صباح الخير

sabahelkheir56@yahoo.com

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
طارق رضوان

بـحـث

أهم الأخبار

الأخبار

بالفكر والأدب والفن غَيِّروا العالم

209 مشاهدة

4 اكتوبر 2018
كتب : د. عزة بدر



بالفكر والأدب والفن استطاع مفكرونا وأدباؤنا وشعراؤنا وفنانونا صناعة النهضة المصرية الحديثة.. انتموا لمصر وللنيل الخالد وحضارته العظيمة التى أخصبت حركة الفكر والتاريخ والحضارة عبر العصور فاستطاعوا بالثقافة، بتلك القوة الناعمة أن يغيِّروا فى المجتمع والناس بل استطاعوا أن يجذبوا إليهم أنظار العالم ويحصلوا باسم مصر على أعلى الأوسمة، وأسمى التقدير نجيب محفوظ، وطه حسين، وأحمد شوقى،  وحافظ إبراهيم، وأم كلثوم، وعبدالوهاب شخصيات لها حضور مؤثر، تألقوا وعَبَّروا عن الروح المصرية الصميمة.

 ربما لا يتسع المجال فى هذه المقالة أو فى هذه الإطلالة لجميع من أثروا الحياة الثقافية والفكرية والفنية فى مصر ولكننى أرجو أن تكون إطلالة تحمل عبير الزهرة فَوَّاحا كناية عن كل الزهور، وتُقطِّر العديد من الإسهامات فى نماذج دالة لا تنفى عطاء الآخرين وإنما تؤكده بتمثل عبقرية الوطن وعبقرية الإنسان المصرى، وروح الإبداع الخالدة فيه.
نجيب محفوظ
أدبه الإنسانى، وطابعه المصرى هما اللذان دفعا به إلى العالمية. مواطننا نجيب محفوظ هو أرفع وسام لقوة مصر الناعمة، وثقافتها التى اجتذبت العالم عبر العصور. وقد تهيأت لأديبنا المهاد الأولى الخصبة والمنابع الثرة التى أثرت فى وجدانه، وأغنت أدبه بروافد مصرية الهوية أصيلة الانتماء. وقد جذب نجيب محفوظ جمهورًا عريضًا لفن الرواية معبرًا عن قضايا مجتمعه، وأزماته الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. وقد اعتنق نجيب محفوظ المنهج الحر فى التفكير ذلك الذى غرس شعلته جيل الرواد وقد ذهب محفوظ عميقًا فى تحليل كتاباتهم ورؤاهم، ومنهم طه حسين، والعقاد، وسلامة موسى.
ويسجل محفوظ ذلك فى إحدى مقالاته فيقول: «قد جمعت بينهم ثورة تحريرية تركزت عند طه حسين فى التفكير الأدبى، وعند العقاد فى التفكير السياسى والأدبى، وعند سلامة موسى فى التفكير العلمى والاجتماعى».
والاتجاه الفكرى والتيار الثقافى الذى انتمى إليه محفوظ هو الحرية الفكرية والانتماء إلى المصرية. وهى الطابع الذى ميز أعماله فعبرت عن مواطنيه، وقد كان محفوظ فى جيله، وحتى الآن نموذجًا للانتماء بالمعنى الإنسانى الأشمل، فقد كان منتميًا إلى الحرية والاستقلال والسيادة والعدل والديمقراطية كما انتمى إلى مصر، والثقافة العربية، والفكر المستنير والمستقبل. وقد أمدته دراسته للفلسفة بالتعمق فى دواخل شخصياته واجتلاء أزماتهم الروحية، والتركيز على الصراع الداخلى للشخصيات. كتب نجيب محفوظ ستًا وثلاثين رواية ونحو خمس عشرة مجموعة قصصية، ومقالات ولكن إنجازه الأعظم تمثل فى الرواية فكتب الرواية التاريخية فقد كان عاشقًا للحضارة المصرية القديمة ونشرت له مجلة المجلة الجديدة لصاحبها سلامة موسى رواية «عبث الأقدار» فى عدد كامل من أعداد المجلة، عدد سبتمبر عام 1939، وأبدع فى مجال الرواية التاريخية فكتب أيضا رواية «رادوبيس» عام 1943 «وكفاح طيبة» عام 1944.
وتعد روايته «الثلاثية» «بين القصرين، و«قصر الشوق» و«السكرية»، رواية أجيال تتبع فيها حال أسرة مصرية من الحرب العالمية الأولى حتى ثورة 1952، وتعد صورة واقعية نابضة بالحياة والتفاصيل للناس فى القاهرة عبر ثلاثة أجيال، وقد ارتسمت شخصياته فيها فى مخيلة الناس وفى ذاكرتهم وتجسدت فى حياتهم اليومية، كما لو كانت ولدت وعاشت وعانت وتطورت بينهم، وصارت تلك الشخصيات رمزًا دالاً على ما يشابهها فى المجتمع فإذا استدعتها الذاكرة حضرت بكل ما لها من تأثير وحضور مثل شخصية السيد عبدالجواد «سى السيد» فى الثلاثية، و«أمينة» زوجته فياضة الأمومة ليعبرا عن وضع اجتماعى لحال الرجل والمرأة والأسرة المصرية فى تلك الحقبة التاريخية كنماذج إنسانية فردانية لكنها معبرة عن كثيرين. وقد تدفق إنتاج محفوظ الروائى محققًا الهوية الأدبية فلم يمل النقاد نسبته لأى مدرسة فنية، فنجيب محفوظ نفسه كأى كاتب كبير يحمل فى جعبته أكثر من اتجاه «أحمد عباس صالح: صحيفة الأديب المصرى، يناير 1950».
وفى أعمال محفوظ يتجذر المعنى السياسى ونقد السلطة ونقد المجتمع السلبى والصامت كما تجلى فى رواياته، ومجموعاته القصصية مثل «تحت المظلة»، و«شهر العسل»، و«حكاية بلا بداية ولا نهاية». «حمدى السكوت: قاموس الأدب العربى الحديث، 2007».
وقد أثارت روايته «أولاد حارتنا» جدلاً فى مصر والعالم العربى وكانت قد نشرت مسلسلة فى جريدة «الأهرام» بتاريخ 21 سبتمبر 1950 حتى 25 ديسمبر من العام نفسه ثم توقف النشر، لكنها ظهرت كاملة بعد ذلك فى طبعة دار الآداب البيروتية عام 1967، ثم أعيد نشرها فى مصر فى دار الشروق 2006.
وقد تعرض بسببها محفوظ لحملات نقد عنيفة حينذاك، على الرغم من طرائقها الفنية، ونهجه الفلسفى فيها، ورموزها التى تستدعى التفكير والتأمل.
وكان أديبنا الكبير قد تعرض لمحاولة لاغتياله عام 1994، وترك ذلك أثرًا فى يده اليمنى منعته من الكتابة، لكنه استطاع أن يختط لنفسه أسلوبًا فذًا جديدًا مختصرًا ومكثفًا يعبر فيه فى عدد بسيط من الكلمات عن معان وقيم كبيرة راقية، وبدت مقطوعاته ذات سمات شعرية وفلسفية تبدت فيها حكمة الحياة مقطرة كما تبدى ذلك فى كتابه «أصداء السيرة الذاتية» الصادر عام 1995، وكتابه «أحلام فترة النقاهة» الصادر عام 2004.
لقد حصل نجيب محفوظ على قلادة النيل فى نوفمبر 1988، وحصل على جائزة نوبل فى العام فكان أول روائى مصرى عربى يحصل عليها عن مجمل أعماله تلك التى خلدت نفسها فى قلوب قرائه، وعاشقى فنه، وقد وصلت أعماله أيضًا إلى العامة نفسه من خلال فن السينما إذ تحولت رواياته إلى أفلام شهيرة مثل «ميرامار» و«بداية ونهاية» و«زقاق المدق»، و«السمان والخريف» و«الثلاثية» وغيرها. وسيبقى نهر محفوظ خصبًا، يشهد له تاريخ الأدب بالتدفق، والتميز وتصوير الروح المصرية الصميمة، بصدق ورهافة فاستحق حب مواطنيه، وتصدر قائمة القوى الناعمة المصرية فى العصر الحديث.
طه حسين عميد الأدب العربى
أهم ما يميز الملامح الفكرية لطه حسين هو التجديد، وإعمال العقل، وتحرير الفكر، والثورة على الجمود، والجرأة فى تناول الأمور. وطه حسين علامة ثقافية كبرى فى تاريخ الأدب العربى، وتعد كتاباته علامات مهمة فى التاريخ والأدب والنقد.
وقد تهيأت له أسباب ذلك فقد درس فى الأزهر ثم انتقل إلى الدراسة بالجامعة الأهلية «جامعة القاهرة الآن» عام 1908، وحصل عام 1914 على عالمية الجامعة وكان أول خريج للجامعة وكان بحثه عن «تاريخ أبى العلاء المعرى» وقد سافر إلى فرنسا فى نوفمبر 1914 لدراسة العلوم التاريخية، كما قدم هناك رسالة للدكتوراه عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية بإشراف عالم الاجتماع الشهير «دور كايم» والمستشرق «كازانوفا» وحصل على الدكتوراه عام 1919 وعُين أستاذًا للتاريخ القديم فى الجامعة ثم أستاذًا لتاريخ الأدب العربى. «حمدى السكوت: قاموس الأدب العربى الحديث».
والحرية الفكرية التى ميزت نتاجه الأدبى تمثلت فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» الذى أثار ضجة واسعة لأنه شكك فى وجود الشعر الجاهلى على نحو رأى فيه المحافظون مساسًا ببعض المقدسات، وتم التحقيق معه واستدعاه رئيس نيابة مصر، حين ذاك لكنه حفظ التحقيق لأنه كان محققًا مثقفًا، وقد توالت أعمال طه حسين الفكرية ومنها كتاب «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى طرح فيه رؤية متقدمة فى مجال التربية والتعليم، واقترح إلزام المدارس الأجنبية فى مصر بتدريس اللغة العربية والدين وجغرافية مصر وتاريخها بنفس القدر الذى تدرس به فى مدارس الدولة.
كما أن له فى مجال التاريخ كتابيه: «الفتنة الكبرى» عثمان جزء (1)، وعلى وبنوه جزء (2) عام (1953)، والشيخان (1960) ويعد الكتابان إسهامًا بارزًا فى كتابة التاريخ العربى إذ يجعل من قراءتهما متعة ويثير الإحساس بالسببية فى نفس القارئ، كما تعد دراسته عن «ذكرى أبى العلاء» 1915 ونُشر فى الطبعات اللاحقة بعنوان: «تجديد ذكرى أبو العلاء» وتكمن أهمية هذا الكتاب فى أنه يشكل أول ترجمة عصرية ومتعمقة لشاعر تراثى كبير. فتشيع فيه ألوان من التحليل الكاشف والتعليل المقنع وكان هذا جديدا على القارئ العربى حينذاك، كذلك قرأ طه حسين الشعر القديم وقدمه بمنهج عصرى وعلمى للقارئ المعاصر فأسهم بذلك فى خدمة التراث الأدبى القديم إسهاما ربما لم يتح لأحد من مجايليه، ولا من الأجيال اللاحقة كما يذكر د.حمدى السكوت فى مدخله الخاص بطه حسين فى «قاموس الأدب العربى الحديث». بل إن كتاب «الأيام» لطه حسين قد أصبح علامة زمنية فى تاريخ الأدب العربى بل هو فى تاريخ فن السرد لدى العرب لحظة تأسيسية لجنس السيرة الذاتية كما يقول شكرى المبخوت فى كتابه «سيرة الغائب.. سيرة الآتى.. السيرة الذاتية فى كتاب الأيام لطه حسين»، ويضيف: «أن تقرأ عند طه حسين هو أن تفعل فى التاريخ لذلك لم يقم فى سيرته الذاتية بالتعبير عن حياته الشخصية ولم يكتف بتفسيرها بل كان المطلوب عنده تغيير ما بالنفوس والعقول والمجتمع فلم يتساءل على عادة كتاب السيرة من أكون؟ بل خاطب القارئ «مثلى يجب أن تكون»- وهى رؤية يصفها شكرى المبخوت: إنها دعوة للبحث عن الإنسان المنشود: إنسان العقل والعلم والإرادة القوية.
لقد كان طه حسين جريئا فى أطروحاته فطالب بتجديد الخطاب الدينى،والثقافى بصفة عامة وتداول مع معاصريه كيفية التحديث والتجديد فى كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر». ومقالاته النقدية المهمة ومنها ما كتبه تحت عنوان «شعر ونثر» فى الرد على محمد حسين هيكل ونشر بجريدة السياسة الأسبوعية.
«السبب الحقيقى لجمود الشعر العربى فى هذا العصر هو أن شعراءنا جامدون فى شعرهم فليس من الحق فى شىء أن الشعر خيال صرف، وليس من الحق فى شىء أن الملكات الإنسانية تستطيع أن تتمايز وتتنامى فيمضى العقل فى ناحية لينتج العلم والفلسفة، ويمضى الخيال فى ناحية لينتج الشعر وإنما حياة الملكات الإنسانية الفردية كحياة الجماعة رهينة بالتعاون ومضطرة إلى الفشل والإخفاق إذا لم يؤيد بعضها بعضا، ويضيف أن الشعراء الأمويين يعلمون حظ عصرهم من العلم، وأبونواس كان يشارك المتكلمين فى مقالاتهم ويأخذ بحظ موفور والمتنبى وأبو العلاء المعرى كانا أصحاب عقل وفلسفة.
إبراهيم عبدالعزيز: «نصوص نادرة من تراث النهضة للزهاوى مع هيكل وطه حسين والعقاد». ومن مؤلفات طه حسين المهمة روايته «دعاء الكروان» التى تحولت إلى فيلم سينمائى شهير. وقد كان طه حسين أول من حصل على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1958، وحصل على قلادة النيل، أما خارج مصر فقد حصل على وسام «ليجون دونير» من فرنسا، كما منح الدكتوراة الفخرية من جامعات كثيرة من بينها أكسفورد ومدريد وليون، ومونبلييه وروما، وأهدته هيئة الأمم المتحدة جائزة حقوق الإنسان. وقد تحول منزله إلى متحف وأطلق اسمه على الشارع الذى سكنه، وعلى شارع آخر فى الزمالك فى سنة 1975، وسيظل طه حسين نموذجا لإرادة منشودة، وثقافة عميقة ورمزا للحرية الفكرية وإعمال العقل والثورة على كل جمود.
أمير الشعراء أحمد شوقى
تمتع بموهبة شعرية فذة، وتوافرت له ثقافة عريضة فاتصل بالآداب الشرقية كما اتصل بالآداب الغربية فقد سافر إلى فرنسا لدراسة الحقوق بعد أن أوفده خديوى مصر، فالتحق شوقى بجامعة مونبلييه ثم انتقل منها إلى جامعة باريس، وهناك تأثر بالأدب الفرنسى فقرأ أشعار لافونتين، ولامارتين، وفيكتور هوجو، وعشق المسرح الكلاسيكى لكل من راسين وكورنى.
لكن أصبح له نهجه الشعرى الخاص الذى تأثر بأصالة الشعر العربى فبلغ قمة الشعر الغنائى بحسن صياغته، وقدرته الشعرية الفائقة، وهو أول شاعر عربى كبير وضع مسرحيات شعرية مثلت على مسارح مصر والشرق العربى.
وقد ضم ديوانه «الشوقيات» إبداعه الشعرى «وهو مكون من أربعة أجزاء، وله من المؤلفات عدة مسرحيات شعرية منها: «مصرع كليوباترة 1929» و«مجنون ليلى1931» و«عنترة» 1932، و«على بك الكبير» 1932، و«الست هدى» 1932 ومسرحية نثرية بعنوان: «أميرة الأندلس» 1932، وقد بويع أحمد شوقى بإمارة الشعر العربى من أدباء العربية، وقدموا آنذاك عام 1927 إلى مصر «شعراء من المحيط إلى الخليج»، ومنحوه لقب «أمير الشعراء» فى حفل تكريم لم يشهد له الوطن العربى نظيرا إلى اليوم، وكان الحفل قد أقيم بدار الأوبرا المصرية بمناسبة اختياره عضوا بمجلس الشيوخ، وإعادة طبع ديوانه «الشوقيات». وقد حضر الحفل الملك فؤاد الأول، وألقى فيه سعد زغلول كلمة عن شوقى،وألقى خليل مطران شاعر القطرين قصيدة، وكان الحفل بتاريخ يوم الجمعة 29 أبريل 1927 وقد أنشد حافظ إبراهيم شاعر النيل يقول:
«أمير القوافى قد أتيت مبايعا
وهذى وفود الشرق قد بايعت معى»
ولقد استمرت هذه الاحتفالات بتتويج أحمد شوقى أميرا للشعراء العرب ما يقرب من أسبوع كامل بدأت بحفل الأوبرا، وفى نفس اليوم حفلة بتياترو حديقة الأزبكية، ويوم السبت 30 أبريل 1927 بدار الجمعية الجغرافية، فألقى الأمير شكيب أرسلان قصيدة فى تتويج شوقى،وكذلك أنشد شاعر طرابلس عبدالحميد الرافعى، وكلمة عن شعراء البلجيك ألقاها فاندنبرج، وأقيمت حفلات بدار الجمعية الجغرافية وفى مساء اليوم نفسه كان احتفال فى كازينو الجزيرة ضم فكرى أباظة وحافظ عوض وخليل مطران، وتم الاحتفال أيضا فى قاعة الاقتصاد السياسى، وفى دار الموسيقى الشرقية واستمرت الحفلات إلى يوم 6 مايو 1927.
أحمد عبدالوهاب: «اثنا عشر عاما فى صحبة أمير الشعراء أحمد شوقى، 2012، «مكتبة الأسرة».
وقد حظى شوقى وشعره بدراسات عديدة فى مصر والعالم العربى كما حظى بدراسات لشعره فى العالم الغربى ومن أهمها ما كتبه المستشرق الفرنسى أنطوان بودو لاموت» ونشره المعهد الفرنسى للدراسات العربية بدمشق عام 1977، وأعادت طباعته مؤسسة البابطين بالكويت ضمن إصدارات الدورة العاشرة «دورة شوقى ولامارتين» والكتاب ترجمة د.محمود المقداد، وصدر الكتاب بعنوان «الإلهام وفن الشعر عند أمير الشعراء أحمد شوقى- وجهة نظر فرنسية». والكتاب يسهم فى تعريف الفرنسيين بأمير الشعراء العرب فى العصر الحديث، وقد حصل أنطوان على الدكتوراه عن شوقى بإشراف الفرنسى شارل بيلا، وقد اهتم انطوان بمصادر الإلهام عند شوقى ومنها النزعة الوطنية المصرية لشوقى التى تمجد التاريخ الرائع لوادى النيل، وقد أرخ للنزعة الفرعونية فى شعر شوقى خصوصا عام 1922، وألقى الضوء على قصائده الفرعونية وأهمها قصيدته «توت عنخ آمون» بعد اكتشاف مقبرة الفرعون وكان الشاعر وفيا لتصوره التاريخى إذ تغنى فيها بتاريخ مصر القديمة إذ يقول:
«أبوتنا وأعظمهم تراث
نحاذر أن يؤول لآخرينا»
كما أبرز فى دراسته قصائد شوقى الدينية مثل «نهج البردة»، و«ذكرى المولد النبوى الشريف»، هذا وقد أثرى شوقى الغناء العربى عندما غنت له كوكب الشرق قصائد قربت شعر الفصحى من رجل الشارع، ولتصبح قصائده أغنيات يشدو بها الناس جميعا، ومنها فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم «ولد الهدى فالكائنات ضياء/ وفم الزمان تبسم وثناء». كما تجلى شعر شوقى فى الدفاع عن القضايا الوطنية فكتب عن قضية «دنشواى»، وندد بالاحتلال الإنجليزى كما هاجم اللورد كرومر ووصف رحيله عن مصر بقوله:
«لما رحلت عن البلاد تشهدت
فكأنك الداء العياء رحيلا»
وقد تجلت مواقف أحمد شوقى وأشعاره الوطنية فتحوّل من شاعر القصر إلى شاعر الشعب، فقد أثرت أشعاره فى حركة المقاومة ضد الاحتلال، وقد تعرض للنفى فاختار أن يُنفى مع أسرته إلى الأندلس عام 1914، بعد أن أبعد الإنجليز الخديو عباس حلمى عن مصر لعداوته لهم، ووقف معه شوقى ضد الإنجليز»، وبعدها لم يعد شوقى أبدا إلى القصر، وصارت قصائده الوطنية ممثلة للعاطفة الوطنية المصرية، فتغنى الناس ببيته العبقرى:
«وطنى لو شُغلت بالخُلد عنه
نازعتنى إليه فى الخُلد نفسى».
كما تغنى أمير الشعراء بالنيل العظيم بقصيدة شهيرة ومنها:
«من أى عهد فى القرى تتدفق
وبأى كف فى المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم فجرت من
عليا الجنان جداول تترقرق»
ولقد خلد المثالون شوقى بالعديد من الأعمال الفنية، خلدوا ملامحه وجلسته كما خلدته أشعاره، ففى بيته «كرمة ابن هانئ» له تمثال، وفى حديقة الأوبرا المصرية له تمثال، بل فى حديقة الخالدين بروما له تمثال إلى جانب تماثيل عباقرة العالم بصفته شاعر الإنسانية والحضارة.
حافظ إبراهيم شاعر النيل
عبّرَ حافظ إبراهيم عن الروح المصرية الصميمة فعاش مع الناس وللناس فكان أكثر اتصالا بهم فى مجالسهم ومقاهيهم، وبساطة عيشهم فصوَّر فى أشعاره حياتهم وكانت له قصائد فى النقد الاجتماعى، ويرى طه حسين عميد الأدب العربى أن حافظ وشوقى أعظم المحدثين حظا فى إقامة مجدنا الحديث فى كتابه (حافظ وشوقي)
وقد اختلف حافظ إبراهيم إلى كثير من المجالس الأدبية والفنية التى أثرت فى توجهاته وفى أشعاره، فعرف فى هذه المجالس قاسم أمين، وإسماعيل صبرى، وعلى يوسف، وإبراهيم المويلحى وابنه محمد وقد أطلق عليه يوسف صاحب جريدة (المؤيد) شاعر على النيل، ونشر له العديد من قصائده، وشاعر النيل قد ولد على صفحة النيل فى دهبية أنيقة بالقرب من قناطر ديروط كان يملكها أحد الباشوات وقدمها إلى والد شاعرنا الذى كان أحد المهندسين المشرفين على القناطر، وعلى العناية بأرضه. وقد تفتحت عيناه على نيل مصر فتدفقت أشعاره فى حبها فهو القائل: (كم ذا يكابد عاشق ويلاقى / فى حب مصر كثيرة العشاق / إنى لأحمل فى هواها صبابة / يا مصر قد خرجت عن الأطواق)
أسهم بأشعاره فى الدفاع عن قضايا الوطن، وألقى أشعاره فى كل مكان فكان أقرب الشعراء إلى وجدان الناس، وتُعد المجالس التى كان يختلف إليها حافظ إبراهيم مدارس من أرقى المدارس، وكانت تطرح فيها المسائل العلمية والمعضلات السياسية، والمشكلات الاجتماعية وتُعرض فيها الحلول المختلفة وتُبسط فيها أدواء الأمم وكيف عولجت كما يقول أحمد أمين.
ومن هذا المورد العذب نهل حافظ وأصاب ألوانا من العلم والمعرفة فقد كان يلتقى فى مقهى (ماتتيا) بأدباء هذا العهد خليل مطران، وولى الدين يكن، كما اختلف إلى مجالس الطرب فعرف أشهر المطربين مثل عبده الحامولى، والتقى فى مجالس الظرفاء بإمام العبد ومحمد البابلى.
إلا أن هناك ثلاث شخصيات أثرت فى حياته وشعره فقد كان الشاعر محمود سامى البارودى رب السيف والقلم هو أستاذه وقدوته، وكان الإمام محمد عبده مؤثرا فى حياته وأشعاره فمدحه حافظ بقوله: (أنت علمتنا الرجوع إلى الحق / ورد الأمور للأسباب / ثم أشرقت فى (المنار)(علينا / بين نور الهدى ونور الصواب)
كما التقى بالزعيم الوطنى مصطفى كامل الذى نشر له قصيدته عن حادث دنشواى فى صحيفة (اللواء)، وأطلق عليه مصطفى كامل لقب (شاعر الوطنية) وقد أسهم حافظ بقصائده فى حركة المقاومة الوطنية ودافع عن مشاركة المرأة فى الحركة السياسية إبان ثورة 1919 بنونيته المشهورة وفيها سخرية لاذعة من جنود الاحتلال حين قاوموا مظاهرات النساء.. وأكبر حافظ دور المرأة المصرية فى النهوض بالوطن، وهو صاحب البيت الشعرى الشهير: (الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق) ودافع حافظ عن حقوق المرأة وكتب شعرا فى ذلك، كما كانت له نظرة وسطية معتدلة فى قضايا المرأة حينذاك فتراه يقول:
(ليست نساؤكم أثاث يُقتنى
فى الدور بين مخادع وطِباق
وتوسطوا فى الحالتين وأنصفوا
فالشر فى التقييد والإطلاق)
ويورد عبدالحميد سند الجندى قصائد أخرى لحافظ إبراهيم فى كتابه : (حافظ إبراهيم شاعر النيل) وردت فى الطبعة القديمة من ديوان حافظ يؤيد فيها رفع النقاب عن وجه المرأة – وقد كان يختلف إلى مجالس قاسم أمين- فيقول حافظ: (ولو خطرت فى مصر حواء أمنا/ يلوح محياها لنا ونراقبه/ وفى يدها العذراء يسفر وجهها / تصافح منا من ترى وتخاطبه)
وقد عمل حافظ إبراهيم بالمحاماة فترة، وتخرج فى المدرسة الحربية أيضا عام 1888، فقد عشق الشعر والأدب والصحافة فنشر على صفحاتها قصائده، والتحق بالعمل فى دار الكتب المصرية، وكان فى ذلك الوقت أحمد لطفى السيد مديرا لها، فتعاون معه فى مراجعة كتابه (الأخلاق) الذى ترجمه أحمد لطفى السيد عن أرسطو : أما حافظ نفسه فقد ترجم كتاب (البؤساء) لفيكتور هوجو.
كما ترجم حافظ كتيب فى (التربية الأولية)عن الفرنسية، كما أسهم مع خليل مطران فى ترجمة كتاب (الموجز فى علم الاقتصاد) وكلفهما بترجمته وزير المعارف حينذاك عام 1913، وقد أسهم حافظ بكتابة المقدمة، وصياغة الكتاب كما ذُكر فى بعض المصادر. وقد وضع حافظ عمله الأهم (ديوانه) فى أربعة أجزاء كما كتب (ليالى سطيح) وهى مقامة نقدية اجتماعية بث فيها خواطره وآراءه فى الأدب والسياسة والمجتمع، وندد فيها بالاحتلال الإنجليزى، وقد حذا فى كتابتها حذو محمد المويلحى فى كتابه (حديث عيسى ابن هشام).
