لتدخل إلى أبيها مسرورة، فمنعها بيده وسألها بسرعة ولهجة جافة:
- لم أنت هنا؟
- أنا آتية من البيت حيث كنت أتناول غدائى وذاهبة إلى المدرسة.
- حسن.. حسن هيا إلى المدرسة بسرعة لئلا تتأخرى.
انتظر عندى لك خبر سار، هل تشترى لى شيكولاته نسلة إذا قلت لك؟
- ليس الآن.. هيا.. هيا
- عمتى.
- فجمد لسانه فى فمه ونظر إليها نظرة غريبة.
ففرحت البنت لأنها لفتت انتباهه إليها وقالت:
- ماتت.
- ماتت عمتك!
فرت هذه العبارة من فمه فى صراخ مدو، فازداد فرح الفتاة وقالت:
نعم.. هذا ما قالته لى حميدة «الخادمة» لما سألتها عن تغيب ماما على غير عادتها.
وصرف زوزو بعد أن وعدها خيرا وأمر السائق وهو يلهث بالذهاب إلى المدرسة، نعم إلى المدرسة ليسلم بدوره الأمانة إلى مستحقيها، لقد أتاه الفرج دفعة واحدة، لقد أنقذ بعد أن تدلى جسمه فى الهاوية، أُنقذ من الإفلاس والخراب والسرقة والجريمة والسجن، رباه! إنه لم يقدر هذا ولم يحلم به أبدا، وما كان فى مكنة مخلوق مهما رسخ إيمانه أن يقدر هذه النهاية أو يحلم بها فالحمد لله. الحمد لله.
وانصرف من المدرسة سريعا قاصدا بيت «المرحومة» ووجده كما تعود أن يراه ساكنا لا صوت ولا نحيب، فطرق الباب ثم دخل وقابلته الممرضة وكانت محافظة- برغم كل شىء- على هدوئها، وقد سألته منكرة:
- أجئت مرة أخرى؟
فنظر إليها دهشا وقال:
- ما أغرب سؤالك.. ألست على كل حال ابن أخيها!
واجتاز بها مسرعا إلى حجرة المتوفاة فرآها مستلقية على ظهرها ورأسها مائل نحوه، مفتحة العينين بل رآها- وهو الأدهى- تنتصب قاعدة وتشير إليه بيدها الضعيفة مهددة وتصيح فى وجهه؟:
كيف تجرؤ؟ كيف تتجاسر؟ ألم أطردك طردا.. أغرب عن وجهى.
والظاهر أن المرأة تأثرت من الغضب الذى تملكها فجأة فسقطت على المخدة من الإعياء والجهد وصدرها يرتفع وينخفض، ووقف أمامها مبهوتا جامدا كالتمثال، ذاهلا لا يستطيع كلاما ولا حركة كأنه ينظر إلى شبح مرعب لا إلى امرأة عجوز منهوكة القوى، وما أحس إلا بيد الممرضة تسحبه إلى الخارج فاستسلم لها طائعا وغادر البيت دون أن ينبس ببنت شفة.
وقطع الطريق إلى بيته والذهول مسدول عليه، وكان البيت يخيم عليه السكون- كعادته- إذ الأولاد فى المدرسة فظنت زوجه لأول وهلة أنه آيب من مكان عمله كعادته اليومية، ولكنها ما لبثت أن طالعت ما يكسو وجهه من آيات التجهم والذهول فتملكها الروع والذعر، وظنت أن ما تشفق من حدوثه وترجو الله أناء الليل وأطراف النهار دفعه قد وقع، وفزعت إلى سؤاله وهى أكره ما تكون للسؤال:
- ما بالك؟
فسألها بدوره بامتعاض:
- أين زوزو؟
- لعلها فى الطريق إلى البيت.
فصاح بغضب:
- هذه الطفلة الشريرة!
- زوزو شريرة؟
- قابلتنى فى الطريق منذ ساعتين وكذبت علىَّ الشيطانة قائلة إن عمتى ماتت.
فضربت المرأة صدرها بيدها وقالت بدهشة:
- كيف تجرؤ؟ من أين لها هذا الكذب؟
هذا أمر عجيب.. بل إنه أعجب شىء أسمعه فى حياتى..
لعل البنت وهى تسمعنا دائما نتمنى على الله موت عمتك- أرادت..»
ولم تتم حديثها إذ دق الباب ودخلت زوزو، وما إن رأت والدها حتى رمت حقيبتها، وجرت نحوه ضاحكة وقفزت إلى حجره وأحاطت بيدها عنقه ثم قالت وهى لا تسكت من الضحك:
- هل اشتريت لى الشيكولاتة كما وعدت؟
فنزع يدها الصغيرة عن رقبته بشىء من العنف، وحدجها بنظرة قاسية ثم سألها بخشونة وهو يدفعها عن حجره:
- كيف تكذبين علىَّ؟
فقالت وهى لا تكف عن الضحك، وإن بدأت تدرك صعوبة الاستيلاء على الشيكولاتة:
- فى أى يوم نحن؟
- إنى أسألك كيف تكذبين علىَّ؟
- اليوم أول أبريل، وقد علمت أنه يجب على الناس أن يكذبوا فيه، وهكذا قالت لى بثينة، وقد سألت «أبلة» فأمنت على ما قالت بثينة، ولكنها نبهت علىَّ أن أختار كذبة سارة كى لا أؤذى أحدا.. وقد اخترت لك أحسن كذبة!»
فقطب وجهه وقال لها بشدة:
لعنة الله عليك وعلى أول أبريل، هل يصدق الناس طول العام كى يلهوا بالكذب فى أول أبريل»
وهنا فقط أدركت زوزو أنها أخطأت وأن والدها غاضب عليها حقا، وأنها فقدت كل الأمل فى الشيكولاتة، فكفت عن الضحك وعلا محياها الارتباك، واحمرت وجنتاها من الخجل، ونظرت إلى أمها تستغيث بها، أما أبوها فقد قام متثاقلا ودلف إلى حجرته حزينا مكتئبا ينوء بالهم والفكر ولحقت به زوجه وانتبذت ركنا من الحجرة فى صمت ووجوم، ووقفت ترمقه بعينين كئيبتين وقلبها يحدثها بدنو شر مستطير ولكنها لم تجرؤ على تمزيق هذا الصمت الغليظ، انتهى الأمر وخابت المحاولة الأخيرة وآذن الخراب بالوقوع.
هل ينتحر ويضع حدا لهذه الحياة القلقة المنغصة؟
لقد اضطرب عقله بهذه الفكرة الهائلة لحظة ولكنه تغلب عليها وفندها قائلا لنفسه:
«إذا انتحرت فمن للأولاد؟» ولم يجد أمامه سوى الاستسلام والنزول عند حكم المقادير وظل الصمت مخيما يزهق النفوس، والمرأة واقفة حيث هى،  وهو قاعد على الكنبة مسندا رأسه إلى كفيه، وقد ظهر رأس زوزو من الباب لحظة، ولاحت عيناها تدوران بين والديها، ثم ارتدت مسرعة فارة مضطربة.
ولبثا على حالهما لا يشعران بفوات الوقت حتى تيقظا فجأة على طرق الباب ووصلت إلى مسمعيهما أصوات الأولاد، وهم يدخلون واحدا واحدا يتقدمهم ضجيجهم وجلبتهم، وقد دبت الحياة فى البيت، وتحول فى ثانية إلى سوق، علا صياح من هنا وصراخ من هناك وسمعت أصواتا تنادى وأخرى تسب وتلعن وثالثة تنشد بعض الأناشيد المدرسية ورابعة تسأل عن ماما وبابا، ثم طرق الباب مرة أخرى بعنف ودخل شخص ما، وساد صمت عجيب، ترى من القادم؟! لقد دق قلب الرجل بعنف واعتدل فى جلسته وعيناه تتساءلان، ونظر إلى الباب كأنه يتوقع سقوط صاعقة، ورأى حسين  يدخل مسرعا وسمعه يقول باضطراب:
بابا.. يقولون إن عمتى توفيت.
فقام الرجل كالمجنون وحدج ابنه بنظرة هائلة.
فقال الابن:
حضرت الممرضة الآن حاملة هذا الخبر وها هى ذى واقفة تسأل عنك.. تفضلى إلى هنا يا سيدتى.
••
فى ساعة متأخرة من ليل ذاك اليوم- يوم أول أبريل- جلس على أفندى إلى جانب زوجه وكانت لا تزال فى ثوب الحداد وقد آوى الأبناء إلى الفراش وخيم السكون على البيت، كانت المرأة صامتة ولكن كان وجهها راضيا مطمئنا وبالها مستريحا فقد ولى عنها الذعر الذى لازمها أياما خالتها دهرا طويلا.
وكان على أفندى يشعر شعور إنسان خطا قدما بغير وعى،  وإذا به يرى صاعقة تنقض على المكان الذى كان يشغل، قد كان السجن والرفت والدمار منه قاب قوسين أو أدنى،  وها هو ذا يطمئن إلى مجلسه بين أسرته آمنا بمنجاة من كل دمار، يستقبل من الغد حياة رغدة مترفة، فكم بالحياة من معجزات!
وعلى الرغم من كل هذا لم يكن سعيدا تمام السعادة ولم يصف ذهنه كل الصفاء واستمر فى تأملات عميقة، لقد عاش طول عمره حياة راكدة راتبة أما الساعات القلائل الأخيرة فقد ابتلى فيها بما لم يبتل به فى عمره الطويل المديد إذ أثارت نفسه عقله وجعلت من بحيرة نفسه الآسنة محيطا مضطربا عاصفا.
لقد خلصه الله من العذاب، ولكن هل يستحق الخلاص وهو الآثم الشرير الذى هم أن يقارف السرقة والقتل؟ ثم عمته المرحومة إنه يدرك حالتها الآن بغير العقل الذى كان يصورها له ويعطف عليها بعد أن أمسى عطفه وقسوته لديها سببين، فقد عاشت بائسة حزينة تجتر الهموم والآلام، وكانت حياتها فرضا ثقيلا عليها وعلى الآخرين، نعم كانت قاسية شديدة، فوق كل احتمال ومع هذا فكيف كان يمكن أن تكون غير ما كانت؟ ومن يخلو من جانب بل من جوانب كريهة؟
أليس هو فى أعماقه قاتلا سارقاً مدلسا؟، وما هو إلا صورة تتكاثر وتتعدد فتكون عالم الناس، ومع هذا فلا يجوز أن ينسى أن هذا الشر غالبا ما ينكشف عن ضعف وجهل وبؤس كما انكشف شذوذ عمته عن ترمل وثكل، وكما ينكشف عن تخبطه وسوء نواياه عن محبة فائقة لأبنائه الأبرياء.
وقد أذن الله فعالج الشر والبؤس برحمته والرحمة أسمى حلم فى الوجود، ولكنه لا يستطيع أن ينسى أيضا أنها سبقت هنا بكذبة ابنته وموت عمته، فكيف يكون الموت والكذب من ممهدات الرحمة؟
حقا.. إنه مهما ادعى التأمل فسيبقى أمامه ما يُعجز عقله ويربكه، وإذا كان أمر الدنيا على هذا النحو فلن يمنع الدمع الذى تبعثه مآسيها إلى العين الابتسام من اعتلاء الشفتين، ولقد ضاق صدره وأرقه السهاد فهتف من أعماقه:
- من لى بزوزو الآن؟ فإن ابتسامتها العذبة، ونظراتها الطاهرة ويدها الصغيرة لحقيقة بأن تصرف عنى أفكار هذا الليل وتسكب فى قلبى الطمأنينة والسلام.•



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

موسـكو

للروس تاريخ طويل وممتد مع مصر. فالدولتان تتشابهان كثيرا فى التاريخ الممتد لآلاف السنين. ولهما حضارات قديمة وقوة ناعمة لها تأثي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook