صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

لوحات سيد سعد الدين.. الصاعدة إلى السماء

67 مشاهدة

10 اكتوبر 2018
كتب : ايمان عثمان



ربما يحتاجُ الأمر أكثر من الحب أحيانًا، الشجاعة أو أن يلقى بك الحظ فى قلب من تحب وما تحب.. فجأة وعلى غير موعد.. وهناك ممن نحب ما لا نحاول المساس به، من فرط القداسة التى تمنحه المحبة. ولا تخطر لنا اللقاءات معهم على بال!.

سيد سعد الدين، فنان مصرى، وعالمى. غنى عن التعريف. تفوق شهرته بر مصر منذ أن بدأ رحلته الفنية شابًا.. صغيرًا آتيًا من بعيد، هو.. من مصر الرحيبة زمنًا وأمكنة. يحمل موهبةً فذة، وذاكرة حضارة أصيلة، وبقلبه يعرف الله.
شاب فى عمر السابعة عشرة يترك دراسته للهندسة ويجئ للقاهرة وحيدًا يبحث عن باب ليطل منه على أحلامه فى الفن، على المدى المفتوح الممتد فى روحه. لا يعرف أحدًا.. فقط يعرف من هو وما يريد، محض مصادفة القت بمجلة بناء الوطن بين يديه ذات يوم، بعدما يئس من محاولات الالتحاق بأىٍ من كليات الفنون. ليتعرف من المجلة وعبر لوحة للفنان سيد عبدالرسول إلى معهد دافنشى. يمنحه معهد دافنشى منحة دراسية فى سابقة هى الأولى من نوعها. وبعد تفوقه فى الدراسة يكون أول مصرى يلتحق بهيئة تدريس ذلك المعهد. يحقق إنجازًا تلو الآخر لتمنحه العائلة بركتها ورضاها بعدما شهد الجميع بنبوغه الفنى. فقد حصل على الجائزة الأولى بمعرض ميلانو الدولى عام ١٩٦٧. ثم توالت الجوائز والمعارض الناجحة، إلى أن سجل فى موسوعة كمبريدج العالمية كفنان مصرى متميز عام ١٩٩٠. سيرته العملية مفعمة بالإنجاز والعطاء والتقدير.
 لقاؤه يسرّ الخاطر، ويثلج الصدر، ويقربك من الخير. إنسان فى غاية الوداعة واللطف، روحه الشفافة الرقيقة سابحة فى ملكوت الله، راحلة أبدًا، بين سماوات الجمال والجلال. يجئ  بثقل وهدوء لزمن متحرك وحركة متسارعة، فيمنحهما سكونًا وهدأة.. ويمتد بعيدًا من حيث جاء، من الأبدية.
سيد سعد الدين، أستاذ الفنون التشكيلية بالمعهد العالى الإيطالى. المصرى الآتى من مملكة الجنوب، والمحمل بكل أسرار المعبد المقدس. فهو ملمّ بمعارف الفنون والعلوم المصرية القديمة، علوم الهندسة والرياضيات التى منحت تكويناته دقة لا تكاد تخطئ، وفنون الإيقاع والحركة، الرقص والموسيقى.. معرفة بالغريزة، بالإرث، بالقسمة والنصيب.
من مفهوم الفن فى الحضارة المصرية القديمة، إنه محتوى الخلاصة، سواء مظاهر للحياة اليومية أو الجوهر. فالفن بديل العدم، والفن حياة. والفن فى مصر القديمة يتبع الكهنة. كغيره من علوم الفلك والزراعة وما يتصل بالكون كذلك العمارة التى قصد بها ضمان الخلود وعبور الأزمنة. فكيف إذن حصل على خزائن أسرار العلوم المقدسة، قديسًا مسافرًا فى الزمان، فى المعنى، تتجاوز تأملاته حدود الزمن. فتأتى لوحاته كنافذة، كجسرٍ نعبر به إلى الأفق البعيد.
ولأكتب هذا الحوار عدتُ أتأملُ لوحاته التى أعرفها جيدًا. عوالمه الرائقة الساكنة ولاّدة المعنى. لألتقى بأكوان تحظى بقوانين فنية ناضجة وروحية عميقة. فى وقار أشبه بطقوس اليوجا يصل من خلالها المتأمل لمشاعر تشبه العبادة.. عالم جميل دال على الجميل الأول والفنان الأول.
لوحات يومية