ويعد ما كتبه حافظ من أشعار مرتبطا بالنهضة الوطنية والأدبية فى مصر، وقد استغرقه الشعر الاجتماعى حتى أطلق عليه (شاعر مصر الاجتماعي) كما يقول عبدالمنعم الجميعى فى كتابه 2012 (شاعر النيل – حافظ إبراهيم)، سلسلة رواد التنوير، ويضيف: كان حافظ يعبر عن كل ما يدور فى نفسه وخاصة أنه كان من طبقات الشعب التى سكبت فى روحه روح مصر الخالدة، فإذا شعب مصر يتغنى بقصائده، ومصر تبارك هذا الشعر الذى استنهض الهمم وتعد قصيدته (مصر تتحدث عن نفسها) والتى شدت بها أم كلثوم من أشهر قصائده: (وقف الخلق ينظرون جميعا /كيف أبنى قواعد المجد وحدى/ وبناة الأهرام فى سالف الدهر/ كفونى الكلام عند التحدى/ أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق / ودراته فرائد عقدي).
 كوكب الشرق أم كلثوم
 أم كلثوم ظلت دائما أكبر قوة ناعمة شكلت وجدان المصريين والعرب بصوتها الساحر، وغنائها الراقى الذى أدخل القصيدة العربية إلى وجدان الجميع، وأجرى بها لسان العامة فى كل مكان فكانت خير سفير للفصحى فى مصر وفى العالم العربى بل فى العالم الغربى أيضا.
 أدخلت مدرسة جديدة فى أسلوب الغناء الحديث، واستطاعت أن تضيف إلى مستمعيها قيما غنائية حديثة تتعلق بطرق الأداء والغناء كما اقترن صوتها بأعذب الكلمات لأمير الشعراء أحمد شوقى، وأحمد رامى ولغيرهما من شعراء مصر والعالم العربى، كما اقترن صوتها بأعذب الألحان والموسيقات فتعاونت مع عبدالوهاب فى لقاء السحاب الذى ضم معهما كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل، وأبدعوا فى أغنيات : (أنت عمري)، و(الحب كله)، و(أمل حياتي) وتمثل أم كلثوم نموذجا عصاميا متطورا فكانت تغنى بقريتها طماى الزهايرة بمركز السنبلاوين فى الموالد والأعياد والمواسم ثم غنت فى القرى المجاورة حتى شكلت قصة نجاحها فى القاهرة وكانت قد تتلمذت على يد المطرب المشهور الشيخ أبو العلا، واختطت لنفسها نهجا جديدا فى الغناء منذ ذلك العهد ففاقت أصوات مطربات عصرها جميعا.
 ففى عام 1926 استعاضت بتختها الجديد عن القديم، واستعانت بعازفين وتكونت فرقتها الجديدة من محمد العقاد الكبير (عازف القانون) ومحمد القصبجى (عازف العود)، وسامى الشوا (عازف الكمان)، ومحمد رحمى (عازف الإيقاع). وافتتحت بفرقتها تلك فى العام نفسه موسمها الأول على مسرح دار التمثيل العربى - وكان معهد الموسيقى العربية قد أعانها على ذلك فقد عرض عليها مصطفى رضا رئيس المعهد وحسن أنور وكيله أن يؤلفا لها فرقة موسيقية من أقطاب العازفين إذ أكبر معهد الموسيقى العربية جمال صوتها، وتوقع شأنها المنتظر فى الارتفاع بشأن الموسيقى الشرقية، وتبارى أقدر المؤلفين والملحنين فى التعاون مع أم كلثوم، وفى طليعتهم الشيخ زكريا أحمد، ورياض السنباطى، وأحمد صبرى، ومحمد القصبجى وغيرهم.
 وعندما افتتحت الإذاعة المصرية عام 1934 لأول مرة أحيت فيها أم كلثوم أول حفلة غنائية، ومن ميكروفون الإذاعة انتقل صوت كوكب الشرق إلى أنحاء العالم، كم خطت أم كلثوم خطوة واسعة باتجاه السينما فقامت ببطولة فيلمها الأول (وداد)، ثم فيلمها (نشيد الأمل) وفيلم (دنانير)، وفيلم (عايدة)، وفى عام 1943 مثلت فيلمها الخامس: (سَلاّمة) حيث قام بيرم التونسى بوضع حواره وأغانيه. وكانت أم كلثوم قد أسست عام 1943 أول نقابة للموسيقيين فى مصر، وظلت محتفظة بمقعد الرئاسة مدة عشر سنوات.
 حمل صوت أم كلثوم قضايا الوطن، وكان صوت ثورته إلى الدنيا فقد غنت لشاعر النيل حافظ إبراهيم قصيدته (مصر تتحدث عن نفسها)، وقصيدة : (صوت الوطن) لرامى وهى من أشهر أغانينا الوطنية ومطلعها : مصر التى فى خاطرى وفى فمى /أحبها من كل روحى ودمي) وغنت (قصة السد العالي) من شعر عزيز أباظة، وقصيدة (مصر) لإبراهيم ناجى، وأغنية (ثوار) وأغنية (طوف وشوف) لعبدالفتاح مصطفى، وقصائد للنيل العظيم أهمها (شمس الأصيل) لمحمود بيرم التونسى وقصيدة «النيل» لأمير الشعراء، كما أثرت مجال الغناء الدينى بقصائد مثل «ولد الهدى» و«إلى عرفات الله» لأحمد شوقى، و«حديث الروح» لمحمد إقبال، أما أغانيها العاطفية فقد هزت الوجدان المصرى والعربى والشرقى بل الغربى أيضا وليس أدل على ذلك مما ذكرته صحيفة «لوموند» تحت عنوان: «ملكة من مصر فى باريس» نقلا عن فيليب بروسار، ترجمة رانيا حفنى.
غنت كوكب الشرق على مسرح الأوليمبياد، ثلاث أغنيات «أنت عمرى» و«الأطلال» و«بعيد عنك»، عندما تغنى آلهة الفن المصرى تهتز الرؤوس من شدة النشوة كما تهتز أغصان النخيل على النيل، واستطاعت ملكة الغناء العربى أن تسيطر على قاعة «الأوليمبياد» وتضع جمهورها تحت سحرها لمدة أربع ساعات، جاذبيتها كامنة فى صوتها الملاطف القوى الحنون النقى كحبات الكريستال، إنها لا تجذب وتسحر رواد المسرح وإنما تسحر كل فرد على حدة وتخلق وحدة واندماجا كاملا بين خشبة المسرح والصالة، أغانيها الشاعرية وأداؤها الفريد يثير تنهدات ودموع الآخرين).
وكان الرئيس الفرنسى شارل ديجول قد أرسل لها برقية تهنئة بوصولها مرحبا بها قائلا : «لقد حققت نجاحا عظيما، وأنت تقدمين فنا راقيا، وتقاليد فنية لها أصول وجذور فى التاريخ ونحن نرحب بك فى بلادنا».
كما غنت أم كلثوم فى الاتحاد السوفيتى عام 1970 وفقا لبرنامج نظمته وزارة الثقافة المصرية ووزارة الثقافة فى الاتحاد السوفيتى (حينذاك) وقدمت هناك أغنية «ألف ليلة وليلة» من كلمات مرسى جميل عزيز، و«أراك عصى الدمع» لأبى فراس الحمدانى، و«مرت الأيام» لمأمون الشناوى، لكنها عندما تلقت نبأ وفاة الرئيس عبدالناصر وهى فى موسكو قطعت رحلتها وعادت إلى القاهرة وكانت كوكب الشرق قد تغنت بأغان وطنية عديدة ومنها: «يا جمال يا مثال الوطنية» من تأليف محمود بيرم التونسى، وأشادت القصيدة بالرئيس عبدالناصر، كما غنت «قوم بإيمان» من كلمات عبدالوهاب محمد متغنية بالإنسان المصرى المبدع والبانى والمشيد «ياللى بنيت الهرم قبل الزمان بزمان/ وبنيت لنا فى عصرنا السد فى أسوان/ كمل لـ مجد الوطن/ وابنى كمان وكمان/ خلى الأمل بالعمل يصبح وجود».
حيث بدا الحلم الوطنى والقومى متضافرين معا إسهاما مشتركا بين الإنسان المصرى وقيادته فهما بطلا هذا النشيد المبدع الذى يصف هذا الشعور الوطنى العارم: «وأنت مافيش يا بطل من معدنك إنسان» وقد انطلق صوت أم كلثوم فى أنحاء العالمين العربى والغربى بعد نكسة 1967 لتجمع المال من ريع حفلاتها للمجهود الحربى فغنت فى العديد من البلدان: ففى تونس غنت فى حفل حضره الرئيس الحبيب بورقيبة، وفى المغرب غنت فى حفل حضره الملك الحسن الثانى، كما غنت فى لبنان والسودان وليبيا، كما حمل صوتها سفارة مصر الثقافية فدعاها الشيخ زايد إلى «أبوظبى» عام 1971 وكان نص الدعوة يشمل تقديرا كبيرا لفنانة عربية راقية ساهمت فى النهضة الوطنية والعربية الفنية والحضارية، وغنت لآمال وآلام بلادها، وقد أنشئ مسرح مؤقت على أرض النادى الأهلى هناك الذى أصبح فيما بعد (نادى الوحدة) فى فترة قياسية لاتتعدى الثلاثة أسابيع لتكون طاقته الاستيعابية أربعة آلاف كرسى. وحضرت هناك لحظة تاريخية مميزة وهى إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة فى 2 ديسمبر 1971.
(محمد المر: «أم كلثوم فى أبوظبى»، وعرضه محمد الحمامصى بتاريخ 2/5/2018 على موقع العرب «الإلكترونى» وقد تغنى العديد من الشعراء بصوت أم كلثوم فى مصر والعالم العربى فقد كتب لها قصيدة أمير الشعراء شوقى كما وصفها شعراء العراق - عند زيارتها لها عام 1932 فقال عنها جميل صدقى الزهاوى (الفن روض أنيق غير مسئوم/ وأنت بلبله يا أم كلثوم) ووصفها كمال نصرت (أصوتك العذب أم مزمار داوود/ شجى الفؤاد وأبكى كل معمود). وقال عنها إبراهيم الزهاوى (أم كلثوم دولة تتباهى أرضها فى وجودها وسماها».
أما الرصافى فقد قال فيها قصيدته الشهيرة:
«أم كلثوم فى فنون الأغانى أمة وحدها بهذا الزمان». (من ملاحق جريدة «المدى اليومية»، ملحق المنارات بتاريخ 10/2/2015).
أما أمير الشعراء أحمد شوقى فقد وصفها فى قصيدته (سلوا كئوس الطلا) لتبقى أبياته وتبقى أم كلثوم فى قلوبنا تعيش دائما فى قلوب الناس يقول شوقى: «حديثها السحر إلا إنه نغم جرى على فم داوود فغناها»
موسيقار الجيلين محمد عبدالوهاب
اقترن صوته بالنيل العظيم، وتوحد وجدانه بالطبيعة المصرية الخصبة، مع كل نظرة للنيل الخالد، مع كل نزهة على ضفافه ينبعث صوت عبدالوهاب ممثلا للمصريين جميعا، متحدثا بما يصخب به الوجدان المصرى الصميم بمحبة النيل: يا واهب الخلد للزمان/ يا ساقى الحب والأغاني/ هات اسقنى ودعني/ أهيم كالطير فى الجِنان/ ياليتنى موجة فأحكي/ إلى لياليك ما شجانى». متغنيا بكلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل. عبدالوهاب الذى تغنى بدعاء الشرق والشرق ينبض بثورة النيل، ويتطلع إلى مصر وانتصاراتها، وأشواق التحرر تجيش فى قلب الشعوب العربية المتطلعة إلى وحدة الشعب العربى فتغنى عبدالوهاب معبرا عن هذه الآمال بدعاء الشرق فى 23 يوليو 1954. «يا سماء الشرق طوفى بالضياء وانشرى شمسك فى كل سماء ذكريه.. واذكرى أيامه بهدى الحق ونور الأنبياء».
عبدالوهاب الذى تغنى بكلمات أحمد شوقى فى قصائد خالدة، نددت بكل بطش وبكل استعمار فتغنى بقصيدة شوقى التى ألهبت مشاعر الأمة العربية إبان العدوان الفرنسى على سوريا، وكان شوقى قد ألقاها فى مؤتمر استنكر فيه المصريون هذا العدوان عام 1926، وغنى عبدالوهاب بعدها هذه القصيدة.
سلام من صبا (بردي) أرق ودمع لايكفكف يا دمشق- وذكرى عن خواطرها لقلبى- إليك تلفت أبدا وخفق». ويختتمها بأبيات صارت نشيد الحرية فى كل نفس، وأغنية التحرر من كل ظلم فيقول:
«وللأوطان فى دم كل حر
يد سلفت ودَيْن مستحق
ولايبنى الممالك كالضحايا
ولايُدنى الحقوق ولايحُقُ».
.. صوت عبدالوهاب الذى حمل على أوتاره قضايا أمته فتغنى بأجمل الكلمات، وأشدها قوة فى مخاطبة القلب والعقل والضمير فتراه يتغنى بقصيدة «فلسطين» التى كتبها الشاعر على محمود طه مصورا مأساة فلسطين عام 1948 فيقول:
«أخى جاوز الظالمون المدى
فحق الجهاد وحق الفدا».
..صوت عبدالوهاب وألحانه التى أصبحت ولاتزال قوة ناعمة آسرة، أثرت فى الموسيقى العربية، وفى كون الغناء والشدو سفير الحب والسلام والانتماء والوطنية.
يصفه الشاعر مصطفى عبدالرحمن فى كتابه «الشعر فى موسيقى عبدالوهاب» فيقول: «قدم للتاريخ حقبة فنية كاملة، نقلت الموسيقى العربية والغناء العربى، من الفطرة إلى القاعدة، ومن الارتجال إلى العلم فمن الأغنية الفردية إلى المجموعة، ومن التخت إلى التأليف الأوركسترالى، ومن العاطفى إلى الحماسى، حائزا قصب السبق فى كل إطار مواكبا أحداث الوطن العربى».
ويراه الموسيقار مدحت عاصم: «أعظم ملحن ومغن ظهر فى تاريخ الغناء المصرى والعربى، فمدارس التلحين والغناء المصرى التى بدأت من عهد «محمد عثمان» الذى وضع أساس بناء الدور الغنائى المصرى، ومن أعلامه عبده الحامولى التى تأثرت إلى حد كبير بالأسلوب التركى فى الغناء، لكنها مدرسة محمد عثمان وعبده الحامولى استحدثت طابعا مصريا خاصا له مذاق مختلف متميز وإن سار على نفس الدرب الجمالى التطريبى حتى جاء الشيخ سلامة حجازى فصبغ الغناء بصبغة تتحرر من رتابة الإيقاع ثم جاء سيد درويش فأحدث ثورة فى عالم الغناء وانتقل به من أن تكون غايته هى التطريب المنبعث من النغم الشجى ليصبح هدفه هو التعبير الدرامى، واستقى موسيقاه من منابع الألحان الشعبية المصرية، ثم أقبل عهد محمد عبدالوهاب أو مدرسته فى عالم الغناء المصرى الذى تأثر فيه بمدارس مختلفة أولاها مدرسة أئمة مشايخ القراء أمثال على محمود ومحمد رفعت، وثانيتها مدرسة سيد درويش المعبرة فى إطار من الألحان الشعبية المصرية الأصيلة.
أما ثالثة هذه المدارس التى تأثر بها عبدالوهاب فكانت المدرسة الموسيقية الغربية فى طابعها الكلاسيكى الرصين، والشعبى الخفيف، والرابعة هى الموسيقى الذاتية النابعة من أعماق مشاعر عبدالوهاب نفسه وعلى هذه الأعمدة الأربعة ارتفعت مدرسة عبدالوهاب، التى أثرت فى جيله من الملحنين والمغنين فى كل العالم العربى.
ولايزال فأسس مدرسة وأسلوبا فى عالم اللحن، وتنوع غناؤه بين الوطنى والعاطفى كما كان له مشوار مع السينما المصرية من خلال أفلامه الشهيرة التى بدأت بفيلم «الوردة البيضاء» 1933، «ودموع الحب» عام 1935، «ويحيا الحب»، عام 1938، و«يوم سعيد» عام 1940، «وممنوع الحب» عام 1942، «ورصاصة فى القلب» عام 1944، و«لست ملاكا» عام 1946 وقد تغنى فى هذه الأفلام بأغنياته الرائعة التى ملكت القلوب والمشاعر. •
 



التعليقات



بقلم رئيس التحرير

البداية من باريس

لن تكون أوروبا كما كانت.. أوروبا التى وضع أساسها الأمريكان بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع جورج مارشال انتهت،  فقد انفج..

اشترك بالنشرة الاخبارية

الاسم
:
البريد
:
   
RSS TwitterFacebook