كل شىء فى عالمه مقدس، يجرد زمنه المؤقت، فى لحظة لقاء بالأبدية، يضفى عليه قداسة خاصة.  يحول المشهد اليومى والعادى والمعاش إلى مشهد متعلق بالنظرة الكونية وممتلئ بالحضور الإنسانى. مما يبعث شعورًا بالسلام وقد تبدأ فى السفر معها متحررًا تمامًا من قيود المكان والزمان. إنه التطهر المستمر الذى يسمو بالإنسان فى نظرة تحرر روحه وترفعه للرحابة الكونية. فى لوحات نشر الغسيل، والتحطيب، والصيادين، بائع الفول، مشاهد السوق، والسباق، وعمال النظافة.. وغيرها من مشاهد الحياة اليومية التى انتقلت بتأملاته وصلواته إلى هذا التجرد والسكون.. قد تمتلئ اللوحات بالحركة ولكن فى سكون. وتمتلئ كذلك بالصمت ولكنه صمتٌ مثير لأسئلة مستمرة، وصبورة فى انتظارها.
كذلك بيوته، بيوت من الطمي  بسيطة إلى حد بعيد، لا يتغير شكلها لاهتمام المصرى ببيت الأبدية أكثر، بيوت مصرية يسودها صمت عميق ذو جلال. ولكنه صمت محرض على الإنصات لأصوات كانت تشغل وتملأ الحياة. رحلاته الدائمة فى لوحاته يصحبه فيها شراع فى أغلب الأحيان، فهو ابن للنهر، بدأ الرحلة مع الدفقة الأولى، النهر الآتى من الأبدية والذاهب إليها أيضًا.. بمراكب للشمس تسبح فى مياه الحقيقة، والقداسة.. تمتد أشرعته كالأعمدة وترتفع للسماء. وقد تشبه الأبواب الهائلة خصوصًا فى لوحات الرثاء، كأنها أبواب السماء التى فتحت فجأة أو أنها أبواب للجنة. كذلك أشجار نخيله الباسقة المرتفعة فى كبرياءٍ وزهد، دائمة المناجاة، حتى شخوصه ممشوقى القوام مرتفعين فى سموٍ لسماءٍ قريبة، الكل فى طريق رحلة الخلود.
ويدهشنا برحيله فى كثير من تلك الرحلات المقدسة والصلوات، بوسيلة مصرية أيضًا، الحمار الذى يقدس العمل، يعمل فى دأب وينتظر مخلصًا فى صمت.
أسأله عن ممارسته للرقص أو العزف، يجيب مبتسمًا فى بساطة ونافيًا! فيتضاعف اندهاشى من دقة ورقة تجسيده للحركة الراقصة لفتيات الطوق، ونط الحبل والحجلة، والراقصات.. من أين يأتى بكل الخفة والنعومة وانسجام النغم.. الكل يسبَح فى تناغم ويسبّح!.
دوائره ورموزه
ربما لا تخلو لوحة له من الدائرة، كرمز للشمس أو القمر أو انعكاس لظل أو فلك يدور فيه بطل اللوحة. الدائرة كرمز للكون، للوجود المكتمل. وفى الكتابة الهيروغليفية تصور الشمس بدائرة تتوسطها نقطة ، إنها العنصر الحاضر فى حياة البشر. كذلك يرمز لحتحور إلهة الحب والخصوبة والنماء، الروح الحية للأشجار، يرمز لتاجها بقرص شمس محاط بقرنى بقرة. والدائرة رمز صوفى  يحمل دلالات ومعارف كثيرة. وإن كان قد أعلن عن مجموعته مواكب الصوفية، إلا أنه احتفظ بكثير من الأسرار عن هذا العالم.
 قد نتساءل عن مصدر الضوء فى لوحاته كثيرًا.. أهى الشمس أم القمر أم ماذا.. وعندما رأيته، وجدت النور ينسكب من عينيه، ويفيض على عالمه إشراقًا متجددًا.. أنظر وأستمع لحديثه الهادئ  ، وأراه بقلبى  يفتح نوافذه كل نهار ليطير مع طيور الصباح تلك التى تملأ لوحاته.. رجل له كل هذا القدر من النور، يحيا أجواءً  صوفية فى غير جهد.. مطمئنًا وصادقًا إلى الحد الذى ملأ عالمه بالسكون، وملأ لوحاته بالحقيقة. لا يرحل عنه الشجن، حزنه الأبيض الشفيف الذى يتجلى فى لوحات الرثاء لا يكاد ينقطع. حتى ابتساماته المستمرة تملأها الدموع، الحمد لله الذى حوّل ألمه البالغ لفراق أميرته الصغيرة إلى لوحات كالصلاة الدائمة. •



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

موسـكو

للروس تاريخ طويل وممتد مع مصر. فالدولتان تتشابهان كثيرا فى التاريخ الممتد لآلاف السنين. ولهما حضارات قديمة وقوة ناعمة لها تأثي..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook